تهديدات عدوانية
أم غزل دبلوماسي

ايام قليلة مضت على تجربة اطلاق صاروخ شهاب 3 ارض - ارض متوسط المدى، الذي اظهرت معطيات النتائج النهائية التي صدرت عن كمبيوترات الاقمار الفضائية الامريكية للتجسس، ان قدراته جاءت بعكس ما نشر في المعطيات الاولية التي تناقلتها وسائل الاعلام عن فشل المشروع، فقد تمت هذه التجربة بنجاح تم اعتباره لاحقا جزء من مخطط الاطلاق الايراني، من اجل فحص فعالية الاطلاق والتوجيه، وهو مرحلة متقدمة من مراحل تطوير هذا الصاروخ .
حسب المعطيات المتوفرة فقد تمت عملية الاطلاق على مدى 800 متر فقط، من منصة اطلاق متحركة، من اجل تمويه مكان الاطلاق، والسبب الاول حسب الادعاء الاسرائيلي هو في عدم رغبة ايران في اثارة الضجة العالمية حول ابعاد ومخاطر هذه التجربة، خاصة وان المدى بين ايران واسرائيل حوالي 1100 كم .
التصريحات الاولى للعقيد عاموس ملكا رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الذي ظهر للمرة الاولى بعد ايام معدودة من استلامه لمنصبه الجديد، امام لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست الاسرائيلي، تتجه نحو اعداد لائحة اتهام دولية ضد ايران المتهمة بحالة العداء مع اسرائيل وبدعمها وتبنيها لحزب الله. هذه التصريحات تدل على وجود نوايا اسرائيلية جديدة لاعادة صياغة التقديرات والتوجهات الاسرائيلية تجاه ايران تحسبا من تحول هذه الدولة الى عدو فعال جدا لاسرائيل، فقد حذر عاموس ملكا من استمرار تطوير هذا المشروع الامر الذي سيشكل خطرا كبيرا على الامن القومي الاسرائيلي، طالما ان اسرائيل تقع ضمن دائرة ومدى هذا الصاروخ اضافة الى العراق، السعودية وتركيا وجزء من روسيا ايضا .
وما بين الجمود الحالي والقاتل للعملية السياسية الاسرائيلية الفلسطينية وما بين العجز الواضح للولايات المتحدة في الضغط على الحكومة الحالية لاسرائيل، تتذبذب المواقف والتقديرات الامنية الاسرائيلية في رؤيتها وتوصياتها بالنسبة لكيفية مواجهة هذا التطور، الا انه من الواضح بانهم في اسرائيل لا يدركون الفرق بين تطور القدرات الايرانية في علاقتها مع طبيعة النوايا الحالية والمستقبلية تجاه اسرائيل كما يدعي الامريكان، فقد سارع اسحق مردخاي وزير الدفاع الاسرائيلي للتصريح العلني بان اسرائيل تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها في الوقت والمكان الملائمين، هذا الامر الذي سيوفر الامكانية والشرعية لوزارة الدفاع في مطالبة الحكومة بزيادة ميزانية الدفاع 2 مليارد شيكل في العام القادم، ومن الجدير بالذكر انه وقبل حوالي عام اقام وزير الدفاع الاسرائيلي فريقا خاصا لدراسة ما يسمى بالملف الايراني برئاسة مساعده دافيد عبري وبمشاركة ممثلين عن الموساد والاستخبارات العسكرية وقسم الابحاث التابع لوزارة الخارجية من اجل تقدير وتحليل التهديد الايراني في ظل العلاقة الاسرائيلية بناء قوة دفاعية وقوة رادعة .
الحديث يتركز حاليا على التقدم الحالي في برنامج تطوير القدرات غير التقليدية لايران، تحت عنوان برنامج مواجهة "السلاح غير التقليدي والقادر على ضرب اهداف اسرائيلية ". هذا البرنامج الذي يقع على رأس سلم اولويات اجهزة الامن الاسرائيلية ووزارة الخارجية ولجنة الخارجية والأمن التي يترأسها اليميني المتطرف عضو الكنيست من الليكود عوزي لنداو .
تعتبر روسيا وكوريا الدولتان الرئيسيتان المتهمتان بتقديم المساعدات الحيوية لانجاح هذا المشروع الاستراتيجي الايراني، والذي يشكل خطرا كبيرا على معادلة التوازن للاسلحة التقليدية في منطقة الخليج والشرق الاوسط، ويضع اسرائيل امام خيارات لاتحمد عقباها. فالتقديرات الامنية الاسرائيلية تشير الى ان ايران سوف تمتلك القدرات الصاروخية الغير تقليدية والقادرة على ضرب اي هدف داخل اسرائيل مع مطلع القرن القادم. والحديث عن التصميم النهائي لهذا الصاروخ الذي يبلغ مداه 1300 كم . ومن بين الشركات المتهمة بالمساهمة الفعالة في هذا المجال، الشركة الروسية "تساغي" وهي شركة روسية مختصة بتطوير السلاح الجوي الروسي، وتعتبرالدولة الروسية المتهمة الرئيسية في هذا المشروع، والتي حسب المصادر الاسرائيلية لولا مساعدتها لما تمكن الايرانيون من القيام بهذه التجربة بحيث تحتل مسالة العمل على وقف هذه المساعدات ودعوة الولايات المتحدة الى زيادة الضغط عليها مكانا استراتيجيا في الدبلوماسية الاسرائيلية وتوجهاتها نحو مراكز الضغط اليهودية الامريكية، اذ يعتقد الاسرائيليون بأن وقف هذه المساعدة سيأتي بثمار فورية وسيؤدي الى اعاقة تطوير هذا المشروع لسنوات عديدة .
اما كوريا فهي المتهمة الاولى بتقديم المساعدات التقنية لتطوير الجانب التقني من ناحية التوجيه والدقة في تحديد الهدف لمشروع تطوير سلسلة الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى [شهاب 3] رأس متفجر 750 كغم، وهو الاول في سلسلة الصواريخ بعيدة المدى الذي يعتمد في تصميمه على الصاروخ "نودونغ" الكوري الشمالي، فحسب المجلة العسكرية العالمية "جينز" فقد سلمت كوريا الشمالية لايران عام 1969 (12) صاروخ من هذا النوع الذي تستخدمه ايران كأساس لصواريخ شهاب 3، والذي يتم تطويره حاليا بمساعدة التكنولوجيا الروسية المتهمة بتقديم المساعدات من اجل تطوير الجانب العملي من ناحية الفعالية وحسب التقديرات الامنية الامريكية، وعلى لسان نائب وزير الخارجية الامريكي مارتين انديك رئيس مكتب شؤون الشرق الاوسط في وزارة الخارجية، فان ايران ستعمل خلال الخمس سنوات القادمة على تطوير السلاح الاكثر خطورة من هذا الصاروخ وهو [شهاب 4] الذي قد يبلغ مداه 2000 كم .
تتجه التوصيات نحو أربعة محاور رئيسية، قسم منها يدعو الى مواجهة هذا المشروع بالطرق السياسية الدبلوماسية، والقسم الآخر يدعو الى الحل العسكري ضمن دائرة الدفاع والردع .
الاول: توجيه الوفود الى الولايات المتحدة والدول الاوروبية في محاولة لاعداد لائحة اتهام دولية ضد ايران التي تمثل التطرف الاسلامي، ودعوة العالم للوقوف امام التهديد الايراني لان استمرار تطوير هذا المشروع يهدد المصالح الاقتصادية والبترولية لكل العالم ويضمن السيادة الاستراتيجية لايران في الخليج العربي . بالتالي العمل على ايجاد حالة من الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية على ايران وعلى الشركات الروسية المتهمة بتقديم المساعدة التكنولوجية لايران، من اجل تصفية تطوير هذا المشروع، وخصوصا بعد التصريحات الاخيرة لوزير الدفاع الايراني، ادميرال علي سمحاني، بان الهدف من تطوير هذا المشروع، ليس فقط الدفاع عن الحدود الاقليمية لايران، وانما من اجل الدفاع عن المصالح العربية والاسلامية في المنطقة، وعلى اثر ما جاء في صحيفة اخبار ايران "ايران نيوز" في كلمتها الرئيسية: "على ضوء تقديرات الخبراء الامنيين الامريكيين بان لهذا الصاروخ شهاب 3 قدرات دفاعية، الا ان توجهات الرئيس الامريكي والبيت الابيض بالنسبة لهذا الموضوع تثبت خضوع الادارة الامريكية للضغط الصهيوني"، من دون التطرق الى تصريحات الرئيس الايراني محمد خاتمي الاخيرة والمطمئنة .
الثاني: محاولة ايجاد الحل الملائم لزعزعة قنوات الدعم والمساعدة التي تقدمها الصين وروسيا وكوريا الشمالية لايران، من خلال تكثيف الجولات الدبلوماسية الاسرائيلية لهذه الدول ومحاولة بناء مصالح اقتصادية تكنولوجية مشتركة والتي بدأت منذ فترة ليست قصيرة وتقع على رأس سلم اولويات سياسة نتنياهو واريك شارون شخصيا .
الثالث: اعداد برنامج امني معتدل لاعادة صياغة حذرة للعلاقات الايرانية الاسرائيلية غير المباشرة، من خلال وساطة الولايات المتحدة ومن خلال الاتفاق غير المباشر على مصالح امنية استراتيجية جديدة. فايران لم تكن في الماضي ضمن قائمة أعداء اسرائيل وهناك توجه نحو اعادة ترتيب هذه العلاقة عبر وساطة الولايات المتحدة، وعبر اعداد اتفاق بين هذه الاطراف يضمن السيطرة الامريكية على ميكانيزمات العلاقة غير التقليدية بين هذه الدول، او من خلال تبني الولايات المتحدة لمشروع سياسي يضمن الهدوء للدولة العبرية، عبر احداث نوع من التوازن في ملكية مجالات استخدام مثل هذه الاسلحة، وشرط الموافقة على هذا المشروع بوقف تطوير تسليح هذه الصواريح بسلاح غير تقليدي كيميائي او بيولوجي او نووي، وخصوصا في ظل وجود مثل هذا السلاح لدى الباكستان والعراق، والعمل على استغلال الصراع الداخلي المزعوم في ايران، بين ما يسمون بالمحافظين وعلى رأسهم الرئيس الايراني المنتخب محمد خاتمي المؤيد للانفتاح في العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة والمتشددين المعارضين لهذا الانفتاح .
الرابع: هو تهيئة المناخ الدولي والاقليمي من اجل القيام بتوجيه ضربة عسكرية لمراكز تطوير هذا السلاح كون هذا السلاح لا يهدد اسرائيل فقط، وانما الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي والشرق الاوسط، طالما ان ايران تعد لتطوير ذراع استراتيجي بعيد المدى، الامر الذي يدل على ان اسرائيل تقع ضمن دائرة الاهداف الايرانية، فايران تمتلك صاروخ سكاد Bوصاروخ سكاد C وعلى الرغم من انها صواريخ ذات مدى اقل الا انها تستطيع القيام بمهمات الدفاع عن المجال الايراني .
يبقى السؤال النهائي والحاسم، هل التجربة الاخيرة وردود الفعل هي غزل تكنولوجي دبلوماسي نحو اعادة ترتيب العلاقات بين المعسكرات، وخصوصا في ظل الانفتاح الذي جرى مؤخرا في العلاقات بين الولايات المتحدة وايران ام هي مقدمة لضربة عسكرية اسرائيلية ؟

 

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست