Fateh

التاريخ يطارد الصهيونية ويلحق بها

تحت عنوان "التاريخ يطارد الصهيونية ويلحق بها" كتب بنيامين بيت هالحمي مقالة وهي من كتاب الخطايا الاولى.. تأملات في تاريخ الصهيونية واسرائيل "الصادر عام 1992م، عن دار بلوتوبرس في لندن، اطلق بنيامين الحقائق المتعلقة بالصهيونية، وبالواقع والمستقبل الذي يعيشه الاسرائيليون بسبب ازمة فقدان الحلم الذي يساعدهم على العيش في اسرائيل.

وتأتي اهمية هذه المقالة بأنها جاءت على لسان احد الاسرائيليين في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن ضرورة اعادة قراءة الصهيونية بعد مرور مائة عام على مؤتمرها الاول في بازل عام 1897م.

يقول الكاتب: منذ عام 1973 واسرائيل تعيش ازمة مستمرة تتلخص بحالة اليأس الحقيقية التي تسيطر عليها. فالمسألة لا تتعلق ببقاء الدولة فقط، بل في قدرة الاسرائيليين على البقاء في ظل الضغط النفسي والجسدي لصراع بلا نهاية. "هل سنعيش دائماً بحد السيف؟" "هل سنصمد في حرب قادمة؟" هذا ما يتساءله الاسرائيليون فيما بينهم.

وفي هذا الامر ورد على لسان ايلي ايشار في كتاب "انا صهيوني واطالب بدولة للفلسطينين" للكاتب الاسرائيلي فيليب جللون" ان ما يحتاجه العرب هو انتصار واحد، فمن الذي يستطيع ان يضمن على وجه اليقين ان الاحوال لن تتغير في المستقبل؟"

وقال ايضاً معبراً عن احساسه باليأس والاحباط في الكتاب نفسه: "ان جرثومة عدم الاستقرار التي تأكلنا جذوراً وفروعاً، هي اننا غير مرغوبين وغير محبوبين في كل مكان، وفي أي زمان".

يصور الكاتب حالة الصدمة بعد النشوة بنصر عام (1967) قائلاً: اسرائيل في عام (1973) الانتقال المفاجئ من نشوة القوة، إلى الخوف من التصفية، فقد تحطم بتلك الحرب وهم القوة التي لا تقهر. لقد كانت حرب العاشر من رمضان اسوأ صدمة عاشتها الصهيونية السياسية، حتى اندلاع الانتفاضة في عام 1987. "اهذه حياتنا؟ هل سيستمر الوضع دائماً على هذا النحو؟ هل سيقدم ابناؤنا حياتهم قرباناً على مذبح بقاء الدولة بشكل دائم؟‍".

هذه التساؤلات، كان يرددها الاسرائيليون صباح مساء. وقد شبه شاريت (1980) موجة الصهيونية المتصاعدة التي تتراجع الآن بقوله "كأن رجلاً هرب من الاسد ليجد الدب في انتظاره، او دخل البيت واسند يده إلى الجدارن لتلدغه افعى"، فالاسرائيليون يرون انفسهم في وضع يائس، وفي طريق مسدود، كما يشعرون انهم في مصيدة، يشلهم العجز والخوف.

ثم ينتقل الكاتب إلى الصحوة الفلسطينية فيقول: صحيح ان العالم نظر إلى الفلسطينيين كضحايا الاستعمار، ووضعهم في حسابه بشكل دائم، الا انهم سينتظرون الفرصة للانقضاض على مغتصبي وطنهم، وسيعملون جاهدين على تبديد امنهم وسيبقون إلى الابد يجتازون الحدود يطاردون ويُطردون، يقتلون ويُقتلون، والنتيجة ان الاسرائيليين سيعيشون بلا ادنى احساس بالطمأنينة. وهاهي القيادة الفلسطينية تضع شعبها على مسرح التاريخ، وقد نجحت بذلك. ليس هذا فحسب، فقد تمكنت من افتضاح الواقع الحالي لاسرائيل.

وفي اشارة إلى ما جلبته حرب 1967 من نشوة عارمة تضمنت في ثناياها اموراً لم تكن في الحسبان، يؤكد الكاتب انها اعادت طرح الموضوعات الحقيقية، الصراع مع الفلسطينيين اصحاب الارض الاصليين: "الحرب وضعت الشعب الفلسطيني تحت الحكم الاسرائيلي"، فقد عاد الفلسطينيون الذين حسبوا في عداد الموتى في عام 1948، إلى الوجود. عادوا يفسدون كل لحظة. يفسدون وجود اسرائيل، ويفسدون الحلم الكبير الذي عاشته بعد نشوة النصر:

"كانت الاشياء رائعة بعد انتصار عام 1967"!! الا انهم صدموا بأن الفلسطينيين الذين كان اسمهم مجرد "عرب" اسرائيل، اصبحوا بعد عام (1967) جزءاً من الشعب الفلسطيني.

وفي معرض حديثه عن مئير كهانا، يوضح انه لا يوجد فرق بين ما صرح به وما قامت به الحكومات الاسرائيلية: "طالب مئير بطرد جميع الفلسطينيين ولم يطرد احداً، بينما طردت حكومات اسرائيل شعباً بأكمله". ثم يقول: "سمي مئير كهانا بالفاشي لانه كشف الوجه القبيح والحقيقي للصهيونية". ويتساءل" لماذا لم ينزعجوا بسبب طرد الفلسطينيين؟ اليس ذلك اكثر عداء للديمقراطية من أي خطاب؟؟ انهم يبررون اعمالهم كما يشاءون؟! فهم يقولون عن الفلسطينيين انهم "لا يعكرون المزاج فحسب، بل يفسدون الحلم الكبير والجميل، ولذا يليق بهم اشد انواع العقاب".

ثم جاءت الانتفاضة في 9/12/1987. لقد كانت يوماً اسود في تاريخ اسرائيل. لانها، على حد قول الكاتب، اعادت الحركة الصهيونية إلى نقطة الصفر في تاريخها (القصة المدهشة التي بلغت مائة عام). وقد كانت الانتفاضة اقوى من زلزال اكتوبر عام 1973م.

كانت الانتفاضة هزيمة استراتيجية رئيسية، بل كانت اعظم شأناً من أي هزيمة سابقة في تاريخ الصهيونية. لقد حققت مفاجأة كاملة الحقت الهزيمة باسرائيل. ومازال المفكرون الاستراتيجيون في اسرائيل يعانون من تلك الصدمة. لأن الترسانة العسكرية المتطورة التي تمتلكها اسرائيل قد شلت بالكامل.

"هاهي حركة تحرر وطني جديدة في العالم الثالث، تثبت للعالم الاول بأنها التحدي المستحيل". ثم يوضح ذلك بقوله: "شعرت اسرائيل في السابق بالقلق من الجيوش العربية النظامية. وعليها اليوم ان تقلق من الاطفال الفلسطينيين المسلحين بالحجارة، والذين جعلوا الاسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية المكدسة في اسرائيل، بلا فائدة".

وفي مجال تحديد المشكلة الرئيسة التي تواجه اسرائيل يقول: "ان مشكلة الصهيونية الوحيدة هي مشكلتها مع السكان الاصليين". اجل. المشكلة مع السكان الاصليين الذين هم من سيقرر مستقبل اسرائيل. اذاً فالمشكلة ليست مع حكومة الولايات المتحدة او الرأي العام الغربي. ويقول على لسان الصهاينة: "ان ظل السكان الاصليين يسقط في كل مكان، ويفسد اشراقة كل صباح جديد". الامر الذي يجعل الاسرائيليين يشعرون بأنهم في مصيدة، خاصة وان ذكريات الظلم الواقع على الفلسطينيين لا تزال حية في الاذهان، كما انهم (أي الاسرائيليين) يخشون الغرق في العالم العربي.

ثم يشير الكاتب إلى مقالة لا بشتاين نشرت في هاشيلواح عام 1957 يؤكد فيها ان العرب "هم الذين يفلحون الارض، وانهم اصحابها الحقيقيون، وانهم لم يفكروا ابداً بالمغادرة". ويقول كشاهد عيان في احدى حالات الطرد للفلسطينيين من ارضهم: "مازال في مسامعي عويل المرأة العربية من قرية الجاعونة، يوم غادرت العائلات القرية للاقامة في الجولان. كان الرجال يركبون حميرهم تتبعهم نساء باكيات. وكان الوادي مليئاً بالنحيب. كانوا يتوقفون بين الفينة والاخرى يقبلون الارض والصخور". ولكنه يتساءل: هل سيصمت المطرودون ويقبلون بما اصابهم؟ ويؤكد قائلاً "سينهضون في النهاية، كي يستعيدوا بالقوة ما اخذ منهم بالسيف".

وفي تعليقه على الفوائد التي جلبها الاستيطان للبلاد يؤكد بأن ذلك "لن يغفر ذنوبهم، وانهم لن ينالوا شرف الاعمال الجيدة، حيث ان اسمهم سيظل مقروناً بالشر الذي ستبقى ذكراه إلى الابد".

وقد كان حل ابشتاين آنئذٍ للمشكلة، بأن يتم تطوير فلسطين بشكل مشترك بين السكان الاصليين (الفلسطينيين) وبينهم. على ان يبدأ العمل مع الفلاحين والفقراء الذين يشكلون الاغلبية الكادحة التي ستحدد مستقبل البلد. الا ان افكاره ذهبت ادارج الرياح، حتى ان البعض اتهمه بالجبن إلى جانب النظرة اليه باحتقار. فالصهيونية لم تضع الفلسطينيين كجزء من المعادلة. فضلت غيابهم، حيث كان شعارهم ذائع الصيت "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض". وبما ان الارض لم تكن خالية في الواقع، اصبح الهدف خلق ارض بلا شعب لشعب بلا ارض، وقد كان فعلاً بلا ارض. لذلك اصبحت تصفية الفلسطينيين ضرورة.

الا ان الصدام العنيف بدأ بين السكان الاصليين والمستوطنين (وهو مازلنا نشاهده بأم اعيننا نحن والعالم حتى وقتنا الحاضر). وعندما شكل الفلسطينيون تحدياً اكثر جدية، نظر اليه كتعبير عن العنف الاجرامي . وقد وصف المقاتلون الفلسطينيون كرجال عصابات ولصوص وقطاع طرق. ووصفت الثورة الفلسطينية عام 1936 - 1939 في الخطاب الصهيوني بأنها مجرد "قلاقل".

ويقول الكاتب تحت عنوان "ثمن الحلم": لقد اصيب الصهيوني بالعمى تجاه الظلم الحقيقي الذي يخلقونه بسبب حلمهم الكبير. وعند تمحيص الموقف اليهودي من العرب خلال سنوات 1933 - 1936، من الصعب العثور سوى على ايمان منحرف بأن العرب غير موجودين.

وهناك قصة معروفة قيلت خلال اجتماع بين رئيسة الوزراء جولدا مائير ومجموعة من الكتاب الاسرائيليين عام 1970م. قيل ان يهودياً من بولندا زار فلسطين في العشرينات ولخص عند عودته إلى اوروبا انطباعاته قائلاً: "العروس جميلة ولكن لديها عريس" فاجابت جولدا مائير، "وانا اشكر الله كل ليلة، لان العريس كان ضعيفاً، وكان من الممكن اخذ العروس منه" (ثم يوضح الكاتب ان الاشارة إلى الله مسألة اسلوب في التعبير فقط، لان جولدا مائير كانت ملحدة).

ويتساءل الكاتب: "كان السكان الاصليون عاجزين، ولكن هل سيستمر عجزهم إلى الابد"؟.

لقد كان العرب على مدار معظم المائة عام من تاريخ الصهيونية السياسية الاغلبية المطلقة في فلسطين. لكن ذلك لم يمنع زعماء الصهيونية من اعلان ان هذه الاغلبية لا تملك حقوقاً سياسية هناك. لذلك، فإن الاستيلاء على ارض الفلسطينيين لم يكن الهدف الوحيد للصهاينة، وانما سحق طموحاتهم الذاتية في الاستقلال او ممارسة حقوقهم السياسية. لان معنى ذلك النهاية المؤكدة للمشروع الصهيوني.

اما عن القرار (181) الذي تبنته الجمعية العامة للامم المتحدة في 20 تشرين ثاني عام 1947، والذي دعا إلى اقامة دولتين مستقلتين، واحدة للفلسطينيين واخرى لليهود، وبأن توضع القدس تحت سلطة دولية منفصلة، فقد حصل اليهود بموجبه على 55% من الارض علماً بأنهم يشكلون آنئذٍ 30% فقط من مجموع السكان.

الا ان ما حصل عام 1949 جعل (600) الف فلسطيني بلا مأوى، بينما اصبحت اسرائيل تغطي 77% من فلسطين القديمة، التي كفّت عن الوجود. فقد كانت هناك ضرورة لتصفية اسم فلسطين إلى جانب تصفية السكان الاصليين من الذاكرة.

وكثيراً ما يردد المدافعون عن الصهيونية واسرائيل الزعم بأن الصهيونية قبلت قرار (181) وان العرب رفضوه. وهذا مكمن الشرور من ذلك اليوم حتى يومنا هذا. لان الجزء الوحيد الذي قبلته اسرائيل كان ذلك الداعي إلى اقامة دولة يهودية. اما الاجزاء الاخرى فلم تقبلها، وهي:

1. اقامة دولة عربية ذات حدود.

2. انشاء منطقة دولية خاصة تشمل منطقة القدس الكبرى.

3.وضع دستور للدولة اليهودية.

4. اقامة اتحاد اقتصادي ولجنة اقتصادية مشتركة للدولتين.

5. عدم السماح بمصادرة اراضٍ يملكها العرب في الدولة اليهودية.

6. المواطنون الفلسطينيون واليهود والعرب الذين لا يحملون الجنسية الفلسطينية ويقيمون في فلسطين، يتحولون إلى مواطنين في الدولة التي يعيشون فيها.

7. يافا جيب عربي في الدولة اليهودية.

لقد بدأ التحول الكبير بعد حرب 1948 - 1949، حيث "اضافت تلك الحرب فصلاً في التاريخ العجائبي للصهيونية في فلسطين". وللوهلة الاولى، كانت بمثابة الحل النهائي لمسألة السكان الاصليين حيث تم تغييبهم، وبدا كأنهم سيبقون خارج المسرح دون ان يراهم احد. وظنت الصهيونية ان اعقد مشاكلها قد حلت. لذا. اطلقت على اسم فلسطين ارض اسرائيل، وبذلك، اختفى اسم فلسطين، وحل مكانه اسم اسرائيل.

اما الخطيئة التي لا يجرؤ احد على ذكرها، فهي في رأي الكاتب، ممارسة الصهيونية للاستعمار، فبعد ان اصبحت هذه الكلمة بشعة وغير مقبولة في عصر الحرية. استبدلتها بكلمة الاستيطان. علماً بأن حلم الصهيونية تحول في الممارسة إلى مشروع للاستعمار الاستيطاني. فلم تكتف باغتصاب الارض، بل اعتبرت السكان الاصليين غرباء، بينما منحت الغرباء الحقيقيين الامتيازات التي لا يتمتع بها اصحاب الارض الشرعيين.

والنموذج الذي قام عليه الاستعمار الاسرائيلي، تمثل في منطقة معينة (لم تحدد بشكل واضح بعد، لان الاحزاب الصهيونية تطالب بحدود مختلفة لاقاليمها) كما ورد في المقولة الشهيرة "بأن الحدود حيثما تطأ اقدام الجنود". وفي هذه المنطقة، تمنح جماعة تعرف في القانون الاسرائيلي بالشعب اليهودي، حقوقاً سياسية متفوقة على الاخرين، بمن فيهم الساكن الاصلي في الاقليم نفسه.

اما الايديولوجية الكولونيالية الصهيونية، فقد عبر عنها وايزمن، الذي كانت عقليته ترجع إلى القرن التاسع عشر (عصر الاستعمار). فاعتقد بقوة ان القضية الصهيونية كانت حرباً للحضارة ضد الصحراء، وكفاحاً للتقدم والكفاءة والصحة والتعليم، إلى غير ذلك من الشعارات الجوفاء.

ولعل الزعماء الذين جاءوا بعد وايزمن لا تختلف عقلياتهم عن عقليته. فالشعارات المؤيدة للسلام تنطلق من افواههم صباح مساء، الا ان ممارساتهم الاستعمارية، والتي يطلقون عليها بالاستيطانية، هي ابشع مما كانت عليه في السابق. وهم بذلك يضربون بالقرارات الدولية، وبالاتفاقيات التي تم توقيعهم عليها بأنفسهم، من اجل تحقيق السلام مع الفلسطينيين والعرب، عرض الحائط.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست