في ذكرى النكبة والكارثة
الدخول إلى المحافل الدولية
(21)
استهدفت الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان، صبيحة يوم 6 حزيران 1982، القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. وكان مخططاً لها، من قبل قادة اسرائيل، أن تنتهي في مدة 48 ساعة. الا انها وامام مقاومة رجال منظمة التحرير الفلسطينية العنيفة، اوقعت حكومة اسرائيل في موقف صعب، ضاعف من صعوبته الخسائر الكبيرة التي وقعت في صفوف الجيش الاسرائيلي، وما لاقاه العدوان الاسرائيلي من معارضة دولية واسعة، شملت قطاعاً كبيراً من الرأي العام الاسرائيلي.
وصل إلى المنطقة المبعوث الدبلوماسي الامريكي فيليب حبيب، لكي يرتب وقف اطلاق النار، الذي استمر طويلا، وبالرغم من نجاحه في تحقيق ذلك، الا انه لم يستطع ايقافه مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتركز القصف الاسرائيلي لمدينة بيروت، التي قطع عنها الماء والكهرباء، وحوصرت من مختلف الجهات، بهدف اجبار قيادة المنظمة على الاستسلام لأي حل سياسي كانت تسعى اسرائيل لفرضه عليها.
وفي الوقت الذي كانت القيادة الاسرائيلية، تضع خططها لاحتلال مدينة بيروت، وضعت في حسابها مقاومة الفدائيين الفلسطينيين، وما ستدفعه هذه المقاومة في جيش اسرائيل من خسائر كبيرة. وهذا ما فتح المجال لانجاز اتفاق ينظم خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت، بحيث تصان كرامتهم، وتضمن حياة الفلسطينيين في لبنان. ومع ذلك فقد ظلت القوات الاسرائيلية، تعمل في ظل هذه المفاوضات على قضم مناطق اخرى تحيط ببيروت، وتواصل قصفها لها.
وفي يوم 12/8/1982، تم التوصل إلى وقف اطلاق النار، وبدأت مغادرة الفدائيين الفلسطينيين بيروت، بلباسهم العسكري، حاملين اسلحتهم الخاصة بهم إلى منافي جديدة في البلاد العربية، ودخلت القوات المتعددة الجنسيات إلى بيروت. وفي يوم 1/9/1982، غادر الرئيس عرفات بيروت، ورد على اسئلة الصحفيين عن وجهة سفره قائلا، انا ذاهب إلى فلسطين. وبعد ذلك اعلن الرئيس ريغان رئيس الولايات المتحدة مبادرته السياسية تجاه الشرق الاوسط، والتي دعيت باسمه، والتي اكدت على ضرورة حل القضية الفلسطينية.
اغتيل بشير الجميل رئيس جمهورية لبنان المنتخب، بعد ايام من انتخابه، فاتخذت اسرائيل قرارها بدخول بيروت الغربية والانتشار في مناطقها الرئيسية، وقامت بفرض سيطرتها على الشوارع الرئيسية فيها، فمهدت بذلك الطريق لدخول القوات اللبنانية إلى المخيمات الفلسطينية، حيث تم تنفيذ مجزرة رهيبة بحق النساء والاطفال في مخيمي صبرا وشاتيلا، قوبلت باستنكار عام، وطرحت مسألة حماية المدنيين الفلسطينيين في لبنان من جديد، بعد ان اصبحت احتمالات الانتقام قوية.
تواجدت قوات الفدائيين الفلسطينيين مع نهاية شهر ايلول 1982، في مناطق الشمال اللبناني، وفي سهل البقاع الشمالي، وقد شهدت الساحة اللبنانية في ربيع 1983، حركة انشقاق خطيرة، كادت ان تكون طعنة عميقة في جسد الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولكن هذه الحركة لم تجد النجاح، الذي كان ينتظره المخططون لها، عندما ؟؟ الوحدة الوطنية في التفاف الشعب الفلسطيني حول قيادته الشرعية، التي بدأت، في ذلك الوقت، اعادة تنظيم قواعدها في ديار المنافي الجديدة، التي ارادت اسرائيل ان تكون بعيدة عنها. وقد استطاعت قيادة المنظمة الانطلاق من جديد، ودخلت ميدان نضال جديد، متمسكة بمبادئها واهدافها، بينما تساقط اركان العدوان عليها واحداً اثر آخر. فقد ترك مناحيم بيغن مكتبه في رئاسة الحكومة الاسرائيلية، وحاصر نفسه في الكآبة والهزيمة، وارغم شارون على الاستقالة من منصبه، وانتهى الآخرون نهايات غير سعيدة.
استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية صنع ائتلاف بين القوى السياسية الفلسطينية، التي انتهجت اسلوب الكفاح المسلح، واعطت للنضال الفلسطيني هوية نضالية سياسية، وفرضت وجودها على الساحة العربية والاسلامية والدولية، وربطت مختلف شرائح الشعب الفلسطيني بروابط تنظيمية متعددة الأشكال. وحققت بذلك استقلالاً فلسطينياً سياسياً وطنياً، تحدد هدفه في اقامة دولة فلسطينية مستقلة، بعد تبين منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج المرحلي عام 1974، وتطور الفكر السياسي لها، من مقولة تحرير فلسطين، إلى اقامة الدولة على أي جزء من ارض فلسطين، يجلو عنه الاحتلال الاسرائيلي، على الرغم من معارضة قوى سياسية فلسطينية داخلها مدعومة من بعض الدول العربية.
جاء تبني المنظمة للبرنامج المرحلي، بعد ان وجدت صعوبة في ايجاد قاعدة لها على الارض الفلسطينية، على الرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في كل من الضفة وغزة، وبعد ان تعرضت قواعدها في الدول العربية إلى تصفيات وحشية، وبعد ان صدرت دعوة، لم تجد طريقها إلى الانتشار، تقول باقامة دولة فلسطين الديمقراطية، التي تجمع الفلسطينيين مهما كانت اديانهم فيها. وعدد من المبادرات الدولية والعربية لحل مشكلة فلسطين، من خلال ما اصبح يدعى بمشكلة الشرق الاوسط، بعد حرب عام 1967، التي صدر بعدها القرار ؟؟ رقم 242، الذي نظر إلى المشكلة بعيداً عن جوهرها المتمثل بالقضية الفلسطينية، والتي ذكرت من خلال تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وما تلاه من مشاريع مشابهة. ثم طرأت نقاط تحول جديدة في المشاريع الاخرى، بعد صدور قرار مجلس الامن رقم 338، لعام 1973، حيث بدأت الدول الاوروبية، تتحدث عن ضرورة اشراك الفلسطينيين في اية مفاوضات سلمية، ثم البيان السوفييتي الامريكي الذي طرح في تشرين اول 1977، وتحدث عن حل المشكلة الفلسطينية، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وجاء في بيان لقمة البندقية عام 1980 عن رؤساء الدول والحكومات ووزراء خارجية تسع دول اوروبية، ان المشكلة الفلسطينية ليست مجرد مشكلة لاجئين، ويجب ان تجد حلاً عادلاً. وأن الشعب الفلسطيني، الذي يؤمن بوجوده كشعب، يجب تمكينه من ممارسة حقه في تقرير المصير بصورة كاملة، عن طريق عمل ملائم، في اطار حل سلام شامل. ولم تكن مبادرة الرئيس ريغان التي اطلقت في 2/9/1982، اكثر من محاولة لوضع ما دار في محادثات كامب ديفيد، عن حقوق الشعب الفلسطيني موضع التنفيذ. إلى جانب طرح مبادئ عامة، تستند اليها السياسة الامريكية، تجاه النزاع العربي الاسرائيلي.
وقد عززت القمة العربية في دورتها الثانية عشرة في مدينة فاس بالمغرب، المواقف والمبادرات السلمية في المنطقة عندما مبادرة السلام بتاريخ 19/9/1982 التي اكدت فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف. كما اكدت مبادرة بريجنيف الرئيس السوفييتي في مبادرته بتاريخ 16/9/1982 حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة، واقامة دولة فلسطين في الاراضي التي سيتم تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي، وعودة القدس الشرقية إلى هذه الدولة.
دخلت منظمة التحرير الفلسطينية المحافل الدولية، من باب السلام، بعد ان فرضت نفسها في ساحات النضال سنوات طويلة. وفهم الجميع ان هذه المنظمة هي الجهة القادرة على قيادة الشعب الفلسطيني إلى تحقيق امانيه الوطنية الثابتة. وتعاملت قيادة المنظمة مع طروحات السلام بحذر شديد، لكي لا تقع في فخ الالاعيب الدولية. فقررت في كل المؤتمرات، التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وبالمنظمة، واستقلاليتها، والاستمرار في رفض قرار مجلس الامن رقم 242، وعدم اعتباره اساسا صالحا لحل القضية الفلسطينية، لأنه يتعامل معها كقضية لاجئين، ويتجاهل الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. إلى جانب الاعلان عن تمسكها بقرارات القمم العربية المتعلقة بقضية فلسطين. وقد خضعت لشروط المحيط الاقليمي والدولي، الذي كان يسعى إلى اخضاعها لظروف القضية الفلسطينية، الناجمة عن غياب الارض الفلسطينية، حيث تعرضت لضغوطات عربية متباينة. على الرغم من سعي قيادتها وحرصها على البقاء بعيداً عن الصراعات العربية العربية، وتفانيها المستمر للحفاظ على وحدة الصف والهدف العربي.
استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية وهي تخوض غمار الاحداث المتواصلة، التي كانت تستهدفها، ان تلتقط لحظات تاريخية، وتوظفها لخدمة هدفها الوطني المستقل، فقامت بعام 1988 بهجوم السلام، الذي فتح لها المجال للتعامل مع الولايات المتحدة الاميركية، مستفيدة من اشتعال الانتفاضة الشعبية في الاراضي الفلسطينية، التي استمرت سنوات عديدة كرد فعل شعبي على الاحتلال الاسرائيلي، فوظفت قيادة المنظمة الاحداث المتعلقة بالانتفاضة، في اطار وتيرة برنامجها المرحلي، فدخلت مفاوضات مدريد، التي عقدت لحل مشكلة الشرق الاوسط، بمبادرة امريكية، ثم ذهبت في محادثات سرية إلى اوسلو، اسفرت عن اعلان اتفاق المبادئ في 13/9/1993، ودخلت بموجبها القضية الفلسطينية معتركاً جديدا، بعد ان اعلنت منظمة التحرير الفلسطينية قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، ومباشرة النضال بأساليب جديدة، ولا تزال جارية ومستمرة، بانتظار الوصول بالقضية الفلسطينية إلى اتفاق سلام دائم.