Fateh

تطور الفكر السياسي الفتحوي
(18)

جاءت الانطلاقة الثانية في 28 آب/اغسطس في وقت كانت فيه الامة العربية بأنظمتها تعيش حالة من اليأس والتردي وفقدان الثقة. وكانت ملامح التعايش والرضوخ للامر الواقع تحاول غزو الضفة الغربية وقطاع غزة. فالوضع الذي كانت تعيشه هذه المناطق قبل الاحتلال. وسهولة سقوطها في ايدي العدو دون مقاومة باسلة.. الى جانب حالة التلاقي الجديد الذي بدأ ينشأ بين الاهل في الارض المحتلة 48 والاراضي المحتلة حديثاً. كل هذه المؤشرات جعلت الانطلاقة الثانية ضرورة حتمية، ليس فقط لتصعيد المقاومة وانما لمنع الانهيار وتجذره في نفوس ابناء الشعب الفلسطيني.
كانت ردود الفعل على الانطلاقة متباينة عند الكثيرين. فالشعب الذي يرحب بها كان قد عاش تجربة التحضير لها خلال شهرين من الاحتلال تم فيهما تدريب الآلاف من الشباب، سواء في قاعدة الهامة او في القواعد الارتكازية المنشأة في الريف الفلسطيني.
وكان على فتح ان تعيد تعبئة الجماهير بعد النكسة بحيث يجعل منها اداة حقيقية لاستيعاب دروس النكسة التي نشأت بسبب ابتعاد الجماهير عن دورها في حماية الوطن.
وجاء البيان السياسي الذي اصدرته فتح في اول اكتوبر ليؤكد على استمرارها في النضال وفي تصعيده معتمدة على الخط الجماهيري الداعم الاساسي للثورة. وقد جاء في البيان ما يلي:
(يا جماهير امتنا العربية الصامدة:
في هذه الظروف المريرة التي تعيشها امتنا العربية نحس من اعماقنا ان مزيداً من المسؤوليات التاريخية قد القتها النكسة البشعة على كاهل شعبنا الفلسطيني بكل طلائعه الثورية وفئاته الوطنية الشريفة.
لقد كانت النكسة بما فيها من مظاهر الفشل والتخاذل والتآمر، دليلاً جديداً على خطأ ابعاد الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة عن ساحة المعركة وابطال دورهما البطولي في مواجهة العدو المغتصب، بالرغم من كل ما يقال عن بساطة السلاح الشعبي والاساليب الجماهيرية في القتال، وما من ثائر تعلم الحرب الا بعدما خاض غمارها وقاسى ويلاتها.
ان الاستعمار الانجلو امريكي الالماني لن يتخلى عن دولة الاحتلال الصهيوني. وسوف يستمر في تقديم السلاح والمال لها كي تستمر في وجودها العدواني، فهل من المعقول ان نقصر اعتمادنا في الكفاح على الجيوش النظامية وحدها دون ان يكون للجماهير دورها الاساسي في المعركة؟ ان العدو بهذا المنطق يفرض علينا اسلوبه وادواته في القتال وهو اقدر منا على امتلاك هذه الاسلحة الفتاكة واستخدام ابشع الاساليب العدوانية.
ان استمرار العدوان الامبريالي الصهيوني في مشرقنا العربي جريمة اخلاقية في حق الانسان على هذه الارض، ولن يبطل مفعول هذه الجريمة ويسحقها ويدمر مدبريها الا الجماهير العربية بنضالها الشعبي المسلح على مختلف الجبهات وعلى المدى الطويل.
عندما انطلقت قوات العاصفة تدق اجراس الانذار في المشرق العربي، كان الواقع العربي الرسمي يعتقل رجالنا ويزجهم في السجون. ومع الاسف ما زلنا نشهد نفس الاساليب في القمع والاعتقال حتى بعد ان سلمت الضفة الغربية بدون قتال.
يا جماهير شعبنا العربي:
لم يعد التسليم بالامر الواقع والتضليل والتزييف اموراً مقبولة لدينا بعد ان اتضحت الطريق الدامية وانفضحت القوى العملية المتآمرة التي تسعى الان لتصفية القضية الفلسطينية بالعمل السياسي المحض وبمزيد من التنازلات عن ارضنا الطيبة. وما تصريح الزعيم الجزائري البطل هواري بومدين بهذا الصدد اثناء انعقاد مؤتمر القمة الاخير الا دليلاً على صحة ما نقول.
وانطلاقاً من هذه المواقف العربية المتناقضة ومن هذه الاوضاع بما تحتويه من عناصر القوة والضعف والشجاعة والاقدام والتخاذل، تعلن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وجناحها العسكري (العاصفة) استمرار وتصعيد حربها الثورية المقدسة ضد الاحتلال الصهيوني باصرار وصلابة وعنف، فالارض ارضنا والشعب شعبنا ونحن اصحاب القضية واولى بالدفاع المستميت عنها. اننا ندعو كل القوى الوطنية الشريفة الى الالتفاف حول حركة المقاومة الشعبية المسلحة التي بدأها شعبنا العظيم في الضفة الغربية والقطاع وفي الجليل والنقب، وليكن شعارنا جميعاً الاستشهاد حتى النصر.
عاشت فلسطين حره عربية.
عاش النضال العربي من اجل التحرير.
القيادة العامة لقوات العاصفة).(1)
كان الشعور الطاغي لدى الجيوش العربية التي لم تعط الفرصة للقتال وللتعبير عن حرصها على اداء دورها يعبر عن الهزيمة.. ويحمل في طياته من التحفز للخلاص منها بأي صورة. وقد لاحظت حركة فتح هذه الحالة من الشعور لدى افراد الجيش الاردني والسوري والعراقي الذين كانوا على تماس بالفدائيين والذين كانوا يتجاوزون مهماتهم الرسمية بدعم الفدائيين مادياً ومعنوياً.
وقد ادى هذا التلاحم الجديد والترابط باتجاه هدف التحرير الى خشية بعض الاطراف من التهور الذي قد يؤدي الى عدوان اسرائيلي جديد قبل التحضير والاستعداد للمواجهة. كان الجيش العراقي اكثر انفتاحاً واستعداداً لعمل كل ما من شأنه دعم قوات العاصفة. وكذلك الجيش السوري. ولكن الاكثر اهمية كان الجيش الأردني حيث هو على تماس مباشر بمناطق الاشتباك مع العدو الصهيوني. وهو الذي يعرف الضفة الغربية وما فيها من اسلحة.. ولهذا كان تركيز قيادة حركة فتح على الاتصال بافراد في الجيش الاردني من اجل بناء تنسيق يساهم في الحفاظ على التعاون بين الحركة والجيش الاردني. وقد اصدرت فتح في الخامس من شهر اكتوبر بياناً وجهته الى الشعب الاردني وجيشه الباسل جاء فيه:
(يا جماهير شعبنا الاردني البطل،
ايها الضباط وضباط الصف والجنود،
ايها الصامدون ابدا في وجه العدو الغاصب والرابضون على خط النار ،
لقد كانت النكسة وما ترتب عليها من اثار وخسائر لحقت بالأمة العربية في ميدان الحرب الاخيرة سببا رئيسيا من اسباب الغليان المتصاعد في مرجل الثورة الشعبية المسلحة التي يخوضها اليوم بعنف اخوتكم الأشقاء في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولقد جاءت هذه النكسة نتيجة حتمية لكل الاوضاع الشاذة التي سادت العلاقات العربية الرسمية ضمن اطارات بالية من التمزق والتفكك والخلاف والانانيات الذاتية والفردية والتطلعات الاقليمية الضيقة والافتقار الى وجود مخطط فكري وعملي في برنامج العمل العربي لمواجهة العدوان والاحتلال الصهيوني بالاضافة الى سوء تقدير قوى العدو الذاتية والقوى الشريرة المساندة له، مما حدا ببعض الدول العربية التي تعرضت للعدوان ان تطلق الشعارات والاقاويل التي تعزو وقوع النكسة الى العدوان المفاجئ. ان الدول العربية لم تفاجأ في الحقيقة بالعدوان لان الدلائل كلها كانت في الاعداد لهذا العدوان من خلال تصريحات القادة الصهاينة وتهديداتهم وتحركاتهم على طول وامتداد الجبهات العربية المجاورة. واذا كانت الدول العربية قد فوجئت بالعدوان فلماذا لم تستخدم كافة اسلحتها في المعركة وترمي فيها بثقلها وتجند كل امكانياتها وتفجر كل طاقاتها لدحر العدوان وردعه وتتخذ من هذه الفرصة المواتية منطلقاً اساسياً لتحرير الارض المغتصبة التي ظلت تسعة عشر عاماً ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني الغادر. واذا كان العدو حقاً يملك التفوق العسكري بكافة اشكاله كما كان يشاع ويتردد اثناء العدوان وفي اعقابه، فان الدول العربي التي تعرضت للعدوان تملك التفوق البشري. ولكن هذا السلاح وغيره من الاسلحة الاخرى كانت مشلولة الارادة. ان السلاح والتفوق العسكري غير المدعوم بالقوى البشرية قد يكون عاملاً ذا اهمية في احراز نصر مؤقت ومفاجئ ولكنه ليس عاملاً حاسماً في تقرير نتائج الحرب. ان الانسان الذي يؤلف القوى البشرية الهائلة هو الذي يقرر نتائج الحروب على المدى الطويل اذا ما توفرت لديه القدرة على التخطيط فكراً وعملاً وتنظيماً، واذا ما توفرت عناصر الثقة والاخلاص والارادة المصممة على النضال والكفاح.
ايها المناضلون الابطال،
لقد كان ابعاد الشعب العربي عن دوره الطليعي في المعركة والاعتماد على معركة كلاسيكية غير متكافئة في ميزان القوى والعتاد العسكري سبباً مباشراً من اسباب وقوع النكسة، كما ان وقف اطلاق النار في اكثر الظروف ملائمة لمواصلة الحرب وتحويلها الى حرب شعبية شاملة كان منعطفاً خاطئاً في تاريخ النضال العربي لامتنا المجيدة. ان اي معركة على اي مستوى كان، لا يكون الشعب بكل قواه الدافعة شريكاً فيها، سيكون مصيرها الفشل، لان الشعب هو الاداة التي تقرر النصر او الهزيمة.
يا جموع شعبنا الثائرة في الضفة الشرقية،
ايها الضباط والجنود الاحرار،
ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وجناحها العسكري (العاصفة) التي تمارس نضالاً بطولياً رائعاً في ارضنا المحتلة وتخوض غمار ثورة شعبية رائدة في كل الاجزاء المحتلة وتسجل في كل يوم سطوراً مشرقة من الانتصارات في تاريخ نضالنا الدامي الحافل بالبطولات والامجاد، وهي اذ تفعل ذلك انما تعبر عن ارادتكم الكفاحية الحرة نحو مستقبل افضل من الحرية والتحرر والحياة الكريمة في ظل وطن مستقل موحد ترفرف عليه الرفاهية.
انكم بكل تأكيد لا تقبلون النكسة، وشرفكم العسكري لا يقبل ان تظل الديار المقدسة تدنسها شراذم الصهاينة وتعيث فيها فساداً. ودماء اخوتكم العربية الحارة التي تدفقت على تراب الوطن الطاهر تهيب بكم ان تخصبوا الارض بمزيد من الدماء لتلهب الارض تحت اقدام المحتلين.. قودوا الشعب الاردني في الضفة الشرقية الى الطريق المؤدي الى النصر.
ايها المناضلون في الضفة الشرقية،
ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وجناحها العسكري "العاصفة" التي تقود الثورة الشعبية داخل الارض المحتلة اذ تؤكد لجموع شعبنا في الضفة الشرقية وللجماهير العربية بأسرها انها مصممة على مواصلة النضال، والثورة تهيب بهم ان يقفوا وقفة رجل واحد الى جانب الثورة. وتدعوهم الى الانخراط في صفوفها للوصول بها الى اهدافها النهائية.
أيها الثوار
ان الثورة قد تفجرت وانتصاراتها في كل يوم تتعاظم وتتصاعد وتتردد اصداؤها في كل الاجواء، وسوف لن تستطيع السحب السوداء للاحتلال الصهيوني ان تغطي شمس الثورة اللاهبة التي اخذت تشرق باشعتها وتضيء جوانب الارض المحتلة .
ليعزز شعبنا في الضفتين تضامنه والتحامه.
وليتقدم جنبا الى جنب في زخم انتصاراتنا.
ولترتفع عاليا راية الكفاح الوطني والثورة الشعبية المسلحة.
ولترتفع روح المناعة الثورية في الضفتين.
ولنمض بثورتنا قدما حتى النصر.
وعاشت فلسطين حرة عربية
عاش الكفاح الوطني والثورة الشعبية المسلحة.
عاشت وحدة النضال لشعبنا العربي الفلسطيني البطل.
والمجد والخلود لشهدائنا الابرار
القيادة العامة لقوات العاصفة.)(2)
كان لتصرفات الأخ أحمد الشقيري بعد الهزيمة أثرها الواضح على الساحة النضالية الفلسطينية. فالتصريحات التي كان يدلي بها حول دور منظمة التحرير وقيامها بواجبها واستطاعتها توحيد القوى المقاتلة على أرض المعركة وتجاوزه للوجود الصارخ الذي حققته حركة فتح في انطلاقتها الثانية ما دفع الحركة إلى توجيه مذكرة إلى مجلس وزراء الخارجية العرب المنعقد في 7/12/1967 لوضع الاخوة العرب في صورة الواقع وكشف التضليل. وقد جاء في البيان ما يلي:
(السادة وزراء خارجية الدول العربية المحترمين،
القاهرة
تحية عربية وبعد،
يطيب لحركة التحرير الوطني الفلسطيني أن ترفع إلى مؤتمركم الموقر تحياتها، وتود بهذه المناسبة أن تعرب لكم عن قلقها للتصريحات المضللة التي يدلي بها السيد أحمد الشقيري موهما الرأي العام العربي والعالمي أن منظمة التحرير تقوم بواجبها الوطني في الأرض المحتلة. ان هذه المحاولات المتكررة من جانب السيد الشقيري لا تخدم قضيتنا بل على العكس من ذلك تشوه كفاحنا الشعبي ووجهه الناصع الذي برز من خلال حركة المقاومة التي تقودها "فتح" في أرضنا المحتلة.
أيها السادة،
لقد كان لحركات السيد الشقيري اثر بالغ في شل فاعلية جيش التحرير الفلسطيني حتى كاد هذا الجيش يفقد إرادة العمل والقتال. كما قضى الشقيري على كل محاولة جادة مسؤولة لأعضاء اللجنة التنفيذية، وغدا وحده يتصرف حسب هواه يدلي بالتصريحات الملفقة ويشكل المجالس الثورية الوهمية في المكان والزمان اللذين يراهما مناسبين.
وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" إذ تعلن لكم وللرأي العام العربي والعالمي عن عدم وجود أية صلة كفاحية بينها وبين السيد الشقيري تود في نفس الوقت أن تؤكد بإصرار عدم ثقتها بشخصه وأعماله. كما أننا بدورنا نحمل الدول العربية جزءاً كبيراً من المسؤولية عن هذه الأعمال والتصريحات اللامسؤولة التي تصدر عن السيد الشقيري، لأن شخصية هذا الرجل قد صنعتها مؤتمرات القمة العربية وقد استغل هذه الحقيقة وحاول فرض نفسه على الجماهير باسم هذه المؤتمرات التي اختارته ممثلاً لعرب فلسطين. ونحن إذ نطالبكم خدمة للمصلحة الوطنية، العمل على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بسد أبواب أجهزة الإعلام العربية في وجهه حتى لا يتخذ منها وسيلة لخدمة أغراضه الشخصية في تضليل الجماهير نؤكد لكم أننا سنبقى حريصين على الوحدة الوطنية التي حققناها بالفكر والعمل في أرضنا المحتلة تحت راية "العاصفة".)(3)
وقد رأت حركة فتح في صدور قرار مجلس الأمن 242 بكل ما فيه من غموض والتباس وعدم تعامله مع القضية الفلسطينية وتجاهله حق اللاجئين في العودة وترك باب قضية اللاجئين مفتوحاً ليناور الإسرائيليون من خلاله. وقد أصدرت الحركة في التاسع من ديسمبر بياناً سياسياً يعلن رفض الحركة لقرار مجلس الأمن بخصوص أزمة الشرق الأوسط جاء فيه:
(إلى شعبنا العربي الفلسطيني البطل،
إلى الأمة العربية المجيدة،
ما أحوجنا بعد نكسة الخامس من حزيران إلى مواجهة الأحداث بموضوعية علمية نمارس من خلالها أسلوب المكاشفة بعمق ووضوح، فالقضية الفلسطينية تمر اليوم بمرحلة حاسمة تعتبر من أخطر مراحلها منذ وعد بلفور وقرار التقسيم. والواضح لأي مراقب ان العدو يواجهنا بمخطط لئيم مرتكز إلى تحرك منظم على كافة المستويات السياسية والعسكرية والإعلامية، مستغلاً إلى حد بعيد الجو النفسي للنكسة الأخيرة، والواقع المخجل يفرض علينا أن نعترف بأننا نواجه مخطط العدو بأكثر من رأي وأكثر من تخطيط، مما أدى إلى جمود الموقف العربي واستمرار سياسة الارتجال والتخبط والوقوع في مصيدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من جديد.. فتحت شعار - إزالة آثار العدوان - .. وبريق - الحل السياسي - .. أقر مشروع الأمن بالإجماع .. - المشروع البريطاني لحل أزمة الشرق الأوسط - .. هذا المشروع الذي وضع الجماهير العربية على مفترق الطرق، فإما القبول بالاستسلام والذل والعار، وإما المقاومة الشجاعة ومواصلة الكفاح المسلح حتى يزول الاحتلال الجديد ويصفي الاحتلال القديم.
ونحن كحركة ثورية تمثل ضمير الشعب العربي الفلسطيني المكافح نعلن رفضنا الحاسم لهذا المشروع الاستعماري الصهيوني الذي يحمل في طياته:
- تصفية القضية الفلسطينية نهائياً.
- تثبيت الاحتلال الصهيوني في أرضنا المحتلة واضفاء الشرعية على وجوده.
- تأكيد الوصاية الدولية على قضية شعبنا.
- إجهاض ثورة التحرير الفلسطينية.
هذا فضلاً عن تجاهله حقوق مليوني لاجئ فلسطيني يعيشون في معسكرات الاعتقال بالمنفى يعانون مرارة الحرمان من الوطن والمستقبل والحياة. وان شعب فلسطين إذ يرفض هذا المشروع يعتبر نفسه غير ملزم بأي قرار يصدر عن هذه المنظمة الدولية التي تنكرت لحقوقه طيلة عشرين عاماً... كما يحذر وينذر أية جهة عربية تحاول أن تفرض وصايتها عليه وتقبل بأي قرار يتجاهل إرادته وتصميمه على مواصلة الكفاح والنضال حتى يصفي الكيان الصهيوني الاستعماري من أرضه المحتلة.
يا جماهير شعبنا العربي،
الموقف جد خطير ويتطلب منا أن نكون على حذر فالاستعمار الحاقد على أمانينا واستقرارنا قد فتح علينا النيران من كل الجهات وبدأ يساومنا من مركز القوة، فعلينا أن ندرك أبعاد المعركة وخيوطها المتشابكة حتى لا نفاجأ بالمؤامرة فنستسلم للأمر الواقع ونعيش نكبة ثانية تفقدنا الثقة بأنفسنا وقدراتنا، فالقضية لم تعد قضية شعب فلسطين بقدر ما هي قضية الصراع الخفي بين الأمة العربية بكل تاريخها وحضارتها وبين الاستعمار بكل شراسته وخياناته، إنها قضية مصير ووجود وما المعركة الدائرة بين الشعب الفلسطيني والوجود الصهيوني إلا ظلالا للصورة الخلفية للمعركة الحقيقية بين الاستعمار والشعب العربي.
ومن هنا تبرز مسؤولية القوى العربية المنظمة ومسؤولية الشعب العربي الفلسطيني الذي ضحى ويضحي من أجل قضية المصير المشترك، قضية الحياة أو الموت. وان هذا الشعب مقبل على أحداث رهيبة تتطلب وقوف الجماهير العربية إلى جانبه تسند مقاومته وترفد ثورته وتمد كفاحه الطويل الدامي بكل طاقاتها وإمكاناتها.. فقد يقر الحل السياسي أو يفرض بضغط دولي وقد تنسحب القوات الصهيونية انسحاباً جزئياً أو كلياً من الأراضي التي احتلتها بعد الخامس من حزيران، فماذا سيكون موقفنا؟ هل سيعود شعبنا مرة ثانية تقرع رأسه مطرقة الإرهاب المباحثي والإرهاب الجدلي، هل تصفى ثورة شعبنا المسلحة.. لذلك لا بد من طرح رأينا بشكل واضح وحاسم في القضايا التالية:
- الانسحاب من الأراضي المحتلة.
- استمرار الكفاح المسلح ورفض الوصاية العربية والدولية.
- وحدة القوى الوطنية الفلسطينية.
أولاً - ان الانسحاب من الأراضي المحتلة لا يعني بالنسبة لنا سوى تصفية مظهر العدوان الجديد وتبقى قضية مصدر العدوان المتمثلة في الكيان الصهيوني الدخيل على أرضنا العربية . نحن كطليعة آمنت بالثورة المسلحة طريقاً للتحرير لا يمكن أن نترك لمناخ الهزيمة أن يسيطر على الواقع العربي فيتخذ منه ذريعة لقتل رجالنا وتشريد ثوارنا ولن نسمح لأجهزة المخابرات والمباحث أن تعود لحكم شعبنا والتسلط على أحرارنا.
إننا لسنا طلاب حكم ولا ننزع إلى السلطة ولكننا نريد لشعبنا أن يعيش في الهواء الطلق يحمل السلاح، ويحفر الخنادق، يحصن قراه ويحمي مدنه ولا يمكن أن نقبل حكما يخنق الحرية ويصلب القانون ويقتل الروح الثورية للشعب ويزرع الخور والاستسلام في نفسية الجماهير ولا يمكن أن نقبل حكما يكون للعملاء فيه صولجان السلطة والتحكم وللأحرار مقاصل الموت ومعتقلات الإرهاب، إننا نريد حكما يحمي الثورة ويرفد معطياتها بالمال والسلاح والرجال.
ثانياً - ان قضية استمرار الكفاح المسلح ونمو الثورة الفلسطينية مبدأ لا يمكن أن نساوم عليه لأنه يمثل إرادة الشعب الفلسطيني ولأنه سبيل كل الشعوب المضطهدة تسلكه عملا بحق تقرير المصير الذي كفلته الأنظمة الدولية، وأي محاولة لإفقاد كفاحنا المسلح ذاتيته ومنطلقاته الفلسطينية هي محاولة فاشلة ويائسة وذريعة يستخدمها العدو كورقة رابحة في الأسواق الدولية ومن هنا فنحن نرفض أية وصاية دولية أو عربية على هذا الحق المشروع ونعتبر أي تدخل لحماية العدو الصهيوني من ثورة أبناء فلسطين هو عدوان على إرادة شعبنا وجريمة ترتكب لمصلحة الاستعمار والصهيونية.
ثالثاً - ان موقفنا من وحدة أداة الثورة الفلسطينية موقف مبدئي فنحن نؤمن إيماناً قاطعاً بأهمية اللقاء بين القوى الفلسطينية لأن طبيعة تكوين حركتنا منطلقة من الإيمان بالوحدة الوطنية، ولكننا في موقف لا مجال فيه للمجاملة وخداع النفس فنحن نرى مفهوما لهذه الوحدة لا يقوم على أساس الاستجابة العاطفية أو المرحلية لهذا الشعار وإنما إذابة تكوينها العليائي... لقد طرحنا شعار اللقاء في أرض المعركة لنفرز من الساحة الفلسطينية المنظمات التي لها قدرة على العمل من المنظمات التي خلقت في جو مشبوه لإغراق شعبنا في دوامة الضياع والتشتيت.. وعندما قامت منظمة التحرير الفلسطينية رحبنا بقيامها على أمل في إذابة تكوينها العليائي من خلال النضال اليومي ولكنها للأسف وقعت أسيرة كل التحفظات التي حذرنا قيادة المنظمة منها.. وأهمها في نظرنا ما يلي:
- إن المنظمة لا تملك الشخصية المستقلة لأنها وليدة الواقع العربي الذي ورثت عنه كل تناقضاته وأساليبه.
- التسلط الفردي من قبل قيادة المنظمة أو قائدها مما جعل الصراع داخل المنظمة أقوى من تحقيق أي منجز عملي يخدم النضال الفلسطيني.
- انعدام المخطط السياسي والعسكري والإعلامي لدى أجهزة المنظمة مما جعلها تفقد قدرتها على العمل الفلسطيني وتفشل في تحقيق الوحدة الوطنية.. وتتحول إلى جهاز مكتبي وظائفي مشلول.
ومما يؤسف له أن هذا الواقع افقد المنظمة دورها الإيجابي في الساحة الفلسطينية مما جعلها تلجأ إلى أساليب غير كريمة تسطو من خلالها على منجزات وبطولات شعبنا في الأرض المحتلة .. ومع ذلك نعلن لشعبنا اننا مستعدون للانخراط في جبهة القوى الفلسطينية الشريفة بما فيها المنظمة بعد إصلاح جذري في قيادتها السياسية وأسلوبها في العمل ضمن مخطط مدروس يكون التفاوض على أساسه بحضور مراقبين من الأشقاء العرب حتى لا تظل أحاديث الغرف المقفلة مجال مزايدة في هذه الأوقات العصيبة.
يا جماهير شعبنا العظيم،
بعد الخامس من حزيران هب شعبنا العربي الفلسطيني في الضفة الغربية والقطاع وفي كل فلسطين بالمقاومة الباسلة يواجه حكم الصهاينة الإرهابي ببطولة نادرة تحت وطأة أقسى الظروف. لقد هزت المقاومة الشجاعة أركان الاحتلال مما جعله يستخدم أشد أنواع الانتقام ضد شعبنا.. فنسف قرى بأكملها ودمر بيوتا آمنة على من فيها فضلا عن آلاف المعتقلين من شبابنا ونسائنا يلاقون مصيراً مظلماً في معتقلات الإرهاب الفاشي اللئيم الذي لم يتورع عن قتل الجرحى من رجال العاصفة الأبطال. ومع هذا الواقع المؤلم الذي يعيشه شعبنا في ظلال الاحتلال نتساءل بمرارة وألم، أين المنظمات الشعبية.. والأحزاب العربية.. أين نقابة المحامين العرب .. وجمعيات الهلال والصليب الأحمر.. أين هؤلاء جميعاً يفضحون مجرمي الحرب الجدد.. أين أصواتهم ترتفع بقوة لتهز الضمير العالمي الذي انطلت عليه خرافة الديمقراطية الصهيونية وأكذوبة التقدمية الإسرائيلية. ونحن لا نملك إزاء هذا الإرهاب الغادر إلا التحية نتوجه بها إلى شعبنا العظيم رجاله ونسائه فتيانه وفتياته مجددين لهم العهد على مواصلة الكفاح مهما غلا الثمن وعزت التضحيات نقدم لهم القائد تلو القائد والشهيد تلو الشهيد ... وأخيراً فإن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" تدعو الجماهير الفلسطينية في هذه الظروف الراهنة الخطيرة إلى الانتقال السريع إلى ميدان المعركة بالضفة الغربية وقطاع غزة لنقف مع شعبنا في صموده الجبار ومقاومته الضارية.)(4)
هوامش:
1). الوثائق الفلسطينية لعام 1967مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص . 781.
2). المصدر السابق ص 797 - 799.
3). المصدر السابق ص 989.
4). المصدر السباق ص 992 - 994.
يتبع
7


1

 

 

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست