الانطلاقة
الذاكرة المتجددة في سماء فلسطين
بكل ثقة وعزيمة واصرار، تعبر انطلاقة شعبنا العظيم عامها الخامس والثلاثين،حاملة زخم الكبرياء والتحدي،مسلحة باريج الدم الزكي الذي سال مضمخاً درب الحرية بعبير الكرامة والق العنفوان الفلسطيني . لقد اكدت الانطلاقة بما انجزته من حقيقة انبعاث الشعب الفلسطيني من ركام التردي والنسيان الى ذروة التحدي والايمان بحتمية النصر،انها لم تكن مجرد رصاصات انطلقت لتعلن عن ميلاد حركة ثورية فحسب، وانما كانت انقلاباً في المفاهيم النضالية التي سادت الوطن العربي منذ عام 1948 .. عام النكبة. فهي التي حركت الواقع الآسن الذي يطمس حقيقة وجود الشعب الفلسطيني . وهي التي شقت طريق العزة لشعب مشتت مستلب، تحول تحت لوائها الى جماهير تنفض عن نفسها غبار الانكار والانسحاق لتخوض معركة الوجود .. والشخصية المستقلة. هي التي اعادت على خارطة الكرة الارضية اسم فلسطين بعد ان شطبته المؤامرات والدسائس .. وهي التي رفعت على اعلى قمم الامم المتحدة علم فلسطين بالوانه الزاهية التي تتماوج مع النسيم صادحة بنشيد وطني يردد بعناد .. فلسطين داري .. فلسطين ناري .. فلسطين ثاري الى ان اعود.
وما كان للانطلاقة ان تتجدد كل عام لولا ذلك الركب العظيم من الشهداء الذين عبَّدوا درب استمرارها بدمائهم الزكية الطاهرة، ولولا اوسمة البطولة التي حملها جرحانا البواسل،ولولا عذابات وصمود الاسرى الابطال. ولولا ذلك العطاء المتدفق من الامهات اللواتي يهيئن. ابنائهن من الرضعة الاولى بأن فلسطين هي الهدف.
ونحن نعبر العام الخامس والثلاثين للانطلاقة المجيدة ندرك الصعوبات في هذا العام الاخير على ابواب الحلم المتجسد فيه الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة. انه عام انبعاث الانطلاقة من جديد. وبزخم جديد يختلف جذرياً عن كل الاعوام السابقة. في الرابع من ايار 1999 سيكون موعدنا مع الفجر الفلسطيني المتحرر من قيود التلاعب والخداع الذي تحاول القيادة الاسرائيلية اليمينية وعلى رأسها المراوغ نتنياهو ان يحول بين شعبنا وتجسيد حلمه. شعبنا الذي يدرك ان حقه في تقرير مصيره.. هو حق مقدس لا تراجع عنه، ولا تلاعب فيه. فلا شريك ولا وصي. فالانطلاقة منذ البدء اعلنت ان منهجها الاستقلال. فهي غير تابعة ولا خاضعة او موجهة من اية جهة الا الشعب الفلسطيني. والقيادة الفلسطينية اليوم هي كما هي في مراحل الكفاح المسلح. وكما هي في مراحل الانتفاضة الجبارة. غير خاضعة ولا تابعة او موجهة الا بارادة الشعب الفلسطيني. هذه الارادة التي تطالب باصرار ان تتمسك القيادة بالمواقف الصلبة التي تصون الثوابت.
وحركة فتح، حركة الانطلاقة، مفجرة الثورة اذ تنطلق من صوت الجماهير لتعزز ندائها لمنظمة التحرير الفلسطينية. وللسلطة الوطنية بأن استحقاق الرابع من ايار. هو استحقاق الشعب فلا تراجع عنه ولامساومة عليه.
ان محاولات نتنياهو في التلاعب والبهلوانية قد اوقعته في شر اعماله. فهو الذي كان يخطط من اجل استمراره في الحكم، واستمراره في تدمير عملية السلام، واستمراره في وضع العقبات التي تحول دون مسيرة التسوية والاهداف التي انطلقت من اجلها. فسياسة الاستيطان التي افرزت شعارات واضحة في كل مكان.. لا سلام مع الاستيطان. والقدس.. التي هي مفتاح السلام تتحول الى عقبة في طريق السلام تحت عناوين تهويدها.. وطمس عروبتها وقدسيتها. ناهيك عن التمسك بالاحتفاظ بالاسرى الابطال كرهائن للمساومة من اجل تخفيض توقعات الشعب الفلسطيني كما يحلو لنتنياهو ان يردد باستمرار.
اما قضية اللاجئين. فهي جوهر القضية الفلسطينية وبدون حقهم في العودة. فان كل ما يجري وسيجري سيظل مجرد سراب سلام وسحاب خُلّب بلا مطر.
لقد ادارت حكومة نتنياهو ظهرها للتعهدات التي وقعتها في مذكرة نهر الواي لتنفيذ اتفاقيات اوسلو قبل ان يجف حبرها. وما التنفيذ الشكلي الاولي الذي تم الا محاولة لذر الرماد في العيون، ومن اجل فتح ملف التبادلية التي يستعملها نتنياهو لتجريد اللحم الفلسطيني عن عظامه. يريد ان يفرض حرباً اهلية واقتتالاً فلسطينياً تحت عنوان مكافحة الارهاب. ومن المنطق ان تعالج القيادة الفلسطينية مسألة التزاماتها بالطريقة التي تخدم الهدف الفلسطيني في الحرية والاستقلال. ومن خلال الحفاظ على الشعب ومصالحه.. ومن خلال تعزيز الوحدة الوطنية ورفض كل اشكال التصادم الداخلي. فالتعددية السياسية وحرية التعبير في اطار سيادة القانون هي المنهج الذي تبنته القيادة الفلسطينية وهو القادر على الحفاظ على وحدة الشعب والمعبر عن استقلالية القرار الفلسطيني.
ان ذكرى الانطلاقة تفرض علينا التمعن في الواقع الراهن الذي وصلت اليه الامور. وتفرض التقييم الشامل للمسيرة بكل ما فيها من انجازات واخفاقات، ومن ايجابيات وسلبيات، حتى تصبح الدروس المستفادة دليل عمل لممارسة المستقبل. ان الوقفة الجادة والتقويم السليم واستخلاص العبر من تجارب المفاوضات والمواجهات هي التي تمكننا من وضع خطة وبرنامج عمل نضالي للعام الجديد. والثوابت التي لا بد من تكريسها دائماً لتظل متجذرة في اعماق ابناء الشعب هي الاساس الذي عليه تبنى الخطة ومنها ينطلق البرنامج.
اول هذه الثوابت هو وحدة الشعب وتجسيد ارادته نحو هدفه الاسمى وهو تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس المباركة.
وثاني هذه الثوابت هو المحافظة على الوحدة الوطنية وتكريسها من خلال الحوار الوطني الشامل والدائم بعيداً عن الموسمية والانتقائية وردود الفعل. فالنهج الوحدوي يفرض على التعددية في اطار عام ان تصون هذا الاطار حتى تحمي حريتها في التعبير والممارسة النضالية بما ينسجم مع روح الوحدة الوطنية.
وثالث هذه الثوابت هي انه لا دولة بدون مؤسسات وان التجربة المؤسساتية في المرحلة الانتقالية تتطلب اعادة النظر فيها وتحديد ايجابياتها وسلبياتها. فاعادة البناء وترسيخه لا بد ان ينطلق من منهج نضالي.. منهج يخدم استمرار الروح النضالية وليس منهج تثبيط الهمم. فالشعارات البراقة حول الاصلاح والتمسك بثوابت ادارية انتقائية في مجال الخدمة المدنية قد يجعل التوجه الحق باطل القصد.. وما يلوح في افق الازمة التي تشكل زلزالاً في نفسية المناضلين نتيجة تطبيق قانون الخدمة المدنية الذي استثنى واستنكر الخدمة النضالية للمدراء لا بد من وضع حد له قبل ان تتفاقم الامور. فالقانون الذي اقره المجلس التشريعي لابد من الحفاظ على روحه ونصوصه. وليس تجريده من روحه عند التنفيذ. ولا بد من دراسة الحالات الخاصة والفرز بين الحقيقي والمزيف، وبين المناضل والمتسلق. وبين الجدارة والواسطة والمحسوبية.. فالتجربة النضالية خلال مرحلة الكفاح المسلح والانتفاضة الجبارة تجربة الصمود في السجون والمعتقلات هي التي جعلت من حلم التحرير والحرية حقيقة راسخة.. هذه الحقيقة لا يجوز باي حال من الاحوال طرحها جانبا للعودة إلى احضان الادارة المدنية وسنوات الخدمة فيها وكأنها الادارة المطلوبة من الخصم حتى تتشكل الدولة بالمقاييس التي يريدها الاعداء وليس بالمقاييس التي تريدها الثورة.
في ذكرى الانطلاقة لا بد من انصاف الكادر النضالي الاسير. والحفاظ على عائلته وتلبية كل متطلباتها باعتبارها جزء لا يتجزأ من حقوقه النضالية ومن واجباتنا النضالية.
ان احد اهم الانجازات التي نعبر بها العام الخامس والثلاثين للانطلاقة هي تلك التجربة القاعدية الفاعلة لحركتنا من خلال مؤتمرات المناطق والاقاليم. فقد تكرست على ارض الواقع وبمشاركة عشرات الالاف من الاخوة المناضلين الذي يمثلون مئات الالاف من الاعضاء منهجية الديمقراطية الشعبية التي تختار بارادتها الحرة قيادتها المناطقية والاقليمية، على طريق اختيار القيادة المركزية، بحيث يتجسد المبدأ التنظيمي الاساسي المتمثل بالمركزية الديمقراطية على كافة المستويات. وبحيث تكرس معه جنباً إلى جنب المبدأ الاسمى في التنظيم وهو النقد والنقد الذاتي. فالمؤتمرات ليست مجرد انتخابات وانما حوار وحرية نقاش ومحاسبة بديمقراطية. ثم قرار نابع من الارادة تخضع فيه الاقلية لرأي الاغلبية.
ان هذه التجربة الضرورية لانبعاث الحياة الداخلية لحركة فتح تفتح الافاق الرحبة امام السلطة الوطنية لاعتماد الديمقراطية الشعبية في تشكيل المجالس البلدية والقروية من خلال انتخابات عامة. ان من شأن هذه العملية الديمقراطية ان ترسخ قواعد الدولة الفلسطينية وتعزز ملامح المستقبل الديمقراطي لدولتنا ومجتمعها المدني.
لقد كان التمسك الحازم بعملية السلام رغم ما تكتظ به الاتفاقيات والمذكرات من اجحاف، كاشفاً لحقيقة نتنياهو وحكومته اليمينية.. فالتنكر للتعهدات وعدم الالتزام بتنفيذ استحقاقات السلام القت بحكومة نتنياهو إلى حضيض الشقاق وبدأت بذور النفاق تتفجر فالقلوب الشتى التي تآلفت للمصلحة تتفتت من جديد والانتخابات التي سعى اليها نتنياهو هروبا إلى الامام من الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات تعطي الانطباع عن عدم قدرته المستقبلية على الاستمرار في عملية السلام. هنالك من يرى انه سيعود بعد ان يقنع المجتمع الاسرائيلي انه قادر على خفض التوقعات الفلسطينية. ولكن الموقف الفلسطيني الصامد الموحد والمتمسك بضرورة التزام نتنياهو هو الذي سيكشف حقيقة سياسته المدمرة ليس للسلام فقط وانما للاسرائيليين الذين يدفعهم الى عالم العزلة من جديد بعد ان فتحت مسيرة السلام آفاق تعايش مستقبلي. هذه المواقف ضرورية لكي يقرر المجتمع الاسرائيلي من هو رئيس الوزراء الذي يريد. وماهي مواصفاته ومسلكياته واخلاقياته. ان الانتخابات القادمة لابد ان يتم فرض خوضها لتعبر عن نظرة المجتمع الاسرائيلي الى السلام. ولا يجوز ان يترك المجال فسيحاً لنتنياهو ليستمر في المراوغة والكذب تحت شعار استعداده لتحقيق السلام.. فالاستمرار بالتزامه خلال المرحلة الانتقالية هو المؤشر الاول لمصداقيته. فحكومته الانتقالية ستظل تمارس دورها حتى اللحظة الاخيرة. فهي لن تجمد التزاماتها تجاه مصر والاردن وامريكا. وغيرها من الدول.. وهنا لابد لهذه الدول التي ترعى عملية السلام وتدعمها ان يكون موقفها واضحاً في ادانة مسلكية نتنياهو تجاه عملية السلام.. وعلى الدول العربية وخاصة مصر والاردن ان يكون موقفها تجاه نتنياهو تبادلياً بحيث يعبر عن موقفها تجاه عملية السلام. فعدم استمرار نتنياهو والتزامه بالتنفيذ يتطلب المقاطعة. وعدم اعطائه صك براءة. كي يتبجح في حملته الانتخابية بأنه قادر ان يفعل بالفلسطينيين ما يشاء ومع ذلك تظل علاقاته بالعرب على ما يرام.
اما بالنسبة للولايات المتحدة، المسؤول الاول عن رعاية عملية السلام. فانها الاكثر قدرة على كشف خطة الهروب الى الامام التي يمارسها نتنياهو. وهل الاقدر على التأثير على مسار الانتخابات الاسرائيلية بما يخدم عملية السلام.
وتبقى امامنا فرصة العمل الجاد فلسطينياً بما يعزز دور شعبنا في الشتات وهو الامر الذي يتطلب تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومكاتبها في الخارج والسفارات والبعثات الدبلوماسية في الهيئات الدولية، بحيث يكون دورها المركب لتحقيق فعالية الجاليات الفلسطينية في البلدان المعنيةاضافة الى تعزيز مواقف الدول لنصرة ودعم القضية الفلسطينية في المنعطف التاريخي لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة.
وانها لثورة حتى النصر.