Fateh

تقاسم وظيفي

لقد أصبحت الأمور أكثر وضوحاً عندما ظهرت المواقف الإسرائيلية والأمريكية على حقيقتها من المبادرة... الخديعة. فالتقاسم الوظيفي حول مهمات تدويخ الجانب الفلسطيني الذي نتج عن توزيع الأدوار بحيث يتولى الجانب الإسرائيلي الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للفلسطينيين، وهو موضوع الأرض، في حين يتولى الجانب الأمريكي الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للإسرائيليين وهو موضوع الأمن. وقد مارست الإدارة الأمريكية جريمة مزدوجة حين قامت بتخفيض السقف الفلسطيني للانسحاب في المرحلتين الأولى والثانية من 40% من مساحة الضفة الغربية إلى 13% ثم أحالت ذلك السقف المتدني إلى نتنياهو ليمارس دور المرابي تحت عنوان التبادلية. إضافة إلى أنها وضعت صيغة التعاون الأمني بشكل متعارض مع مذكرة التفاهم الأمنية التي تم إقرارها من الجانبين الفلسطيني والأمريكي في 17/12/1997.
وحين أعلن نتنياهو موافقته المبدئية على المبادرة الأمريكية أصبح دوره واضحاً في معالجة موضوع الأرض مع الفلسطينيين بالطريقة التي يراها مناسبة، وبحيث يبدو للإسرائيليين أنه استطاع أن يفرض على الجانب الفلسطيني شروطه بالانسحاب من 10% فقط إضافة إلى 3% انسحاباً وهمياً تحت عنوان محمية طبيعية. وهو الأمر الذي فشلت الإدارة الأمريكية في فرضه على الجانب الفلسطيني. ولكن الأخطر هي تلك اللعب الإعلامية التي يمارسها نتنياهو وتدعمه فيها الآلة الإعلامية الصهيونية ليبدو أمام العالم أنه التزم حقيقة بالانسحاب من 13%، وهو ما يفسح المجال أمام دنيس روس بممارسة الضغوط لفرض الجانب الأمني من المبادرة على الجانب الفلسطيني.
لقد رفضت القيادة الفلسطينية بشكل واضح هذه المؤامرة المفضوحة وأصرت على موقف التمسك بالمبادرة، كما سلمت في يناير 1998 في لندن وطرحت على اللجنة التنفيذية والتي تحتوي جدولاً زمنياً يخضع للتنفيذ المتوازي بين الانسحابات والإجراءات الأمنية المتوافقة مع مذكرة التفاهم الفلسطينية الأمريكية حول التعاون الأمني. وكان الرفض الواضح لصيغة كسر الموقف الفلسطيني الموافق على المبادرة كرزمة متكاملة. ولقد رُفضت صيغة الشرط الإسرائيلي بإبقاء ال 3% سواء على شكل وديعة لدى الأمريكان أو مناطق خضراء، أو مناطق صناعية أو محميات طبيعية.
ويروج الإسرائيليون إعلامياً أنه تم الاتفاق على صيغة المحميات الطبيعية، ويحاولون دق أسافين بين الفريق الفلسطيني المفاوض الذي لم يتوصل إلى اتفاق، وبين اتصالات الأخ أبو علاء مع نتنياهو لخلخلة الموضوع الذي توصل إلى ورقة نتيجة للنقاش لا تمثل اتفاقاً، وإنما تعمل على تضييق فجوة المفهوم المتعلقة بالمحمية الطبيعية والتي يمكن تلخيصها على الشكل التالي:
"استكمالاً للاتفاقية الانتقالية والاتفاقيات اللاحقة لها، فقد قرر الجانب الإسرائيلي تنفيذ المرحلة الأولى والثانية من إعادة الانتشار، وتسليم الجانب الفلسطيني 13% من مناطق (C) على الشكل التالي:
1% إلى المنطقة (A)
12% إلى المنطقة (B) (مشروطة إسرائيلياً بما يلي).
لقد أعلن الجانب الفلسطيني أنه قرر تخصيص مساحة/ مساحات تشكل 3% من منقطة (B) المحددة أعلاه لتكون مخصصة كمنطقة خضراء" و/ أو "محمية طبيعية". وقد أعلن الجانب الفلسطيني أنه سيتصرف بناء على المعايير العالمية والمعطيات الأمنية. وعلى هذا الأساس لن يكون هناك أي بناء أو مواطنين في تلك المناطق خلال الفترة الانتقالية، وحتى التوصل إلى اتفاقية المرحلة الدائمة، باستثناء ما هو قائم الآن.
وسيستمر الجانب الإسرائيلي بمسؤوليات السيطرة الأمنية في المناطق الخضراء/ المحميات الطبيعية المذكورة أعلاه. وستكون نشاطات وتحركات الشرطة الفلسطينية بما يشمل جميع فروعها الأمنية بناء على موافقة مسبقة وتنسيق مع الجانب الإسرائيلي".
وقد أبدى الجانب الفلسطيني تحفظات حول هذا النص بحيث لا يعطي الجانب الإسرائيلي حق ان يقرر وإنما واجب التنفيذ، هذا أولاً. وان المواطنة القائمة وخاصة البدوية المتحركة لا يجوز المس بها وهذا ثانيا. وكذلك فإن استمرار الإجراءات إلى حين التوصل إلى اتفاقية الوضع النهائي الذي قد يتأخر بالمماطلة غير مقبول وما يجب أن ينتهي قبل 4/5/1999 وهذا ثالثاً، أما رابعاً فإن مسؤولية السيطرة الأمنية في هذه المناطق ستقتصر حسب الاتفاقيات على محاربة الإرهاب وحماية الإسرائيليين".
هذا يعني أن التضليل الإعلامي بالتوصل إلى اتفاق هدفه الأساسي إظهار الجانب الفلسطيني وكأنه هو المعطل لمسيرة السلام. أما بالنسبة للموضوع الأمني فقد كان الرفض أكثر حسماً وذلك انطلاقاً من أن نصوص ورقة دنيس روس الأخيرة تهدف وضع السلطة الوطنية في مواجهة دموية مباشرة مع الشعب الفلسطيني، فهي تطلب تنفيذ كل الشروط الأمنية قبل أن يتم أي انسحاب من الأراضي، وهو أمر يتعارض بشكل واضح وسافر مع المصلحة الوطنية الفلسطينية ويهدد الأمن الوطني الفلسطيني.
لقد ركزت المقترحات الأمنية على عملية اعتقال ومحاكمة ومعاقبة المشتبهين أمنياً والمتهمين بارتكاب نشاطات عنف وإرهاب، وأعطت للأمريكان الحق في المشاركة في عملية تحديد مبررات الإفراج عن أي مشتبه به أو عدم ذلك، ويأتي التركيز حول محاربة الإرهاب وما يسمونه البنية التحتية التي تدعمه سواء بالتخطيط أو التمويل أو التحريض. وتطالب المقترحات الجانب الفلسطيني تقديم تقرير شامل في أول جلسة لاجتماع لجنة أمريكية فلسطينية يحدد كل الإجراءات التي اتخذتها ضد جميع المنظمات ذات الصفة العسكرية الإرهابية أو الطبيعة العنيفة والبنية الداعمة بغية منعها من الممارسة في مناطق السلطة الوطنية.
وتطالب الاقتراحات قيام الجانب الفلسطيني بمنع وتحريم الحصول على أو امتلاك السلاح في مناطق السلطة الوطنية، وإنشاء برنامج يطبق بحزم مستمر وبشكل منتظم لتجميع الأسلحة الممنوعة. وتنص المقترحات على أن الولايات المتحدة قد وافقت بناء على طلب الجانب الفلسطيني المساعدة في تنفيذ هذا البرنامج بما يشمل إزالة كل الأسلحة والمواد المجموعة من خلال الولايات المتحدة.
إضافة إلى نصوص تعجيزية أخرى تتعلق بالتحريض وبالتعاون الأمني وطلبات الاعتقال ونقل المشبوهين والمدعى عليهم التي من شأنها أن تضع السلطة الوطنية في مواجهة مع مواطنيها تحت رحمة المخابرات الإسرائيلية بما يذكر بلجان التفتيش عن الأسلحة في العراق ودور المراقبين التجسسي، وبما يجعل كل شبر يتم تحريره من الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي يخضع للاحتلال الصهيوني الأمريكي.
لقد رفض الأخ أبو عمار في رسالته الموجهة للرئيس كلينتون هذه الصيغ جميعها التي جاءت في ورقة روس، اولبرايت في 9/7/1998 وأصر في رسالته الأخيرة أن يشمل الانسحاب 13% وأن أي مناطق خضراء أو تجمعات أمنية سيطبق عليها ما هو قائم في المنطقة حالياً دون استثناء.
أما بالنسبة للأمن فقد تم الاتفاق على أن مذكرة التفاهم الفلسطينية الأمريكية، حول التعاون الأمني هي الأساس وأن أي تغير في أي نص يتم بالاتفاق الفلسطيني الأمريكي وبما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية الفلسطينية ودور السلطة الوطنية في حماية وتحقيق الحلم الفلسطيني في الحرية والاستقلال الوطني.
ويشكل الإصرار على التمسك بوجود تنفيذ المرحلة الثالثة أمراً جوهرياً بالنسبة للجانب الفلسطيني الذي يدرك الصيغة التي يحاول نتنياهو من خلالها أن يدفن المرحلة الثالثة في المرحلة النهائية. وهو الوضع الذي يجعله يطبق التبادلية بين استحقاقات المرحلة النهائية واستحقاقات المرحلة الانتقالية.
أن مخطط نتنياهو الاحتفاظ بحوالي 58% من مساحة الضفة الغربية بحيث تتم المساومة بينه وبين الجانب الفلسطيني عند طرح قضية المستوطنات، واللاجئين، والحدود، والمياه، والقدس، ويصبح على السلطة الوطنية إذا أرادت انتزاع المزيد من الأرض أن تتنازل عن موضوع المستوطنات مقابل نسبة مئوية والقدس مقابل نسبة مئوية واللاجئين والمياه.... الخ، وبهذا يتم فرض اقتسام للأرض التي يعتبرها نتنياهو يهودا والسامرة ومتنازع عليها ولا يفض النزاع إلا بشروط الاقتسام أو التقاسم الوظيفي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هذا إذا لم يدفع نتنياهو الوضع ليكون التقاسم الوظيفي ثلاثياً بحيث يتم إقحام الأردن في هذه اللعبة.
إن الرفض الفلسطيني للوقوع في لعبة الاستفراد المزدوج الناتج عن توزيع الأدوار، وضرورة تحقيق التوازي في تنفيذ الالتزامات بين موضوع الأرض وإعادة الانتشار وموضوع التفاوض الأمني يشكل الضمانة للحفاظ على وتيرة الأمل بالخروج من المأزق الذي فرضته سياسة نتنياهو المخادعة والتي تعتمد على ضعف الراعي الأمريكي المتمثل بكلينتون، وتواطؤ الإدارة الصهيونية في البيت الأبيض المتمثلة بـ دنيس روس.
ونحن في حركة فتح ندرك أهمية الاستحقاق التاريخي في الرابع من أيار المقبل. حيث سنكون على أبواب الذكرى الحادية والخمسين للنكبة وعلى أبواب الذكرى السنوية الأولى لمسيرة المليون التي كانت التعبير الوطني الحقيقي لجماهير شعبنا وإصرارها على الاستمرار بالنضال حتى تحقيق الاستقلال والحرية. إن إعلان الاستقلال الوطني على الأرض وإعلان الدولة المستقلة على المناطق المحررة المحتلة عام 67، بما فيها القدس، سيكون موضوعاً حاسماً لمستقبل الشعب الفلسطيني. ونحن ندرك أننا بالوقوف الحازم في وجه المخططات التي تحول دون الاستقلال مطالبين باتخاذ الإجراءات التي تسهل الحصول على هذا الاستحقاق بأقل الخسائر. فإعلان الدولة والسلطة الفلسطينية تسيطر بشكل مباشر على 3% من الأرض يجعل هذا الاستقلال أضعف كثيراً من إعلانه والسلطة تسيطر على 17% من الأرض إلى جانب 25% من مناطق (ب) المحسومة فلسطينيا،ً لتكون المواجهة المحتملة مستقبلاً من موقع أقوى وأكثر متانة من الواقع الراهن.
إن اشتراط الفصل بين قضايا الحل النهائي وقضايا المرحلة الانتقالية بما فيها المرحلة الثانية لإعادة الانتشار هو أحد الشروط الأساسية التي تسهل علينا المواجهة المستقبلية بحجة واضحة أمام العالم بأن الجانب الفلسطيني هو الأكثر التزاماً وتمسكاً بمسيرة السلام من خلال تمسكه الواضح بحقوقه وبتنفيذ واجباته تجاه الاستحقاقات دون لف او دوران كما يفعل الجانب الاسرائيلي.
لقد بدأت تساؤلات الكوادر الفتحوية والجماهير الفلسطينية حول احتمالات ردود الفعل الاسرائيلية تجاه اعلان الاستقلال. وماذا يمكن ان يكون الموقف الفلسطيني تجاه ردود الفعل المحتملة. لقد اكدنا سابقاً انه لا بد مما ليس منه بد، هذا من جهة. وهذا يعني اولا عدم التنازل عن قوة الموقف الفلسطيني النابعة من تمسكه الحازم بالاتفاقية الاساسية والتي حددت الجدول الزمني للمرحلة الانتقالية بما لا يتجاوز الخمس سنوات.
ان عدم الالتزام بالموعد الاساسي باعتباره موعداً مقدساً وليس كغيره من المواعيد الفرعية التي كانت قد سبقتها بداية على لسان رابين واخيرا وبصورة اكثر استهتارا على لسان وتصرفات نتنياهو. ان الموقف الفلسطيني الذي يرفض التفاوض على ما تم التفاوض عليه، ويرفض فتح الاتفاقيات يجعل يوم الرابع من ايار يوما تاريخيا ويجعل اصعب الاحتمالات، وهو اعادة الاحتلال لمناطق السلطة موضوعا يتطلب الاستعداد للمواجهة بكل الوسائل وبالشكل الذي قد يحول دون ردود فعل إسرائيلية من هذا النوع لخطورة نتائجه. اما التساؤلات حول امكانية ان تقر حكومة نتنياهو بالموافقة على اعلان الدولة ضمن حدود السيطرة الراهنة، والاستعداد للدخول في مفاوضات معها حول استكمال المرحلة النهائية من موقع التقاسم الوظيفي على الارض، فهو امر يشكل خطورة وصعوبة. والاخطر من ذلك هو الاقرار بالدولة الفلسطينية المستقلة في حدود قطاع غزة. وقد يقوم نتنياهو بازالة الحواجر بين قطاع غزة ومصر لتكون كاملة السيادة. وعندها يتم فرض وقائع لها مقدماتها الواضحة على الارض والممارسة خلال السنوات الاربع الماضية سواء بحسن نية او بسوء نية.
فالهوية الوطنية الفلسطينية المتمثلة بجواز السفر الفلسطيني محصورة حتى الآن في قطاع غزة. كل جوازات السفر التي صدرت حتى هذه اللحظة تحدد الجنسية الفلسطينية، وجميعها مصدرها قطاع غزة. فاذا تم الاعتراف الاسرائيلي بالدولة في حدود قطاع غزة فإن عملية ترانسفير قانوني ستفرض نفسها على الواقع الفلسطيني. وهو امر يجعل من الضفة الغربية مناطق مفتوحة لجنسيتين تابعتين لدولتين متجاورتين. فالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية يحملون جوازات السفر الفلسطينية للدولة المحددة في قطاع غزة. في حين يحمل المستوطنون جوازات السفر الاسرائيلية لدولة اسرائيل، وهكذا يأخذ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي شكل الصراع العرقي بدل الصراع الوطني والقومي. وتصبح الحالة اشبه ما تكون بوضع الصراع بين بريطانيا وايرلندا (دولة اسرائيل ودولة غزة) وتتحول الضفة الغربية إلى ايرلندا الشمالية ويصبح التقاسم الوظيفي امرا مقضيا. ويصبح التوتر الدائم استراتيجية تفرض نفسها خلال القرن القادم.
ان خطورة هذه الاحتمالات وهذه التصورات هي التي تفرض على حركتنا امتلاك الرؤية المستقبلية لسد الذرائع ودرء المفاسد، وتعرية سياسة نتنياهو التي تسعى لفرض استراتيجية التوتر الدائم، بديلا لمنهج اوسلو الذي ابتدأ بهدف تحقيق الاستقرار في شرق اوسط جديد. وعلى الرغم من خطورة منهج بيريز والشرق الاوسط الجديد، الا ان رؤية السلام فيه تغلب على ملامح الحرب والتوتر المتوهجة في سياسات نتنياهو.
ولا يجوز ان ننسى للحظة حرص نتنياهو على استمراره في السلطة حتى يحقق كل اهدافه المتناقضة جذريا مع الاتفاقيات ومع مسيرة السلام. وهو إذ يسعى إلى إصدار تصريحات توحي بالموافقة على المبادرة ... وبالتسهيل لاستمرار عملية السلام لفظياً، فإنه يسعى بذلك ليركز شعبيته الأسطورية داخل المجتمع الإسرائيلي، وسيباشر بعد توقيع أي اتفاق قادم إلى الدعوة لانتخابات مبكرة يضمن من خلالها سيطرة كاملة للسنوات القادمة. وحتى تعود المسيرة من جديد في مواجهة عنجهيات نتنياهية لا يعلم مداها إلا الله.
إن الواقع الفلسطيني المتماسك والذي يقوم على أساس الوحدة الوطنية، وعلى أساس التلائم مع العمق العربي والإسلامي، والذي يتمسك بالحقوق التي تضمنها الاتفاقيات بما يضمن موقفاً دولياً داعماً للموقف الفلسطيني، هو الضمانة الوحيدة والأكيدة التي تجعلنا نستمر في خوض عملية النضال بثقة كاملة وبعزيمة ثابتة حتى النصر.

وإنها لثورة حتى النصر

 

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست