في ذكرى النكبة والكارثة
مشكلة اللاجئين الفلسطينيين
استمرت اللجنة السياسية لهيئة الامم المتحدة، بالبحث في القضية الفلسطينية، وسط خلافات متشعبة، حول مقترحات برنادوت، واصدرت في 11/12/1948 قراراً يقضي بتأليف لجنة ثلاثية، يختارها الاعضاء الخمس الدائمون في مجلس الامن، لكي تقوم بالاعمال التي كان يقوم بها الوسيط الدولي، وتعمل على تنمية الصلات بين الفلسطينيين والدول العربية من جهة واسرائيل من جهة اخرى. واوكل القرار لهذه اللجنة اتخاذ التدابير اللازمة لاخضاع مدينة القدس لنظام دولي دائم، وان تكون الاماكن المقدسة تحت حماية هيئة الامم المتحدة واشرافها. كما جاء في قرار تشكيل اللجنة، السماح لمن يرغب من اللاجئين بالعودة، والعيش بسلام، واما الذين لا يرغبون في العودة، فلهم الحق في تعويضات عن ممتلكاتهم، وفق القوانين الدولية. كما كلفت اللجنة بدفع التعويضات لمن اصابهم الضرر، وتسهيل امر اعادة السكان واستقرار اللاجئين وقد عرفت هذه اللجنة باسم لجنة التوفيق الدولية، التي طالبها مندوبو العرب بحل مشكلة اللاجئين وتنفيذ قرارات الامم المتحدة بحقهم، بينما تلخص موقف اليهود في تعليق حل مسألة اللاجئين على التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، واصرارهم على رفض تنفيذ قرارات الامم المتحدة، قبل عقد الصلح النهائي مع العرب.
لقد أدت الحروب التي شهدتها فلسطين عام 1948 وما قبله، والفظائع التي ارتكبتها القوات اليهودية إلى لجوء نحو مليون فلسطيني إلى الاقطار العربية المحيطة بفلسطين، والى ما تبقى من اراضي فلسطين بايدي القوات العربية.
كانت الموجات الاولى للاجئين الفلسطينيين، تفضل الاستقرار في المناطق القريبة من فلسطين، على امل العودة إلى الوطن. وقد جاءت النسبة الكبرى من الافواج الفلسطينية اللاجئة لتستقر في الاردن ولبنان وسورية، بينما ظل قسم كبير لاجئاً في المدن الفلسطينية التي لم تحتلها القوات الاسرائيلية، فيما اصبح يعرف لاحقاً بالضفة الغربية وقطاع غزة. وخلف هؤلاء اللاجئون مدناً كاملة، هم جميع سكانها، واخرى كانوا كثرة اهاليها، واكثر من 700 قرية كانوا ساكنيها ومالكيها.
اهتمت الدول العربية ولجان وطنية وشعبية فيها بايواء مئات الألوف من اللاجئين، والغت جامعة الدولة العربية مجلساً لاغاثتهم. وقد سكن اللاجئون في مخيمات ومراكز ايواء مؤقتة شملت المدارس والمساجد والمراكز الخيرية.
اما هيئة الامم المتحدة، فقد اخذت بتقرير الكونت برنادوت، الذي اشار فيه إلى الواجبات المترتبة عليها نحو اللاجئين، فقررت حقهم في العودة إلى بلادهم، او تعويض من لا يرغب في تلك العودة. ثم اخذت السياسة الدولية، تتجه نحو اقناع اللاجئين الفلسطينيين بالاستيطان في الدول العربية، الا ان هذه السياسة ووجهت برفض اللاجئين والدول العربية لها، وخاصة عندما الغت لجنة التوفيق الدولية، لجنة برئاسة الامريكي المستر كلاب وآخرون فرنسي وبريطاني وتركي، والتي رأت مهمتها، وضع مشروعات تكفل اسكان اللاجئين الفلسطينيين، بشكل يمكنهم من الاعتماد على انفسهم.
عندما اتمت هذه اللجنة التي عرفت باسم لجنة كلاب، دراساتها، قدمت تقريرها إلى لجنة التوفيق الدولية، لكي ترفعه بدورها إلى هيئة الامم المتحدة. وقد تضمن هذا التقرير ما يلي:
1- عدم امكانية حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، منفصلة عن الحل النهائي لمشكلة فلسطين.
2- عدم امكانية اقامة مشاريع انعاش اقتصادي، اذا لم يوطد الاستقرار السياسي بين العرب واليهود في المنطقة.
3- اللاجئون الفلسطينيون لا يرون حلاً لمشكلتهم الا في عودتهم إلى ديارهم والحكومات العربية تؤيدهم في هذا الموقف.
4- الاستمرار في اغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغيل القادرين منهم في اعمال مؤقتة، لمساعدتهم في تأمين حياة افضل.
وعلى ضوء هذا التقرير قررت الجمعية العامة للامم المتحدة، بعث وكالة لاغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتشغليهم، وتخصيص مبلغ 54 مليون دولار لاعمال هذه الوكالة بدءاً من 8/12/49 ، حتى منتصف سنة 1951، وقررت اللجنة السياسية للجامعة العربية التعامل مع هذه اللجنة، دون ان يؤثر ذلك التعاون على مصير اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
تابعت لجنة التوفيق الدولية نشاطاتها بعد تشرين اول / اكتوبر 1949 ، حيث جوبهت برفض اليهود كل القرارات الدولية السابقة، واصرارهم على اجراء مفاوضات مباشرة مع العرب، لعقد الصلح النهائي معهم. فلجأت لجنة التوفيق إلى الامم المتحدة، وهناك ندد مندوبو العرب بسكوت الهيئة الدولية عن استهتار اليهود بقرارتها واستهانتها بالظلم الواقع على الفلسطينيين اللاجئين واوضاعهم البائسة.
اتخذت الجمعية العمومية في 9/12/1950 قراراً جديداً، ناشدت فيه الدول المعنية، الدخول في مباحثات مباشرة تحت اشراف لجنة التوفيق، للوصول إلى تسوية سلمية حول جميع المشاكل القائمة بينها، واسست مكتباً يتولى اتخاذ التدابير اللازمة لتقدير التعويضات الواجب دفعها، ومواصلة المشاورات حول حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين واملاكهم ومصالحهم. وناشدت هذه الحكومات اتخاذ ما يلزم لكي يضمن للاجئين الفلسطينيين، في حال عودتهم إلى ديارهم، او حال اسكانهم معاملة من غير تمييز بينهم وبين بقية السكان.
ولم يوفق المكتب الذي عين لادارته سويدي، ويساعده عدد من الخبراء والمستشارين في عمله، ولم يصل إلى اية نتيجة. وهذا ما حمل الحكومات العربية، بناء على توصية من اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية، على ارسال مذكرات إلى الحكومات الكبرى في العالم، تستنكر فيها الاجراءات الظالمة التي تحول دون عودة اللاجئين الفلسطينين إلى ديارهم، في حين تقوم اسرائيل بتحريض يهود العالم على الهجرة إلى فلسطين.
استأنف المكتب الدولي، نشاطاته وقام مديره ومستشاروه بزيارة العواصم العربية، لتقدير قيمة املاك الفلسطينيين التي وضع اليهود عليها سيطرتهم، حيث اصر العرب على تنفيذ قرار العودة. اما اسرائيل فقد اضافت إلى موقفها السابق القاضي بعقد الصلح مع العرب، ان يحسم كل ما لحق باليهود من خسائر وما انفقوه في الحرب التي شنوها، ونفقات الحراسة على الاملاك، وكذلك الضرائب المستحقة، ثم يصار إلى تقسيط المبالغ المتبقية، في دفعات توضع تحت تصرف صندوق عام يتولى تموين نفقات توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلاد العربية.
ومنذ بداية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، استمرت وكالة اغاثة اللاجئين في تقديم معونات اعاشية للاجئين، إلى جانب خدمات في جوانب التعليم والصحة وبعض القضايا الاجتماعية، وفي سنة 1954، اصبح تحديد مدة عمل الوكالة يتجدد كل خمس سنوات. وفي كل مرة، كانت تقارير رؤساء هذه الوكالة إلى هيئة الامم المتحدة، يرتكز على عدم الاجحاف بحقهم في العودة او التعويض.
وكانت بذلت محاولات عديدة لتوطين اللاجئين، انطلاقاً من فرضيات عديدة. وكلها باءت بالفشل. ولعل ابرزها المشروع الذي قدمه المستر بلاند فورد - رئيس لجنة اغاثة اللاجئين سنة 1951 لتوطين اللاجئين في سورية، حيث واجه هذا المشروع الفشل والاخفاق. وكانت كل هذه المحاولات وما تلاها من اهمال تنفيذ قرارات الامم المتحدة، تهدف إلى ادخال اليأس إلى نفوس اللاجئين الفلسطينيين، وضياع القضية الفلسطينية مع مرور الايام.