Fateh

اسرائيل والكيان الفلسطيني
(2)

ان تبني المؤلف سياسة نعم للفصل ولا للدمج، ومحاولة تحويلها الى نظرية سياسية من خلال طرح التساؤلات هنا وهناك داخل الكتاب وفي اروقة متخذي القرارات في السياسة الاسرائيلية حول اهمية الحفاظ على المصالح القومية الامنية والاقتصادية الاسرائيلية واعتمادها كاساس للتوجه في عملية الفصل، التي تشكل في النهاية الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الطابع اليهودي الديمقراطي لدولة اسرائيل، وهذا امر ليس بجديد الا انه في نفس الوقت امر غريب ويعبر في النهاية عن سياسة ابتزاز، مثل الاستعداد للحوار حول الاعتراف بالكيان الفلسطيني شرط التخلي عن قضية اللاجئين من عام 1948، ومجرد طرح مثل هذه التساؤلات وعرضها بشكل تقني مشحون بالاوهام وبالقدرة على الاستمرار في السيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني في المستقبل بعد ان سيطر على ارضه طيلة سنوات الاحتلال، يحمل في داخله استبعاد تام للمصالح القومية للشعب الفلسطيني في حقه ليس فقط بالاستقلال على ارضه وانما محاولة الغاء ما تعنيه كلمة الاستقلال او السيادة لدى الشعب الفلسطيني . والظهور امام العالم والرأي العام الدولي بوجود عدم ممانعة اسرائيلية لقيام ما يسميه المؤلف بالكيان الفلسطيني عدم ممانعة مشروطة بتجريد امكانيات صمود وتطور هذا الكيان الى دولة مستقلة لها مكانتها بين الدول والشعوب المجاورة، ومن خلال الغاء أي دور استراتيجي لها ما عدا اتهامها باحتضان وتشجيع الارهاب فقط لا غير . فهذا الشعار وهذه النظرية ترتبط بمصالح قومية وباستراتيجيات عدوانية اكثر مما تعبر عن الرغبة الحقيقية في التوجه نحو السلام مع الشعب الفلسطيني .

لذلك فالتعامل مع الواقع الاستيطاني الجديد لب الخلاف الذي يعتقد المؤلف عدم امكانية حله بسهولة كواقع شرعي، والدعوة الى التعاطي معه من خلال حلول واقعية امر يثير الاستفزاز فعلا وكأن الانسحاب الاسرائيلي من الجولان او من الاراضي الفلسطينية هو امر مؤلم للشعب اليهودي يتطلب الاحساس بمخاطره وبابعادة القيمية والاخلاقية على وحدة اليهود . وهذا امر غير صحيح ابدا فالاستيطان كان دوما استيطانا من خلال الاستيلاء على الارض بالقوة العسكرية ومن خلال طرد اصحاب الارض الحقيقيين . لذلك من الاكيد ان يكون الحل غير واقعي بالنسبة للمستوطنين وكأن حق العودة للملايين من اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا تحت تهديد السلاح الى التشرد في بلاد العالم والمعاناة غير واقعي امام الالاف من المستوطنين المدججين بالسلاح والفكر العدواني العنصري .

في الفصل الخامس يعرض المؤلف وتحت عنوان "ثمن الفصل" مجموعة كبيرة من النقاط ومن خلال الحديث عن اكثر من مجال، على الصعيد السياسي (الدولي والاقليمي) وايضا على الصعيد الامني، الاقتصادي، الاجتماعي، الجغرافي الديمغرافي . فاسرائيل ستضطر الى مواجهة مصاعب كبيرة في حال تبنت هذه السياسة، لكن لكل ثمن يوجد ثمن والهدف يبرر الوسيلة . من هنا يفترض المؤلف وجود معارضة كبيرة ومتوقعة لجهات عالمية واقليمية ومحلية لسياسة الفصل التي يدعو اليها وخصوصا من جهة الدول الاوروبية ومن ثم الولايات المتحدة، لذلك ستضطر اسرائيل لمواجهة هذه الانتقادات ليس فقط بسبب الثقل السياسي والاقتصادي التي تتمتع به هذه الدول الديمقراطية، وانما بسبب ان هذه الدول ستصر في المستقبل القريب على تحميل اسرائيل المسؤولية عن مصير الشعب الفلسطيني وعن الاوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيش بها. وهي تعتبر ان هذه الازمات الاقتصادية والوضع المعيشي السيء هي نتاج لخمسين عاماً من الاحتلال الاسرائيلي المتواصل . لذلك فهذه الدول تعتقد بان اسرائيل لا تملك الحق الاخلاقي بتبني نظرية الفصل والتخلي عن مسؤولياتها، اضافة الى التحذير من النتائج المتوقعة لاستمرار الازمات الاقتصادية ومدى تأثيرها على زيادة التطرف وبالتالي منع تطور العملية السلمية .

اما على الصعيد الاقليمي فيفترض المؤلف ايضا وجود معارضة متوقعة من الدول العربية ومن الجانب الفلسطيني، والحديث هنا عن دول ترتبط باسرائيل باتفاقيات سلام مثل مصر التي من المتوقع ان تعارض هذه العملية ليس فقط بسبب كون هذه العملية قد تساهم في تخلص اسرائيل من سلاح قوي لاضعافها، وانما بسبب التخوف من تحول اتجاه الازمة الفلسطينية الى مصر . وهنا يعرض المؤلف مصر من خلال كونها دولة قلقة جدا في السنوات الاخيرة من التهديد الاسرائيلي على موقع مصر في المنطقة، والتخوف من تحول اسرائيل الى عنصر حر في توازن القوى المحلي، الامر الذي قد يدفع بمصر الى دول العالم الثالث على ايدي اسرائيل التي تنتمي الى العالم الاول . لذلك تحاول مصر منذ ان استعرضت اسرائيل مدى قوتها في مؤتمر كازا بلانكا في نوفمبر 1994، بمعنى آخر فان السبب الرئيسي لمعارضة مصر هو محاولة المس بموقع اسرائيل في كل مجال ممكن، لذلك ايضا فمصر غير معنية بازاحة الثقل الفلسطيني عن كاهل دولة اسرائيل . الدولة الثانية هي الاردن التي يوجد لديها تخوف من نتائج خطيرة لانفصال الفلسطينيين عن اسرائيل وبناء كيان مستقل بالشروط الاسرائيلية والتي قد تؤدي الى نزوح الكثير من الفلسطينيين للعمل في الضفة الشرقية الامر الذي سيمس بالتوازن الجغرافي، الاقتصادي والسياسي في المملكة .

اما على الصعيد الداخلي فالمعارضة المتوقعة بالنسبة له هي معارضة من كل الجهات، من اليمين الذي سيعترض على التنازلات الاقليمية والحدودية المرتبطة بنظرية الفصل بين الشعبين لتعارضها مع شعار ارض اسرائيل الكبرى . اما اليسار وقسم من اليمين الليبرالي فسيعترض من منطلق معارضته للانسحاب من المسؤولية الاسرائيلية الاخلاقية عن مصير الفلسطينيين .

اما على الصعيد الامني فالمخاطر تكمن في الانسحاب من مناطق شاسعة، التي هي بحد ذاتها ستضع العقبات امام امكانية محاربة الارهاب في مجال الردع، الاستخبارات، منع العمليات الارهابية والعقاب وخصوصا في ظل عدم رغبة السلطة الفلسطينية من التعاون في هذا المجال، وهذا الامر الذي قد يكون ممكنا في حال لم تكن اسرائيل والفلسطينيين مختلفين حول موضوعين مركزيين من غير المتوقع التوصل الى اتفاق وفي مقدمتها قضية اللاجئين 1948 ومسألة القدس . . اضافة الى المخاطر الكامنة في هذا الانسحاب في حال تورط اسرائيل في أي حرب مستقبلية مع الدول العربية .

على الصعيد الاقتصادي، يتحدث المؤلف عن تكاليف التنفيذ والحفاظ على عملية الفصل المادي وعن فقدان امتيازات اقتصادية كبيرة قد تنتج عن عملية الفصل في ثلاث مجالات: الاول، تكاليف انشاء الخط الفاصل والحفاظ عليه التي قد تصل الملايين من الدولارات وخلال سنوات قليلة. الثاني في حجم الخسارة الاقتصادية من تقليص امكانيات التصدير الى مناطق السلطة الفلسطينية ومن فقدان القوى العاملة الرخيصة للقوى العاملة الفلسطينية الثالث في حجم العقوبات الاقتصادية التي قد تنتج عن قيام جهات دولية بتنفيذ عقوبات وخصوصا اوروبا ضد اسرائيل .

اما في المجال الاجتماعي فالحديث عن تكاليف تشغيل العمال الاجانب ومخاطر استقرارهم في اسرائيل بعد ان وصل عدد العاملين الاجانب في عام 1999 الى 250 الف عامل اجنبي اضافة الى 12 الف عامل فلسطيني .

على الصعيد الجغرافي الديمغرافي فالحديث عن تمزق نسيج الحياة للسكان اليهود والعرب المرتبط بعضها ببعض اما في المجال القيمي فالحديث عن الانفصال هو اكثر من المواقع الاساسية للتقاليد اليهودية والانسحاب من المستوطنات.

وفي خاتمة الحديث عن هذه المجالات يعترف المؤلف بان اسرائيل ستفقد نتيجة لهذه السياسة السلاح العقابي .

في الفصل السادس يعرض المؤلف مجموعة من النتائج والتوصيات السياسية مثل المواجهة او التهرب من اتخاذ القرار، الدعوة الى اتخاذ اجراءات من جهة واحدة في ظل غياب اتفاق حول الحل النهائي ، تبني استراتيجية للانفصال وتنفيذ برنامج الانفصال كخطوة استراتيجية.

بالنسبة للدولة الفلسطينية وبسبب ارتباط سياسة الفصل ارتباطاً مباشراً بالدولة الفلسطينية وبسبب ان معارضي هذه السياسة هم من المتخوفين والمعارضين من ان تؤدي هذه السياسة الى اقامة دولة فلسطينية، وهنا يعتقد المؤلف ان اقامة مثل هذا الكيان الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة هو مرتبط ومشروط بنجاح اسرائيل في فرض الشروط التالية في اربع محالات . الاول، هو ان الحدود النهائية التي ستفصل بين اسرائيل والكيان الفلسطيني ستختلف تماما عن الحدود منذ عام 1967 . الشرط الثاني هو فرض المعوقات والعقبات على ما يمكن لهذا الكيان ان يمارسه في عدد من المجالات العسكرية والمدنية . الثالث فرض المعوقات على امكانيات عقد التحالفات المستقبلية بين الكيان الفلسطيني وبين جهات معادية لاسرائيل، اما الشرط الرابع فهو الاخطر من بين هذه الشروط وهو المطالبة بتوقيع الجانب الفلسطيني على وثيقة وبرعاية امريكية تتعهد فيها بعدم مطالبة اسرائيل في المستقبل بأي مطالب اقليمية او غيرها ما خلف الحدود التي ستفصل بين هذا الكيان ودولة اسرائيل في الحل النهائي.

ومن اجل البدء بتحديد الحدود النهائية التي ترى اسرائيل فيها الحفاظ على المصالح الامنية القومية والتي يوجد عليها اتفاق وطني لا حاجة لانتظار موافقة الجانب الفلسطيني ، اما بالنسبة للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقضية القدس وخصوصا في حال فرضت اسرائيل الحدود النهائية من طرف واحد.

وهنا يعتقد المؤلف ان هناك حاجة الى البدء بعملية اقناع بين صفوف الاسرائيليين بان هذه التنازلات ضرورية للاسرائيليين ليس اقل من العرب، ضرورية لامن واستقرار اسرائيل بدون أي ذكر لامن واستقرار الفلسطينيين كشعب له الحق في تقرير المصير .

* مخطط الون :

والذي تم عرضه لاول مرة على الحكومة في تموز 1967 وتم التعديل عليه في الاعوام 1968، 1969 والخريطة التي يعرضها المؤلف في الكتاب تعود الى عام 1970 والتي رسمت على اساس الخريطة التي اعدها في معهد دراسات قوة الدفاع في اسرائيل ومن خلال الاعتماد على ارشيف يغئال الون وعلى وثائق لم تنشر في السابق . على الرغم من عدم موافقة الحكومة رسميا على هذا المخطط، الا ان الحكومة انذاك وافقت على اعطاء الضوء الاخضر لممثليها في الاتصالات مع الملك حسين ومع الولايات المتحدة في نقاش هذا المخطط على افتراض انه وفي حال الاتفاق عليها ستتبناها الحكومة .

* "خريطة نتنياهو "، "مخطط الون" "الطريق الثالث" وموقف باراك تعبير جغرافي لنظرية الفصل .

مع نهاية ايار 1997 افادت مصادر اسرائيلية موثوقة عن وجود خريطة سرية لنتنياهو كان ينوي تقديمها في المفاوضات حول الحل النهائي والتي كان الحديث فيها عن تسليم السلطة الفلسطينية في المرحلة الاولى حوالي 40% من مناطق الضفة الغربية في حين تبقى النية لتسليم مناطق اخرى مفتوحة ومرتبطة بالاوضاع الامنية، وحسب نفس المصادر فان هذه الخريطة ارتبطت بمخطط الون التي ارشدت نتنياهو صياغة مخططه النهائي ، وهنا يؤكد المؤلف انه وعلى الرغم من ان نتنياهو قد انسحب (مؤقتا) من النشاط السياسي بعد هزيمته عام 1999 الا انه من الضروري عرض اهمية مواقفه السياسية هو ومن يأتي بعده . فاليمين يعترف بان لنتنياهو دور كبير في اعطاء الشرعية لاعتراف اليمين باعادة تقسيم ارض اسرائيل الغربية على حد تعبير المؤلف.

* خريطة بيلن وخريطة الفر:

ويعرض المؤلف في الكتاب خريطة تم اقتباسها من كتاب نشر في لندن لثلاثة من الباحثين، فلسطيني، اردني وباحثة بريطانية وفي هذه الخريطة تم التعليم على المناطق التي سيتم ضمها الى اسرائيل في تكتل ارئيل، غوش عتصيون، تكتل موديعين - اللطرون وفي منطقة القدس . وهو يقتبس موقف يوسي الفر الذي سبق له وان اعلن في مؤتمر ايباك في واشنطن عام 1999 بانه وبعد ان فحص مع مجموعة من الفلسطينيين والاسرائيليين شاركت في محادثات ابو مازن- بيلين مدى مصداقية هذه الخرائط في كتاب مصطفى حمارنة، خليل الشقاقي وروزماري هوليس.

خريطة المياه الجوفية :

التي تجسد لماذا من غير الممكن ضم مجمع المياه الجوفية الاساسي المطلوب للسكان الاسرائيليين في مجال السيادة الاسرائيلية، وعلى الرغم من احتوائه لمناطق يمكن ضمها الى اسرائيل مثل ارئيل الا انه يضم ايضا مدناً فلسطينية كبيرة لا يمكن ضمها مثل قلقيلية وطولكرم.

* خريطة الممرات الممكنة :

التي تشير الى عدد كبير من الممرات والمعابر التي يجب العمل من خلالها في حال لم يكن هناك اتصال جغرافي بين المناطق التي سيتم الانسحاب منها، وعند عرض مثل هذا الاتصال يتطلب الامر اقامة ممرات اسرائيلية في المناطق الفلسطينية وهذا ما تم عرضه في مخطط يغئال الون وفي خريطة نتنياهو واقتراح الطريق الثالث في حال عدم وجود مخطط حالي يوفر هذا التواصل بين اسرائيل والبؤر الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربي وقطاع غزة .

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست