في مواجهة الصلف
الامريكي الاسرائيلي
تُقَدِّم الادارة الامريكية كل يوم، دليلاً جديداً يؤكد انها ما زالت تتصرف على الساحة الدولية، انطلاقاً من نزعة القرصنة والعدوان، التي تطبع نزعتها الامبريالية الطامحة الى فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية على دول وشعوب العالم بكل الاساليب المباشرة وغير المباشرة، المبني منها على القوة او المغلف بثوب المكر والخداع، واصطلاحات العولمة والنظام العالمي الجديد!؟
وهي باقدامها على توجيه صواريخ طائراتها نحو اراضي السودان وافغانستان، انما تعيد العلاقات الدولية، الى زمن الاحتلال والغزو الذي كان سائداً أيام الامبراطوريات الاستعمارية القديمة. وذلك دون ان تحسب حساباً لأحد، ودون ان تبقي للامم المتحدة وهيئاتها أي اعتبار. الامر الذي يشكل ضربة قاصمة للشرعية الدولية التي تفرض عدم الاعتداء على دولة ذات سيادة، وتقضي بضرورة حل النزاعات بالطرق السلمية.
لقد حاولت الولايات المتحدة ان تبرر عدوانها الثلاثيني على العراق، بأنه الرغبة في تكريس مبادئ القانون الدولي، الذي لا يجيز احتلال دولة عضو في الامم المتحدة. وبأنه العمل على حمل العراق لتنفيذ القرارات الدولية، التي كانت تصدرها الولايات المتحدة بلسان مجلس الامن، للتغطية على مأربها الواضح في السيطرة على نفط الخليج والتحكم باسعاره، وضرب أي توجه عربي نحو الاستقلال الاقتصادي والتخلص من التبعية والاستغلال .
وبعد ذلك حاولت أن تجعل من مؤتمر مدريد، بديلاً للمؤتمر الدولي الذي تلتقي فيه الاطراف على أساس التكافؤ، لتبحث في حضور دولي فاعل، آلية تنفيذ القرارات الدولية، التي تعيد أرضنا الفلسطينية والعربية التي جرى احتلالها عام 1967 ، وتمنح شعبنا حقه في تقرير المصير والعودة واقامة دولته المستقلة. وكانت تسعى لحمل الاطراف على التفاوض الثنائي فيما بينها، واطلاق مسيرة مفاوضات متعددة، تناقش بدلاً من الخلاف الاساسي - ألا وهو الارض - القضايا الثانوية المتعلقة بالتعاون في مجالات البيئة والاقتصاد والمياه والسياحة وسواها .
ومارست النفاق وما زالت، عبر رسائل التطمينات والضمانات، والوعود وبث الآمال الكاذبة، التي لم تكن تهدف سوى إلى إحياء عملية التفاوض، ليس لاكثر من غر ض التفاوض. وذلك خدمة للاهداف الاسرائيلية في كسب المزيد من الوقت لمواصلة سياستها الاستعمارية بتوسيع المستعمرات القائمة، ومصادرة المزيد من الاراضي، والاستمرار في اجراءات تهويد القدس، والقيام بخطوات تهدف إلى تغيير الوقائع على الارض، في محاولة لفرض "أمر اسرائيلي واقع" على طاولة المفاوضات النهائية التي تشمل المستوطنات والقدس وعودة المشتتين من ابناء شعبنا.
لقد أثبتت المواقف الامريكية ان الولايات المتحدة لا تسعى إلى تطبيق نصوص القانون الدولي، او قرارات الشرعية الدولية في منطقة التوتر هذه او تلك. بل تسعى إلى خدمة مصالحها واحتكاراتها، ومن يقومون بخدمة تلك المصالح والاحتكارات والذين اوكلت لهم مهمة حمايتها والحفاظ عليها.
وهي هنا لن تصنع سوى ما يحقق احلام الحكومة الاسرائيلية المتطرفة، التي يسيطر نهجها ونمطها على عقل وتوجهات اعضاء الادارة، الذين يقعون تحت تأثير "الايباك" والكونغرس الامريكي المتصهين، ومطبخ القرار الامريكي حول الشرق الاوسط الذي يديره الصهيونيان المتشددان مارتن انديك ودينس روس.
فالمبادرة التي تحدثت عن نيتها اعلانها بعد ان تتمكن من اقناع رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو بها، لم تُعلَن رغم انها لم تكن في الاصل سوى صفقة تمت بين نتنياهو ودينس روس، حيث صيغت بخبث آثر ان يملأها بشروط لا يمكن لجانبنا الفلسطيني ان يقبل بها. وذلك من اجل اخراج نتنياهو من المأزق، وتحميل مسؤولية الرفض للطرف الفلسطيني في هذه الحالة، وليس للجانب الاسرائيلي الذي يسعى لدفن اتفاقيات السلام.
والذي يبدو جلياً هو ان الادارة غير مهتمة بدفع عملية السلام نحو اهدافها التي حددها الاتفاق. وغير معنية ايضاً بتنفيذ الالتزامات والاستحقاقات، التي كان بموجبها يفترض ان يندحر الاحتلال الاسرائيلي من قرابة كامل الضفة الفلسطينية، باستثناء المواقع العسكرية والمستوطنات. وهو استحقاق كان يجب ان ينفذ في منتصف السنة الحالية 1998 على ابعد تقدير، اي قبل شهرين من الآن.
والسبب وراء عدم الاهتمام هذا، يعود إلى استمراء امريكا لحالة الانتظار هذه، التي لا تخسر اسرائيل خلالها شيئاً، والتي لا تتعرض فيها المصالح الامريكية لأي من الاخطار، التي قد تنجم عن تجميد هذا الملف او اغلاقه. ويدفعها عدم احساسها بالخطر، إلى التهديد في كل لحظة بأنها سوف تسحب يدها من الموضوع الفلسطيني الاسرائيلي، وتترك الامر لطرفي الخلاف حتى يضطرا بعد ذلك لاتخاذ "القرارات الجريئة" التي تمكنهم من الوصول إلى الحلول!!
ان ادعاء الادارة الامريكية الكاذب، بأنها ستضطر إلى اعلان مبادرتها وتحميل الطرف الرافض مسؤولية افشال جهود السلام، لن ينقلب إلى تهديد جاد، إلا اذا كان هناك فعل على الارض، يتصدى فيه شعبنا بكل امكاناته، لفعل الاستيطان المجرم، ولاجراءات مصادرة الارض وتهويد مدينة القدس، عاصمة دولتنا المستقلة. فالدفاع المشروع عن الارض، وعن النفس، وعن المقدسات، وعن القدس عاصمة دولتنا المستقلة التي سنعلنها في الوقت المحدد، هو الذي سيجبر نتنياهو على اعادة النظر في مواقفه المتغطرسة. وهو الذي سيدفع امريكا إلى التدخل، وارسال مبعوثيها إلى المنطقة. والى نصح نتنياهو للتجاوب مع الارادة الدولية، ومع مطلب شعبنا الواقعي المشروع بضرورة تنفيذ الاتفاق ودفع الاستحقاقات المترتبة.