Fateh

سوريا الأسد
على مفترق طرق

الكتاب من اصدار "كاف أدوم" الكيبوتس الموحد للمؤلف د. أيال زيسر، وهو باللغة العبرية ويقع في 252 صفحة صدر سنة 1999.ويعمل المؤلف محاضر في قسم تاريخ الشرق الاوسط في العصر الحديث وباحث في موضوع سوريا ولبنان في مركز موشيه ديان في جامعة تل ابيب.

يتألف الكتاب من اربعة أقسام مركزية يعرضها المؤلف في تسع فصول وخاتمة.اضافة الى فهرس الاسماء والاماكن، ومجموعة كبيرة من الملاحظات والتعليقات في الهوامش، وهو يعتمد بشكل اساسي على مجموعة من المقابلات واللقاءات الصحفية مع الرئيس السوري، الصحافة السورية،بث التلفزيون والراديو السوري، اضافة الى عدد كبير من المصادر والمراجع الغربية والعربية حول الدولة والنظام في سوريا.

يصف المؤلف الدولة السورية خلال مرحلتان اساسيتان، في المرحلة الاولى يركز على الانجازات الاقليمية والنجاح الشخصي للاسد والتي استطاعت سوريا تحقيقها تحت قيادته، ولا يخفي المؤلف تقديره للرئيس السوري على اساس ان ان سوريا نجحت في تثبيت موقعها الاقليمي، واستطاعت الصمود امام محاولات العزل من جانب اسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول المجاورة. وهو يذكر سوريا في نهاية السبعينات كدولة ذات دور اقليمي بعد ان نجحت في بناء جبهة معارضة لمبادرة الرئيس المصري انور السادات، وبذلك ايضا نجحت في منع دول وجهات عربية اخرى من الانضمام الى اسرائيل والولايات المتحدة في العملية السلمية على حساب دمشق حسب تعبير المؤلف. وهو يعتقد بان سوريا نجحت في استغلال المواجهة مع اسرائيل في لبنان والتي كانت قمتها في عملية سلامة الجليل 1982، التي ادت في النهاية الى ضمان السيطرة السورية الكاملة على لبنان.وبمساعدة السوفييت حاولت سوريا التوصل الى توازن استراتيجي مع اسرائيل بهدف ردعها في المستقبل ومن اجل هزيمتها في المعركة. وقد ثبت ايضا ان المراهنة التي ادارتها مع ايران في حربها مع العراق منذ 1980 وقد ثبت ان الموقف السوري آنذاك كان موقفا صحيحا وذو فائدة.

اما المرحلة الثانية فيتحدث المؤلف عن بدايات التغيير في سوريا منذ نهاية الثمانينات، وهو يظهر الشكوك حول حصانة وقوة الدولة والنظام تجاه الوضع الاقليمي والدولي الناتج عن انهيار الاتحاد السوفييتي، والذي ادى الى تحطم النظرية الامنية السورية بمركباتها المزدوجة.المركب الاول في محاولة الحصول على القدرة العسكرية مقابل اسرائيل والثاني فقدان الاعتماد على المظلة السوفييتية في حال وجود تهديد ممكن على سوريا من جانب اسرائيل او من جانب الولايات المتحدة، الامر الذي تم الاخذ باحتمالاته بشكل جدي وخصوصا على اثر اتهام سوريا باحتضان الارهاب الدولي.وهذان هما السببان الرئيسيان اضافة الى تأثر سوريا بمفهوم النظام العالمي الجديد الذي تبنته الولايات المتحدة، والذي سيؤدي الى ترتيب جديد في الشرق الاوسط اللذان وهما ما دفعا بسوريا لاحداث تغيير في السياسة الخارجية وتحسين العلاقات مع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من اجل ازالة أي تهديد ممكن من جانب الولايات المتحدة على النظام في دمشق.وفي هذا الاطار انضمت سوريا الى قوات التحالف ضد العراق مقابل الحصول على مساعدات اقتصادية فورية.ومن هنا بدأ التغير في السياسة السورية نحو التوجه الى العملية السلمية والاستعداد للمرة الاولى في تاريخها للتوقيع على اتفاقية سلام مع اسرائيل.اما على صعيد التغبييرات الداخلية فقد كانت محدودة جدا وتمت من اجل الحفاظ على الوضع القائم وليس من اجل تغييره.

المؤلف من جهته يعتبر ان الرئيس السوري حافظ الاسد هو احد القادة البارزين للشرق الاوسط، تحت قيادته تحولت سورية من دولة ضعيفة وغير مستقرة الى دولة لها دور اقليمي ومؤثر،ولذلك كان من المناسب تحويل الاسد ونظامه الى موضوع للدراسة والابحاث. وفي حين حاول البعض فهم سر نجاح الاسد، فشل البعض الآخر في ذلك.عمليا وعلى الرغم من ان هذه الابحاث حاولت فهم شخصية الاسد، طريقة تفكيره وطريقة ادارته للدولة، وبالتالي احلامه ووجهة نظره في الحياة، الا انه يعتقد ان حافظ الاسد ما زال في اطار الغموض بالنسبة للكثيرين، في اسرائيل والغرب وايضا في العالم العربي.ويفسر المؤلف هذا الغموض بأنه نتيجة لسياسة اغلاق موجهة ومقصودة فرضها النظام السوري والرئيس الاسد على ابناء شعبه وعلى دولته، وهو يصف الرئيس السوري نفسه بالانسان المنغلق الذي يقلل الخروج من قصره والتجول في انحاء الدولة او اللقاء مع ابناء شعبه، وهو لا يتوجه لهم بخطابات شعبية او لقاءات صحفية الا ما ندر، فهو يدير سوريا من قصره ومن خلال الحد الادنى من الاتصالات والعلاقات. يعتقد المؤلف ان التحول في سوريا بدأ في السنوات الاخيرة وعلى اثر انهيار الاتحاد السوفييتي وبسبب المشاكل الاقتصادية الداخلية التي ادت الى دخول سوريا في ازمات صعبة، بسببها وجدت سوريا نفسها امام مفترق طرق: هل تتوجه الى طريق جديد؟ طريق التغيير في مجالات السياسة الخارجية والداخلية. او هل تستمر في التمسك بالوضع القائم في هذه الدولة ثلاثين عاما.

هدف الكتاب الاساسي هو عرض مسألة مفترق الطرق التي وجدت سوريا نفسها امامه.. الازمات والعقبات امام القيادة السورية تجاه مستقبل سوريا بالنسبة للصراع مع اسرائيل، نظام العلاقات العربية العربية، والعلاقات مع الغرب وفي النهاية السياسة الخارجية،سؤال من يرث السلطة، الوضع الاجتماعي والاقتصادي.هذه التساؤلات التي تشكل مفتاح المستقبل في سوريا، وهي التي ستلقي الضوء على قدرة هذا النظام بالاستمرار في الحكم في فترة ما بعد الاسد. الى جانب ذلك يفحص المؤلف شخصية الرئيس السوري، طريقة عمله، النظام القائم في سوريا، صورة الدولة السورية خلال فترة 30 عاماً منذ استلم الرئيس السوري السلطة.

الكتاب عبارة عن تقدير موقف اسرائيلي لثلاثة قضايا مركزية، الاولى تجاه طبيعة النظام السياسي والنخبة الحاكمة في سوريا وعلى رأسها الرئيس حافظ الاسد. الثانية تجاه مستقبل العلاقات السورية الخارجية الدبلوماسية والاستراتيجية، ليصل في النهاية الى تقدير موقف استراتيجي وسياسي حول موضوعة المفاوضات السلمية على المسار السوري، وبالتالي تلخيص التوقعات والاستنتاجات التي تلعب فيها شخصية بشار الاسد الدور المركزي "في مرحلة ما بعد الاسد".

يعتمد المؤلف في مصادره للمعلومات الخاصة والشخصية عن الرئيس الاسد، على السيرتين الذاتيتين المشهورتين الاولى لباتريك سيل الصحفي والمؤرخ الشخصي للاسد، والمعروف بتأييده لسوريا وبعلاقته المميزة بالرئيس السوري والذي فيه يكشف النقاب عن ميزات الرئيس السوري في اتخاذ القرارات والاهمية الشخصية للفرد في السياسة السورية، الامر الذي يحاول الاسرائيليون نسخه في تقدير الموقف عن مستقبل القرارات الاستراتيجية في عهد الوريث بشار الاسد. والمصدر الثاني سيرة الاسد للمؤلف الاسرائيلي موشيه معوز.مصدر آخر توفر اثر بدء المفاوضات السلمية مع اسرائيل والحوار المباشر بين الدبلوماسيين والضباط السوريين والاسرائيليين الذي اعطى الباحث الاسرائيلي امكانيات اكبر من اجل معرفة الاسد ونظامه من مصادر اولية ومباشرة.

يعطي المؤلف اهمية كبيرة لمؤلفات باتريك سيل وخصوصا كتاب "الصراع على سوريا" 1965 وهو يعتبره الكتاب الاهم حتى اليوم ويعتبره المؤلف من المصادر النادرة التي تصف السنوات الاولى للاستقلال (1946-1958). اضافة الى كتاب "اسد سوريا-الصراع على الشرق اوسط" والذي يعرض فيه باتريك سيل سوريا بقيادة الاسد كقوة اقليمية تعمل بنجاح من اجل الوصول الى مراكز القوة والقيادة في محيطها الاقليمي.

الفرق بين هذين الكتابين بالنسبة لايال زيسر هو التغيير في المكانة الاقليمية لسوريا وللرئيس الاسد، ففي الكتاب الاول يعرض باتريك سيل سوريا كدولة ضعيفة وغير مستقرة، يفعل بها جيرانها العرب والدول العظمى ما يريدون في حين يعرضها في الكتاب الثاني كدولة قوية ذات دور اقليمي مميز.العامل المشترك بين جميع الكتب التي تتعلق بالدولة السورية هو الاعتراف بأن الاسد ما زال الشخصية المركزية في السياسة السورية، فهو الذي اقام النظام السياسي المستقر الا انه نظام ذو طابع شخصي وغير قائم على المؤسسات، حسب ما يقول ايتمار رابينوفيتش في مقدمته لهذا الكتاب.

يبدأ المؤلف مدخل الكتاب تحت عنوان " من الصراع على سوريا الى الصراع على الشرق الاوسط " وفيه يعرض تاريخ سوريا منذ سنوات العشرينات وحتى منتصف سنوات الثمانينات، ومركز الحديث في هذا القسم فترة صعود الاسد الى السلطة في نوفمبر 1970 جتى عام 1985. القسم الاول من الكتاب "سوريا تحت الاسد - نظام وسياسة" تم تخصيصه لوصف الدولة والنظام السوري، حسب تصميم الاسد ما بعد استلامه السلطة.اما القسم الثاني "في طريق جديدة" ففيه يعرض المؤلف الازمة الكبيرة التي واجهت سوريا منذ منتصف الثمانينات وفي مركزها نتائج وآثار انهيار الاتحاد السوفييتي على الاستراتيجية السورية، وفي هذا القسم يتحدث المؤلف عن المحاولات السورية للخروج من ازماتها مثل الانضمام الى قوات التحالف ضد العراق بقيادة الولايات المتحدة ابان حرب الخليج.

في القسم الثالث وتحت عنوان "السياسة الخارجية السورية في سنوات التسعينات" يتطرق المؤلف الى العلاقات الخارجية السورية مع جيرانها، العراق، تركيا، والاردن والتحالف مع ايران، موقع سوريا في الحلقة العربية، وعلاقاتها مع الدول العظمى. كما يناقش المؤلف في هذا القسم العملية السلمية السورية-الاسرائيلية، وهو يتحدث ايضا عن 17 عاما من التدخل السوري في لبنان الذي انتهي بالسيطرة الكاملة على نظام مركزي ومستقل يتحرك بتأثير سوري كامل.

وهنا يتحدث المؤلف عن وجود مصلحة سورية واضحة في كبح جماح حزب الله ليس فقط انطلاقا من التزام سوريا بالعملية السلمية وانما لاعتبارات لبنانية داخلية، كون ان نشاطات حزب الله العسكرية أدت الى تهديد الاستقرار الداخلي الذي ترغب سوريا في فرضه على لبنان.

موضوع القسم الرابع "سوريا من الداخل-على مفترق طرق" وفيه يتحدث المؤلف عن التطورات السياسية على الصعيد الداخلي في السنوات العشر الاخيرة، جزء من هذا القسم مخصص للحديث عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، مسألة العودة الى الدين، و علاقات النظام مع الحركة الاسلامية، اضافة الى صراع القوى المتجدد والدائر في النخبة السورية، حول سؤال من يرث السلطة وهذا السؤال هو الاهم بالنسبة لمستقبل سوريا.السؤال الذي بدأ الحديث حوله في العام 1983-1984 بعد ان تعرض الاسد لازمة قلبية حين حاول رفعت الاسد تعزيز موقعه كوريث للنظام وللرئيس ومرورا بموت باسل الاسد الذي جدد الصراع مرة اخرى بين النخبة السياسية والحزبية والعسكري الامنية، الى ان احتل الابن الثاني بشار الاسد موقع الوريث على سلم الاحداث اليومية السورية.

يتحدث المؤلف في خاتمة الكتاب عن سوريا خلال التسعينات كقصة نجاح كبيرة يعترف بها النقاد والمعارضون على حد سواء، ويعرض المؤلف حجم التهديدات التي تواجهها سوريا في هذه الفترة بحجم الانجازات التي حققها النظام والتي استطاع من خلالها البقاء والصمود.الانجاز الاول هو الحفاظ على الاستقرار الداخلي ما دام الرئيس الاسد في السلطة وما دامت النخبة السياسية الحزبية العسكرية تحت سيطرته. الانجاز الثاني انهاء العديد من التهديدات الاقليمية التي واجهتها سوريا في العشر سنوات الاخيرة مثل تحطم القدرات العسكرية العراقية خلال حرب الخليج، وانتهاء حالة التهديد ممكن من جانب الولايات المتحدة واسرائيل، هذا التهديد الذي ازدادت احتمالاته على اثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وانخفضت على اثر الموقف السوري من حرب الخليج واستعداد سوريا للدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل.

يعرض المؤلف في خاتمة الكتاب اربعة اسباب لنجاح سوريا في الصمود امام الواقع الدولي والاقليمي المتغير حسب رأي المؤلف، الاول هو نجاح النظام والرئيس السوري في قراءة التطورات التي طرأت على الاوضاع الاقليمية والدولية والقدرة على الاندماج في التغيرات الناتجة عنها.والثاني هو قدرة النظام على الحفاظ على وضع اقتصادي مستقر نسبيا،والثالث نجاح النظام على الرغم من الاتصالات والغزل بينه وبين الولايات المتحدة واسرائيل في الايحاء للرأي العام العربي والسوري في انه ما زال يشكل الصمود والتحدي للغرب وللصهيونية.السبب الرابع هو الحظ الناتج عن اكتشاف أبار نفط شرقي الدولة وازدياد المطر في السنوات الاخيرة.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست