وداعا أيها القرن العشرون
نعم.. لا نودعك حبا، وقد كنت ثقيلا مريرا، حملت سنواتك الاولى احداثا مؤلمة، أثرت على حياة شعبنا. كانت سنواتك الثقيلة مغمسة بالدماء والالم والموت. ليس بالنسبة لشعبنا الفلسطيني، فقط، وانما لكل شعوب العالم، ألست ابا الحروب العالمية الاولى والثانية، الم تكن صفحة من صفحات الاستعمار المستمرة. الم تفتح ابواب المال والغنى، لمن استعمروا عباد الله في آسيا وافريقيا وامريكا.
في سنواتك البركانية المتفجرة، تقسمت بلاد، وتشرذمت عباد وزالت دول وممالك، وألقي بالشعوب إلى الردى والمهالك، رقص الموت على ركام هيروشيما واشلاء ساكنيها الذين قضوا نحبهم بقنبلة نووية ألقيت على تلك المدينة وجارتها ناغازاكي.
في سنواتك اتفق العالم كله على التضافر والتعاون ضد الحروب، ولكن الاتفاق الذي جاء في المرة الاولى، بعد الحرب العالمية الاولى، كرس بداية الحرب العالمية، والتي انتجت هيئة الامم المتحدة من اجل صون السلام وحريات الشعوب في العالم.
اوراقك المبعثرة، اوراق بيضاء وسوداء وحمراء وصفراء، انها كما يقولون، بكل الوان الطيف وفيها كلمات عن العدالة الضائعة، والمسروقات الحية، والظلم العنيف، ومكاييل المصالح التي توزن على قارعة الهوى والغنائم.
الآن، يا أيها القرن، يا شجرة التوت، التي تساقطت أوراقها، لن نتحدث على وريقات الحب والاحباب، ولا عن تلك التي تناثرت عبر الفيافي والقفار والبحار والجبال، وانما عن ثلاث وريقات تركت شعبنا أمام مفاصل، أدت به إلى اشياء وأحداث خرقت هدوء حياته واستقرار امنه، وتواصل ايامه، ولنبدأ بالورقة الاولى، التي جاءت بعد الحرب العالمية الاولى، ومن مؤتمرات السلام والصلح في فرساي، حيث انتدبت بريطانيا على بلادنا فلسطين، واوكل اليها مهمة تنفيذ وعد بلفور، الذي أصدرته بريطانيا لليهود لكي تمنحهم وطنا قوميا لهم فيها.. وهي ورقة طاغية، ظالمة، اشعلت اللهب في ربوع فلسطين، وسادت اجواء العداء والكراهية فيها عندما بدأت جموع الغرباء بالتقاطر إلى بلادنا، للاقامة فيها، والاستعداد للخطوات القادمة.
اما الورقة الثانية، فكانت سلسلة من الجرائم القاتلة، نشاهد فيها امواج المهاجرين الغزاة، تتقاطر من كل صوب إلى فلسطين، وتستوطن في مراكز، يتم الانطلاق منها لتواصل السيطرة على الاراضي كلها.
ورافقت هذه الجرائم، التي كان للبريطانيين دور اساسي فيها، عندما كانوا يزيدون من اساليب التنكيل والتعذيب ضد كل فلسطيني يحاول ان يقاوم هذه الجرائم. رافقت هذه الجرائم سلسلة وعود كاذبة، كانت تكال لمواجهة حركات الغضب الفلسطيني، ضد كل ما كان يجري على مسرح الاحداث، ولتهدئة خواطر الزعماء الفلسطينيين، بالعمل على تنفيذ مطالب الحركة الوطنية الفلسطينية، التي كانت تطالب باستقلال دولة فلسطين، وايقاف الهجرة اليها، وانهاء الانتداب البريطاني وانها ورقة داكنة، ملطخة بالدماء والجرائم والاكاذيب والمراوغات، مهدت الطريق إلى الورقة الثالثة، التي تضمنت احالة قضية فلسطين إلى الامم المتحدة، التي ورثت عصبة الامم. وفي اجتماعات هذه الامم صدر قرار تقسيم فلسطين، واعطاء جزء هام وكبير من اراضيها، لكي يقيم عليها اليهود دولتهم، دولة اسرائيل. وقد رسم على هذه الورقة صورا مؤلمة عن عذابات الشعب الفلسطيني، الذي هُجر قسرا من مدنه وقراه، وتشرد في مناطق محيطة، واخرى بعيدة عن فلسطين. وبعد قيام دولة اسرائيل، واصلت هذه الدولة اعتداءاتها بهدف توسعها على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة. وظلت الامم المتحدة تبحث هذه الاعتداءات وتناقشها، وتصدر القرارات بأرقامها المختلفة، ومضامينها المتعددة. وظلت اسرائيل ترفضها، وتقابلها بأعمال أخرى، تتلوها قرارات ترفض من قبلها. حتى اصبحت حياة الشعب الفلسطيني قائمة على قرارات تحمل ارقاما متوالية، تحمل تواريخ ايامك، أيها القرن العشرين.
كانت الحرب الباردة قاسية، تماما كصقيع الشتاء على الفقراء، ذهب خلالها ضحايا، وسقطت قضايا، وذابت مع ثلجها كثير من اماني الشعوب. وانتهت الحرب الباردة كما بدأت، وحل محلها نظام عالمي جديد، وضع نصب عينيه ان ينهي بقايا الحرب الباردة.
كنا نحن الفلسطينيين، وحدنا نلاطم أمواج الحروب، وصواعق الايام، لم تستطع الايام ان تفت من عضدنا، ولا من قسوة سواعدنا. شهدت بدايتك، يا أيها القرن العشرون، محاولات لطمس هوية شعبنا الفلسطيني والغاء وجوده السياسي والجغرافي. ومورس ضدنا كل انواع البطش والقتل والتشديد..
من قلب الآلام والاحداث القاسية انطلقنا، وقلنا للعالم أننا اصحاب حقوق وطنية في فلسطين. كان على العالم ان يفهم معنى قولنا الذي صار يعلو ويعلو، وان يقدر أسلوب نضالنا الذي اخذ يمتد ويمتد. حملنا البندقية وغصن الزيتون.. كانت البندقية بندقية مناضلة، تعرف كيف تفتح فمها وتطلق رصاصها. وكان غصن الزيتون يرفرف على مسيرتنا، ويقينا من نيران العدو والمؤامرات.
في السنوات الاخيرة من القرن العشرين، وبينما كانت شمسه تذهب إلى المغيب، عاد الشعب الفلسطيني متشحا بحقوقه الوطنية مسلحا بتاريخه وثقافته، قويا بارادته التي لم تلن، عاد إلى الساحة الدولية، وعادت فلسطين من جديد، تخوض نضالا من نوع جديد.
وقع اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، وجرت مفاوضات، وقعت على اثرها اتفاقات، وقامت سلطة وطنية فلسطينية، تسير الآن بخطى ثابتة نحو انجاز الاستقلال الوطني الفلسطيني، الذي نحتاج لانجازه، جهودا وتضحيات، وعمل دؤوب، واخلاص ومثابرة. أننا بحاجة ماسة إلى كثير من العمل وقليل من الكلام، والى ان لا نخطو الخطوة، الا بعد تفكير عميق.اننا بحاجة ماسة إلى تعميم قيم الحياة الجديدة، التي تنطلق من فلسفة حياتنا ومرتكزاتها الاساسية، ولتكن البداية من الانسان ذاته، ثم إلى من حوله، ومن حول حوله.
وعند نهاية القرن العشرين، ونحن نخطو إلى بداية القرن الحادي والعشرين، سيكون امامنا سيل من المعرفة الطاغي، وثورة الانترنت والبريد الالكتروني، وسهولة الاتصال بين اجزاء العالم، وطغيان الآلة على كل شيء، وتزايد عدد السكان في العالم.. وتهديدات أسباب الحياة.
وعلينا أن نحدد مكاننا من هذه التطورات.