تطور الفكر السياسي الفتحوي
(32)
مع تجدد الاحداث في شهر اكتوبر عام 1969 في معظم المواقع، وجهت حركة فتح رسالة للشعب اللبناني في 26/10/1969 حددت موقفها من الاحداث ونظرتها للمستقبل جاء فيها:
(حرص العمل الفدائي الفلسطيني منذ قيامه إلى اليوم، على ان لا يكون طرفا في أي شأن من الشؤون الداخلية في أي بلد عربي، وان لا يستدرج إلى اية معارك جانبية من أي نوع، حفظا لطاقات العمل الفدائي من ان تستهلك فيما لا طائل تحته وان تتوجه إلى غير ما قامت في سبيله.
وانطلاقا من هذه القاعدة الاساسية في العمل الفدائي، فقد تحمل العمل الفدائي الشيء الكثير، وابتعد عن اسلوب الحملات والمهاترات، وتفادى اسباب الخصومة والصدام، في كل بلد عربي، ايمانا منه بوحدة المصير وبأن كل البنادق العربية يجب ان تنطلق في اتجاه العدو، وايمانا منه بان جوهر القضية وقداسة المعركة وجسامة الموقف، وكل هذا قادر على توحيد الجهد والتقاء الطاقات، وقادر على الغاء أي تناقضات هامشية قد تنشأ او تصطنع اصطناعا.
وانطلاقا من تقديرنا بان الخطر الصهيوني التوسعي يهدد كل الارض العربية وسيادة كل قطر من الاقطار العربية، فاننا لم نجد بدا من ان نواجه هذا الخطر على كافة الجبهات العربية التي يهددها. ولذلك فاننا نعتبر كل الاراضي العربية المحيطة بالارض المحتلة مراكز انطلاق وتحرك للعمل الفدائي. ولم يكن من المعقول او من المقبول ان تقوم عقبة او مانع من داخل أي بلد عربي تحول دون انطلاق العمل الفدائي لبذل الدم والجود بالنفس في سبيل تحرير الارض المقدسة التي يحتلها العدو. ولا يمكننا ان نتصور لحظة، وشعبنا العربي في كل اقطاره مطالب بالفداء والشهادة، ان يقوم قطر ما او مؤسسة من مؤسساته، بدور الحارس للاحتلال الصهيوني وذلك بمنع العمل الفدائي او الحد من حريته.
وقد وجد العمل الفدائي، وما يزال، من الشعب اللبناني، كل التأييد وكل الدعم وكل المشاركة. فالقضية واحدة والمصير واحد والعدو واحد.
ولكن بعض العناصر المشبوهة في قيادة الجيش، حاولت الاساءة للعمل الفدائي منذ البداية، وذلك باختلاق الازمات المستمرة واصطناع حالة من التوتر الدائم، ومواجهة العمل الفدائي بمواقف استفزازية، تتصف بالفظاظة والاستهتار، وقد دأبت هذه العناصر المشبوهة على التآمر الذي لا ينقطع لافتعال الصدام بين الفدائيين الفلسطينيين وبين افراد الجيش اللبناني، واصطناع اسباب الجفوة والنفور بين الشعب اللبناني والثورة الفلسطينية.
ولم تتورع هذه العناصر المشبوهة المتمركزة في بعض مراكز السلطة. من اجل تحقيق المخططات الموكولة اليها، من تدبير حوادث القتل والمذابح الجماعية والشروع في محاولات مجرمة في قلب بيروت، والقيام باتصالات مفضوحة على الحدود الجنوبية، كما انها لم تكف لحظة عن شن حرب الاكاذيب والاشاعات والمبالغات ضد العمل الفدائي.
وقد كنا نؤثر، دائما، ان نتحمل كل اذى بما في ذلك حرب التشهير الموجهة ضد العمل الفدائي، املا في ان تستفيق ضمائر هذه الفئة المشبوهة المتآمرة، وابتعادا عن مزالق يراد جرنا اليها، ورفضنا الاستجابة لاي استفزاز مفسد، وايمانا بوعي الشعب اللبناني، وسلامة حدسه في رؤية الاشياء وتقدير الامور وحكمه عليها، وحرصا منا على تفويت اغراض هذه الفئة المشبوهة المتآمرة.
ولكن المذبحة الهمجية التي دبرتها هذه العناصر المشبوهة ضد الفدائيين الفلسطينيين وضد المواطنين اللبنانيين، على السواء، وفي جنوب لبنان، في الايام الاخيرة، تكشف لنا إلى أي مدى اجرامي يمكن ان تصل له هذه الفئة المشبوهة المجرمة. وهذا يضطرنا إلى مكاشفة الشعب اللبناني وطرح القضية على وجهها الصحيح:
اولاً: ان العمل الفدائي بطبيعته لا يمكن ان يستقر في قواعد ثابتة قريبة من الحدود المحتلة. وفي لبنان بالتحديد، فان العمل الفدائي كان ينطلق او يعود عبر الاراضي اللبنانية لتأدية مهامه، او بعد القيام بها من نقاط اخرى في مجموعات سريعة الحركة لا تكاد تثبت في مكان.
وقدم الاهالي في جنوب لبنان كل ما يستطيعونه من عون وفي حدود ما يستطيعون للفدائيين. ونود في هذه المناسبة الاشادة بروح التعاطف ومشاعر الاخوة من كل افراد الشعب في جنوب لبنان الذين التحموا قلبا ويدا مع الثورة الفلسطينية، وكان جزاؤهم من السلطات اللبنانية المتآمرة هو جزاء الفدائيين بالضبط، وقد استمر هذا الوضع ما يقرب من سنتين إلى ان تعمدت الفئات المشبوهة في قيادة الجيش اللبناني لاعتبارات محض داخلية تتعلق بالصراع على السلطة عام 1970 من جهة ولاعتبارات سياسية تتعلق بارتباطاتها المشبوهة ببعض المراجع الامبريالية في الخارج من جهة اخرى عمدت إلى التحرك في اتجاه عرقلة العمل الفدائي والتعرض له والوقوف في وجهه.
ثانياً: اتخذ نشاط الفئة المشبوهة في قيادة الجيش نمطا متصاعدا في مواجهة العمل الفدائي وذلك في نهاية 1968. فاذا بقوات الجيش اللبناني تفرض طوقا عسكريا على منطقة الجنوب وتقوم بسلسلة من الاجراءات غير العادية لمنع وصول أي امدادات للفدائيين وتبدأ بعمليات قصدها التحرش بالفدائيين. ورغم كل الاعمال الاستفزازية التي اقدمت عليها الفئة المشبوهة في قيادة الجيش اللبناني فان الفدائيين احتفظوا بضبط النفس وقرروا عدم الاستجابة او الرد على أي استفزاز بغية عدم الانجرار إلى ردود فعل محلية لا طائل تحتها ولا تخدم الا تلك الفئة المشبوهة ومراجعها الامبريالية.
ثالثاً: وحين تحرك الشعب اللبناني العظيم يوم 23 نيسان (ابريل) 1969 احتجاجا على تصرفات الفئة المشبوهة في قيادة الجيش وتعبيرا عن مساندته للثورة الفلسطينية بدأت تنكشف اول خيوط المؤامرة التي اعدتها السلطات المشبوهة. فقد اطلقت قوات الامن اللبنانية بأوامر من قيادتها المشبوهة وبتواطؤ المسؤولين السياسيين المتظاهرين بتأييد العمل الفدائي نيران مدافعها الرشاشة على المظاهرات السلمية التي قام بها المواطنون في صيدا وبيروت وطرابلس وبر الياس، وكانت المجزرة المؤلمة التي سقط فيها حوالي 30 شهيدا.
رابعاً: لقد كان تدبير هذه المجزرة حدثا مفاجئا وغير مفهوم في اول الامر إلى ان بدأنا نعي النيات المبيتة من وراء هذه المجزرة التي اعدتها الفئة المشبوهة في السلطة السياسية والعسكرية. فقد علمنا ان هذه الفئة المشبوهة تحاول الزج بالعمل الفدائي في قضايا لبنان الداخلية لتحقيق اغراضها الحقيرة سواء في تملق بعض المشاعر الطائفية او في عقد تحالفات مع الاجنبي. فقررت الثورة الفلسطينية في ضوء هذه الاعتبارات ان تفسد اللحظة على هذه الفئة وان لا تفسح المجال للعابثين المجرمين ان يجروها مع سائر فئات الشعب اللبناني إلى مزالق الاقتتال الداخلي والتناحر المحلي الذي لا طائل تحته.
خامساً: رغم الدماء البريئة التي سفكت ورغم ان الفئة المشبوهة في قيادة الجيش والحكومة استطاعت ان ترفض مطالبة الجماهير بالتحقيق مع المسؤولين المجرمين الذين افتعلوا مجزرة صيدا وبر الياس وبيروت ورغم الحملة التشهيرية التي شنتها اجهزة الفئة المشبوهة ضد العمل الفدائي، رغم كل ذلك ومنعا لاية مضاعفات داخلية لا تخدم الا اسرائيل والامبريالية فقد رضيت الثورة الفلسطينية التفاوض مع السلطة اللبنانية تحت شعار التنسيق في شهر ايار (مايو) سنة 1969. وجاء المندوب الشخصي للرئيس عبد الناصر السيد حسن صبري الخولي للوساطة على هذا الاساس. ووصل بيروت وفد منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات للتفاوض مع السلطات اللبنانية على هذا الاساس نفسه وهو التنيسق.
ولكن الفئة المشبوهة نفسها عادت إلى رفض مبدأ التنسيق رغم تظاهرها بالموافقة عليه بادىء الامر. وقد تحملت الثورة الفلسطينية تداخلات هذه الفئة واكاذيبها ونفاقها وتلونها واتخاذها لمواقف متناقضة، حرصا منها على الابتعاد عن المهاترات ومنعا لهذه الفتنة من ان تستغل قضية العمل الفدائي لتحقيق اغراضها الاقليمية.
ولكن الثورة الفلسطينية وفاء منها لمبادئها ولدماء شهدائها اصرت على الاحتفاظ بحقها في حرية الحركة ضد العدو.
سادساً: وتكررت بعد ذلك تحرشات الفئة المشبوهة بالعمل الفلسطيني والفدائيين الفلسطينيين وباللاجئين الفلسطينيين بدون مبرر وبلا انقطاع وتعمدت الفئة المشبوهة القيام باجراءات استفزازية ضد مخيمات اللاجئين، فطوقتها وفرضت عليها اجراءات عسكرية صارمة واعتقلت عددا كبيرا من الموظفين الفلسطينيين. وفي الجنوب لم تنقطع استفزازات السلطة لحظة، سواء ضد السكان اللبنانيين في القرى الجنوبية الذين يعاونون الثورة الفلسطينية او ضد قوات الفدائيين. وقد اصبحت استفزازات هذه الفئة المشبوهة ضد الثورة الفلسطينية وضد الشعب اللبناني مسألة يومية هدفها الواضح تفجير الوضع ودفعنا للاستجابة لهذه الاستفزازات اليومية. ومارسنا ضبطا للنفس غير عادي وذلك لمعرفتنا بنيات هذه الفئة المشبوهة وقصدها المتعمد باشعال جو الاضطرابات والفوضى مبررا وحجة لتنفيذ مخططاتها في التسلط الداخلي. وتحملنا كل اذى هذه الاستفزازات وضغوطها اليومية حرصا منا على سلامة لبنان وسلامة الثورة الفلسطينية معا، وعدم جرنا لنكون طرفا في صراع داخلي ذميم على المغانم والاسلاب.
سابعاً: ولكن في الحقيقة فإن هذه الفئة التي هزمتها ثقتها بالشعب اللبناني العظيم وسياستنا في ضبط النفس لم تكن لتقف عند حد. وقد حاولت هذه الفئة ارتكاب سلسلة من العمليات الاجرامية وفي مقدمتها مؤامرة لحرق بيروت تعزوها للمنظمات الفدائية وتجعل منها وسيلة وجسراً تعبر عليه لتنفيذ اطماعها من جهة ولتصفية العمل الفلسطيني من جهة اخرى. ولكن بوعي الثورة وتنبهها الكامل وترقبها الدقيق لكل التحركات المشبوهة فقد استطاعت افساد هذه الخطط ومواجهة الاجهزة التي تقف وراءها بكل شيء وتحميلها المسؤولية كاملة.
ونحن لا نريد ان نخوض في تفاصيل هذه القضية الحساسة شعورا منا بضرورة تضييق دائرة الازمة واطفاء نيران الفتنة ونرجو ان لا تضطرنا تطورات الاحداث إلى كشف الستار عن كل شيء.
ثامناً: وفي هذه الاثناء كنا نرصد سلسلة طويلة من الاتصالات جرت عبر حدود لبنان الجنوبية، ولئن كنا الان في صدد تحليلها ووضعها في اطارها الصحيح الا اننا نجزم منذ الساعة بارتباطها بالمجزرة التي دبرتها الفئة المشبوهة في الجيش ضد اهالي مجدل سلم والفدائيين وارتباطها بالخطة الاساسية التي تستهدف تفجير الوضع الداخلي لاغراض تتصل بالصراع على السلطة عام 1970 من ناحية وتسديد فواتير محلية وعربية للمراجع الامبريالية الاميركية من ناحية اخرى.
وليست تصريحات ايغال آلون نائب رئيس وزراء اسرائيل، حول ضمان اسرائيل للوضع القائم في لبنان وبيانات وزارة الخارجية الاميركية وتحركات قواتها في منطقة شرق البحر المتوسط الا مصداقا لما نقول في اطار الخطة الصهيونية - الامبريالية - الرجعية المتناغمة لتطويق العمل الفدائي تمهيدا لضربه.
تاسعا: وكانت ازمة مخيم نهر البارد هي اعجب الازمات التي اصطنعتها بعض اجهزة السلطة اصطناعا وحاولت ان تجعل منها سببا في تفجير صدام عنيف بين قوات الامن من جهة والمواطنين الفلسطينيين في المخيم من جهة اخرى. وقد بدأت هذه الازمة المدبرة باتصال هاتفي بين ممثل فتح في بيروت ومندوب السلطة العسكرية الرائد سامي الخطيب تم على اثرها الاذن ببناء غرفة لقيادة الكفاح المسلح في مخيم نهر البارد. الا ان ممثل الحركة هناك اتصل يقول ان السلطة قد داهمت المخيم وأمرت بوقف البناء. مرة اخرى عاد ممثل الحركة في بيروت واتصل بالرائد المذكور الذي كرر موافقته على الاستمرار في البناء ووعده بابلاغ ذلك إلى السلطة العسكرية في منطقة الشمال.
وحين جرى استئناف العمل بالبناء في اعقاب الاتصال الثاني عادت السلطة من جديد وداهمت المخيم وقامت بعملية الاعتداء المعروفة.
هذه هي حقيقة ازمة نهر البارد.. عناصر السلطة المشبوهة تأذن بالبناء.. ثم تعود فتعترض.. ثم مرة اخرى تعود لتعترض من جديد وتختلق اسباب الصدام وافتعال الفتنة وهكذا لم يعد عندنا شك في ان العناصر المشبوهة في قيادة الجيش تخطط عن عمد وبوعي تام وسابق اصرار وتصميم على خلق ظروف للصدام الدموي بين قوات الجيش والفدائيين لتتمكن في ظل هذه الظروف من تحقيق مخططاتها في السيطرة والتسلط. وقد تذرعنا كعادتنا دائما بضبط النفس غير المحدد لمواجهة هذه المؤامرة والمحاولات الشرسة لاشعال نار الفتنة. لتفوت على هذه الفتنة اغراضها واطماعها.
عاشراً: اما عن مجزرة مجدل سلم فقد بدأ الحصار بقيادة العميد انطون سعد والعميد احمد زكا في وادي السلوقي.. وتفاديا للصدام المسلح انسحبت مجموعات الفدائيين إلى مجدل سلم الا ان الحصار استمر ستة ايام خانقة كانت السلطة الحاكمة تصر فيها على احد خيارين: الاستسلام او تدمير القرية تدميرا كاملاً. ولقد رفضت السلطة العرض الذي قدمه لها اهل مجدل سلم في ان يفتحوا طريقاً لانسحاب الفدائيين. ولقد فوجئنا بتحرك الجيش وبحجم القوات المتحركة ونوعيتها اذ بلغت لواء مشاة تدعمه المدرعات. فارسلنا مندوبَيْن من كبار المسؤولين العسكريين في الحركة للاتصال بالمجموعات المحاصرة والاطلاع على الموقف والاتفاق على حل... الا ان السلطة اللبنانية استعملت اسلوب المراوغة، فبعد ان منحتها اذنا بالدخول إلى المنطقة المحاصرة اوحت إلى قواتها هناك باهانتهما واعادتهما و منعهما من الوصول إلى منطقة القتال حتى يتسنى لها احاطة الموضوع بالكتمان الشديد.
ومن اجل مزيد من التكتم حول خبر تطويق الفدائيين والاعتداء عليهم، قامت السلطة التي ازعجها الاعلان الصادر عن منظمة التحرير بهذا الخصوص بتعطيل الصحف اللبنانية التي نشرت هذا الخبر، متذرعة كذبا بان هناك اتفاقا مشتركا بيننا وبينها على الصمت.
حادي عشر: اما عن رواية الاتصالات والمفاوضات والاتفاقات بين ممثلي الثورة الفلسطينية والسلطات اللبنانية فانها رواية مختلفة وليس لها اساس. فلم يكن بيننا وبين السلطة سواء في الجيش او الحكومة او الشعبة الثانية أي اتفاق سابق. ان المحاولة الوحيدة للاتفاق كانت محصورة بالاتصالات التي تمت اثر حوادث نيسان (ابريل) المعروفة.. تلك المحاولة التي جاءت تصرفات المسؤولين المشبوهين في الجيش ورسالة الرئيس شارل حلو لتقضي عليها.
غير ان العناصر التي تدعي الوطنية في الشعبة الثانية في الجيش اللبناني استغلت حرصنا على عدم الانزلاق إلى المهاترات الاعلامية، فبادرت إلى خداع الجماهيراللبناينة وتضليلها وعزلها عن حقائق القضية بادعاء واختلاق روايات خيالية عن الاتصالات والاتفاقات المزعومة.
ثاني عشر: ولقد كنا نحسب ان رئاسة الجمهورية اللبنانية وباقي المراجع السياسية الحاكمة ستحرص على تفهم حقيقة الامور وملابسات المجزرة التي نفذتها الفئة العسكرية المشبوهة من وراء ظهر بعضها وبالتواطوء مع بعضها الاخر، الا اننا فوجئنا مرة اخرى بان رئاسة الجمهورية اللبنانية كان همها في كل ما بعثت به من رسائل إلى رؤساء الحكومات العربية تغطية تحركات الفئة المشبوهة ورفض التحقيق بكل ما قامت به من مجازر.
غير انه مهما اجتهدت هذه المراجع الحاكمة في التبرير والتغطية والتنصل، فان ثمة حقيقة بارزة لا يمكن طمسها ولا التستر عليها، وهي ان عناصر من الجيش اللبناني قامت بأمر من ضباط لبنانيين معروفين بتوجيه سلاح لبناني عربي إلى صدور مناضلين عرب متجاوزة باستهتار وحدة المصير والنضال العربيين في وجهة العدو الصهيوني بل مشاركة القوى الصهيونية والامبريالية مخططها المفضوح لضرب العمل الفدائي وتصفية القضية الفلسطينية.
هذه بإيجاز حقيقة الاحداث التي جرت في الساحة اللبنانية نكشف ملابساتها بصدق ووعي وثورية على اخوتنا ابناء الشعب اللبناني الصامد وابناء الشعب الفلسطيني المناضل، وابناء العروبة المتحفزين في كل مكان ليسمع الملأ صوت الحقيقة وليكون على بينة من كل المؤامرات التي تحاك لشعب لبنان في الظلام.
لقد رفضنا ونرفض ان نتدخل في شؤون لبنان الداخلية، ورفضنا ونرفض ان نتحول إلى قوة محلية يراد لها ان تلعب دورا في ميزان القوى وفي لعبة الصراع على السلطة. لقد رفضنا ونرفض كل ما من شأنه ان يجرنا بعيدا عن ارضنا المحتلة حيث يجثم عدونا الغاشم.
ان بنادقنا ستبقى مصوبة إلى العدو الصهيوني في عكا وحيفا وصفد وطبريا والناصرة ويافا والقدس وغزة وبقية مدننا وقرانا في الارض المحتلة، ولن نسمح للعدو ولا لعملائه ان يستدرجونا إلى معارك جانبية في صور وصيدا وبيروت وطرابلس.
ان مدبري مجزرة مجدل سلم هم المسؤولون وحدهم عن كل الضحايا اللبنانية البريئة التي سقطت في الايام الاخيرة، ويجب ان يتحملوا وحدهم ما انتهى اليه الوضع في كافة الانحاء اللبنانية. وان الثورة الفلسطينية ترفض ان تكون اداة او ستارا لاية احقاد طائفية او تصفية حسابات محلية مؤكدة ان الشعب اللبناني البطل اذكى من ان تخدعه التحركات المشبوهة واقوى من ان تضلله اكاذيب الصائدين بالماء العكر.
ما نريده هو لبنان السيد المستقل حقا، لبنان القوي، لبنان العربي المتساند مع اخوته في العروبة والكفاح. لبنان الديمقراطي الذي يرفض ان يكون مطية لفئة مشبوهة لا تتورع عن حرقه تنفيذا لمأرب تسلطية ولمخططات استعمارية.
ما نريده هو حرية الثورة الفلسطينية في التحرك على كامل الاراضي العربية من اجل التصدي للعدو الذي يتربص بالبلاد العربية جميعا.
ما نريده هو وحدة الصف العربي ضد الصهيونية والاستعمار ولن ننزلق مطلقا إلى صراعات جانبية على السلطة والنفوذ والمغانم والاسلاب في أي قطر من الاقطار.
عاش نضال الشعب اللبناني في سبيل الوحدة الوطنية والديمقراطية وفي سبيل الالتحام بالثورة الفلسطينية والعربية.
عاش نضال الثورة الفلسطينية في سبيل تحرير الاراضي المحتلة. والعار كل العار للعملاء والخونة مستنزفي طاقات الشعب الفلسطيني والشعوب العربية في معارك جانبية لا تخدم الا العدو وحلفائه المستعمرين) (1).
ولتوضيح الموقف من مجريات الاحداث في لبنان عقد الاخ ابو عمار بوصفه الناطق الرسمي لحركة فتح ورئيس اللجنة التنفيذية، مؤتمراً صحفياً في جامعة دمشق اجاب فيه على تساؤلات مندوبي اجهزة الاعلام المحلية والعربية والدولية وكان الموقف الذي حدده من خلال الاجابات كمايلي:
س: (جريدة النهار) هناك قسم كبير من الشعب اللبناني قد يبلغ نصف لبنان تقريبا يؤيد العمل الفدائي، ولكنه يؤمن ان وجود الفدائيين في لبنان يشكل خطرا على حدوده من حملات الانتقام الاسرائيلية ويشكل خطرا على الداخل من اندفاع القسم الكبير المؤيد والخائف معا؟
ج: أي شيء تعني من اندفاع القسم الكبير المؤيد للفدائيين:
تقصد القسم الذي يؤيد طبعا. الحقيقة هذا السؤال اعتبره سؤالا مهما للمعركة بيننا وبين الوجود الاسرائيلي معركة ان نكون او لا نكون، ليست معركة القدس، وليست معركة اريحا وليست معركة عمان وليست معركة بيروت ولا معركة القاهرة ولا معركة دمشق. هذه غزوة بربرية تريد ان تجتاز امتنا العربية وهي ليست اول غزوة تجتاز امتنا العربية، يوجد قبلها غزوة تترية وبعدها صليبية، والآن يوجد غزوة اسمها الغزوة الصهيونية. موجود على الكنيست "هذه ارضك يا اسرائيل من النيل إلى الفرات". طبعا لبنان تقع بين النيل والفرات...
س: لماذا تطلب حركة الفدائيين حرية العمل في لبنان في وقت لم يسمح لها بحرية العمل في مصر وسوريا والعراق؟
ج: يبدو ان كاتب هذا السؤال هو غير مطلع على حقائق الامور ولو انه لم يسمح لنا بذلك لما وجدنا هنا في دمشق.
س: (القنال الثاني في التلفزيون الالماني):
هل تصرون على حرية العمل للفدائيين في جميع الدول العربية وما هي مقومات حرية العمل؟
ج: بالنسبة لمقومات العمل ان تكون الثورة قادرة على التحرك لتحقيق اهدافها في النصر والعودة.
س: (مجلة جيش الشعب) هل يمكن ان تكون الشروط التي وضعتها حركة فتح واولها حرية العمل الفدائي مرنة او موضع نقاش في المفاوضات المرتقبة؟
ج: اولا ماذا يعني بالمفاوضات المرتقبة؟ هل هناك مفاوضات؟ اريد ان اقول كلمة ، قالها الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل: ان من يتهاون ولو مرة واحدة بحق من حقوق بلاده، يظل أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان. ولا اظن ان احدا في المنطقة العربية يقبل بأن يكون كذلك.
س: (المحرر): اعلن الرئيس اللبناني شارل حلو امام الوفود الاسلامية ان العمليات العسكرية قد توقفت في جنوب لبنان قبل خمسة ايام فهل هذا صحيح؟
ج: الرئيس شارل حلو هو حر ان يصرح بما يريد. ولكنني هنا اريد ان اقول الحقيقة والحقيقة فقط لانني انطق باسم الثورة الفلسطينية: سواء قالها امام وفود اسلامية او وفود مسيحية كل هذه الوفود في نظر الثورة الفلسطينية وفود لبنانية عربية. وانا اقول ان اليوم دارت معارك استخدمت فيها المدفعية والرشاشات في راشيا الوادي استمرت من الساعة الثالثة والنصف صباحا حتى الساعة العاشرة والربع. امس قصفت مجموعة اخرى في شبعا واول امس سقط لنا خمس شهداء في دير ميماس وابل السقي والخيام والجرحى موجودين وباستطاعة أي صحفي ان يراهم.
س: (التلفزيون الالماني القنال الاول): ان الحكومة اللبنانية تتهم الفدائيين باحتلالهم اراض لبنانية، ما هو رأيكم في هذا؟
ج: الزميل لازم يعرف اننا نحن شعب عربي واحد من المحيط إلى الخليج، معركة الجزائر كانت معركة الامة العربية والثوار الجزائريين كانوا يتمرنون ويتدربون في الارض العربية المحيطة بالجزائر والثوار الفلسطينيين لهم الحق بالرغم من كل الفئات المشبوهة في لبنان وغير لبنان ان يقاتلوا في كل الارض العربية قوة الثورة الفلسطينية هي هذا العمق الاستراتيجي الذي تملكه من خلال العمق العربي الكبير. انا اذكر ان الشعب اللبناني او شعبنا العربي في لبنان كان يستخدم ارضنا العربية في فلسطين قبل ان تكتسحها الصهيونية في الحرب ضد فرنسا. انا اريد ان اذكر القوى المشبوهة في لبنان هل وجود اخوانهم الفلسطينيين فوق ارضهم العربية في لبنان يدنس الارض اللبنانية ام وجود الاسطول السادس الاميركي.
س: (مراسل الاذاعة البريطانية): هل تنوي منظمة التحرير الفلسطينية ان ترسل ممثليها إلى القاهرة او إلى مكان آخر لقضية التوسط اذا كان الامر كذلك فهل لكم شروط مسبقة؟
س: هناك سؤال آخر مماثل هل ستشتركون شخصيا بمباحثات القاهرة اللبنانية الفلسطينية بعد الاعلان على تسمية اللواء بستاني رئيسا للوفد العسكري اللبناني، واذا كان سلبا ما هي الشخصية التي ستنوب عنكم؟
ج: السؤال هذا ارجع فيه إلى 23 نيسان (ابريل) لما كلفتني قيادتي وانا آسف اقول انه في ذلك الحين وصلت إلى اتفاق مكتوب مع جنرال اميل بستاني من 15 نقطة بعضها تفاصيل ولكن في مجملها حرية العمل الفدائي في شمال فلسطين المحتلة للاسف انه مرجع كبير فوق البستاني اوقف الاتفاقية بالتلفون ثم مرت ستة شهور واذا بالعمل ودورياتنا المتجهة إلى ارضنا المحتلة للقيام بواجبها القومي ليس لتحرير فلسطين فحسب انما دفاعا عن الامة العربية ودفاعا عن لبنان بالخصوص هذه الدوريات يعترضها الجيش اللبناني ليمنعها من قتال عدو الامة العربية وهي الصهيونية انا سألتهم هذا السؤال: هل الجيش اللبناني بيدفع له الفلاح اللبناني من دمه وعرقه ومن اجل ان يدافع عن الحدود الشمالية لارضنا المحتلة ما وجدت جوابا للاسف.
اول حصلت بيننا معركة في اكثر من مكان شرق راشيا الوادي وفي دير ميماس وفي ابل السقي وفي الخيام ثم وللاسف انهم استخدموا المدفعية في جميع هذه الاشتباكات خلافا لما ادعته تصريحات الناطق العسكري اللبناني وقد طلبوا ايقاف القتال عندما اضطر رفاقنا إلى استخدام اسلحتهم دفاعا عن انفسهم وقد وافقنا على وقف القتال انا ورفاقي ولكن للاسف هم لم يحفظوا كلامهم وقد حاولوا اليوم مرة اخرى ان يكتسحوا دورية لنا في راشيا الوادي واستمر الاشتباك من الساعة الثالثة والنصف صباحا حتى الساعة العاشرة والربع ودفعوا خلالها بدبابات ومصفحات. وقد خسرنا في هذه المعركة بعض القتلى والجرحى.
وبالرغم من انه كان الاتفاق بيننا وبينهم ان يتوقف القتال وكان هذا في اجتماع عسكري ضم بعض ثوارنا وقائد المنطقة الشرقية العميد نجيم ووافقنا ان نذهب إلى مقر قيادتهم في ابلح ولكن الظاهر انهم طلبوا ايقاف القتال لتعزيز مواقعهم ودفع الدبابات والمصفحات حتى تكتسح ثوارنا. على كل اظن ان تسألوهم، اذا كانوا قد تلقوا درسا او لا.
هل يوجد احد منهم يضمن انه اذا وصلنا إلى اتفاق، يقدر ان يحافظ عليه؟ هذا الموقف حصل من 23 نيسان (ابريل) حتى الآن، ولذلك لا اظن انني استطيع ان اجيب، لانني لست اضمن ان احدا منهم سينفذ أي شيء او الاتفاق رجولة بينا وبينهم. ولذلك، فأنا حتى الان، ورفاقي كذلك ندور عن الشخص الذي القى كلمة شرف يمكن ان ينفذها)(2).
هوامش:
1. الوثائق الفلسطينية لعام 1969، مركز الدراسات الفلسطينية ص 441 - 444.
2. المصدر السابق ص 447 - 448.