المتدينين المتزمتين
الكتاب من تأليف عوفر عناكي، ومن اصدار دار النشر "اور عام"، وهو يقع في 126 صفحة من الحجم الصغير. صدر عام 1999.
المؤلف صحفي غير مشهور، من سكان مدينة "بني براك" بالقرب من تل ابيب، وهي مدينة تقطنها غالبية عظمى من المتدينين المتزمتين، وتتمتع بنوع من الاستقلال الاجتماعي الديني الخاص عن باقي المدن الكبيرة في اسرائيل. وهي تعتبر معقلا للغالبية الاشكنازية في هذه الطائفة.
يحاول المؤلف في الكتاب القاء بعض الضوء على نمط الحياة اليومية لدى عالم المتدينين، من خلال تجربته الذاتية وحياته داخل مدينة بني براك، الذين خرجوا حسب عرضه للموضوع من نطاق الانتماء والتعريف الطائفي، الى الانتماء وتعريف العوالم المختلفة. فعالم المتدينين هو عالم بحد ذاته، وهم بالتأكيد اكثر من طائفة واحدة وزعيم واحد، مقارنة مع النموذج العلماني الوجه الآخر للمقارنة والتناقض.
المؤلف يبدأ الحديث عن هذه الطائفة بقوله: "من الممكن كرههم، من الممكن الشعور بالمحبة تجاههم، الا انه من غير الممكن تجاهلهم، هؤلاء هم المتدينون اصحاب الملابس السوداء".
يقسم المؤلف المتدينين الى ثلاث مجموعات ذات ايديولوجيات مختلفة وقيادات وعادات مختلفة، وهم طائفة "الحريديم"، الحسيديم" و"اللتوانيين"، ويعرف مجتمع المتدينين بالمجتمع المغلق له عادات وتقاليد ورموز خاصة، فيه يتصرف الناس بناء على طريق التوراة وقوانينها وتشريعاتها.
الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات الصحفية التي سبق للمؤلف ان نشرها وهو لا يذكر أين نشرت او متى نشرت، وهي تتناول الحديث عن بعض اساليب ادارة الحياة اليومية لهذه الطوائف وبعض اشكالها، بداية من المأكل والملبس وانتهاءا بعرض مجموعة من الاحكام الشرعية التي تتناول وتتدخل في اسلوب وحيثيات هذا العالم اليومية على شكل فتاوى شرعية تصدر عن الحاخامات ويلتزم بها الاتباع بدون أي نقاش او استئناف.
الفصل الاول من الكتاب يتناول الحديث عن الصحافة المتدينة، وعن حجم الدور الذي يعطيه المتدينون للصحافة ووسائل الاعلام العلمانية التي تقع في دائرة العداء والكراهية. فالمتدينون يكرهون وسائل الاعلام، وهم في على طرق بناء البدائل الصحفية المتدينة والخاضعة للرقابة الداخلية. المؤلف يفصل في الحديث عن كثافة الصحافة المتدينة، اليومية والاسبوعية، وهو يعتقد بان الجمهور العلماني لا يعرف القدر الكافي عن هذه الصحافة ومدى قوتها وتأثيرها في صياغة الرأي العام المتدين، فهذه الصحافة تأتي استجابة لمتطلبات المؤمنين، ولكل حزب او جناح متدين احتياجات ومصالح خاصة به. ولدى هذه الصحافة ما يسمى "اللجنة الروحية" التي تستخدم كجهاز رقابة داخلي تمس المجالات الرياضية والاخلاقية والاجتماعية العامة، الا ان هذه الرقابة حسب اعتقاد المؤلف ما زالت بعيدة من ان تكون موضوعية.
مؤخرا بدأت اربع محطات اذاعية خاصة بالمتدينين بالبث. الا انه وحسب المعطيات الرسمية يوجد في اسرائيل اكثر من 18 محطة راديو خاصة بالمتدينين، والهدف المشترك لجميع هذه المحطات هو اعادة اكبر عدد ممكن من العلمانيين الى الدين. فلطائفة الحسيديم "اصحاب العمل الحسن" يوجد صحيفة خاصة باسم "هموديع" ولطائفة "الحريديم": المتدينين المتزمتين توجد صحيفة "عالم العمل الحسن"، وللنساء المتدينات ايضا يوجد مجلتان خاصتان اسبوعيتان "هيلة" و "ليلك"، اضافة الى مجلات اسبوعية عامة مثل "اليوم السادس" "الاسبوع"، "العائلة".
بشكل عام يبحث المتدينون في اسرائيل دوما عن البدائل الخاصة والعامة التي تضمن لهم السيادة والسيطرة المطلقة عليها، سواء كان ذلك في الصحافة او في تهيئة البدائل العملية للكادر الصحفي. وبالنسبة لهم يوجد دورات خاصة للصحافة من اجل الجماهير المتدينة وهم يحلمون باقامة محطة تلفزيونية متدينة. ويعتقد المؤلف ان المتدينين في اسرائيل لن يكفوا عن استغلال الفرص من اجل مهاجمة الصحافة العلمانية واتهامها بالتحيز والعدائية للمتدينين حتى يتم التوصل الى حالة من التوازن الاعلامي بينهم وبين العلمانيين، وذلك من خلال الانفصال التام وبناء المؤسسات البديلة.
تسعى هذه الطوائف الى هذا التوازن من خلال البحث عن البدائل والاستقلال قدر الامكان الذي يتشعب ويتنوع في مجالات الحياة المختلفة، اذ يتوجه اتباع هذه الطوائف في حل قضاياهم نحو محكمة العدل الدينية العليا التي تشكل بالنسبة لهم البديل الديني لمحكمة العدل العلمانية العليا ، واي خروج عن هذه القواعد هو بمثابة جنحة تستحق الاستنكار ويتوجب العقاب عليها. بمعنى قانون ديني مقابل قانون علماني، قيادة دينية مقابل قيادة علمانية، صحافة متدينة مقابل صحافة علمانية. الامر الذي يضمن في النهاية استمرار فرض الرقابة على هذه المؤسسات المغلقة وعلى وسائل الاعلام الخاصة بالمتدينين بشكل يخدم مصالح هذه الطوائف. ملابس خاصة، سيارات اسعاف خاصة، بطاقات تليفونية خاصة، اماكن ترفيه خاصة، كل شيء لديهم هو خاص.
المؤلف يتحدث عن ثلاث شخصيات مميزة في عالم المتدينين، الراب كدوري وهو راب شرقي سفارادي وزعيم روحي تنحصر مهمته اليوم بمنح البركات ومنح الاحجبة لليهود المتدينين.
يعرف المؤلف الراب العازار مناحم شاخ بالقاضي الاخير في عالم المتدينين واللتوانيين، وهو المؤسس الحقيقي لحركتي يهدوت هتوراة وحركة شاس، ويعتبر الراب شاخ الذي هو اشكنازي في الاصل من مؤسسي حزب "ديغل هتوراة" و حركة شاس التي انفصلت عنه وخضعت للراب عوفاديا يوسف الذي هو من اصل عراقي. ويقول ان اسرائيل العلمانية اكتشفت الراب شاخ فقط في السنوات الاخيرة بعد ان اصدر امرا لممثليه في الكنيست بالتصويت لصالح اتفاقية السلام مع مصر، والتصويت ضد قرار قانون الجولان، وهو من مؤيدي اعادة المناطق مقابل السلام ومن معارضي القيام باية نشاطات قد تؤدي للمس باليهود.
يكشف المؤلف عن اكثر من محاولة للاعتداء على قيادة شاس الروحية والسياسية بعد اكتشاف قائمة بالمستهدفين للاعتداء بسبب خيانتهم للتوراة ولارض اسرائيل الكبرى لدى مجموعة من اليمين المتطرف في كريات اربع، ابان تواجد شاس في الائتلاف الحكومي في عهد رابين. الا انه ومنذ الانسحاب من التحالف توقفت هذه المحاولات وتحولت باتجاه اليسار واتباع حزب العمل.
يتطرق المؤلف الى الاختلافات والخلافات بين هذه الاتجاهات لدى الطائفة المتدينة بشكل سطحي، الا انه من الواضح ان هناك انفصال تام في المؤسسات والفتاوي الشرعية والاتجاهات العامة للحياة اليومية، فالجناح الليتواني المتدين وصحيفته "ييتد هنأمان"، الجناح الذي يمثل فيه الراب شاخ المصدر الشرعي الروحاني الاول، هذه الصحيفة التي لا يوجد بها أي ذكر او مقال يخدم شاس او الراب عوفاديا يوسف، كما ان حركة شاس في صحافتها "يوم ليوم" لا تنشر أي معلومات عن حزب "ديغل هتوراه" ورئيسها الراب العازار شاخ .
فتاوى شرعية خاصة:
يعرض المؤلف مجموعة من الفتاوى الشرعية، التي يصفها بالاحكام الاكثر تطرفا: قيام الراب "افرايم زلمنوبتس" باصدار فتوى من اجل منع رفع علم الولايات المتحدة في احتفالات يوم استقلال اسرائيل، واعتبار ان من يرفع علم الولايات المتحدة في هذا اليوم هو كمن لا يريد قيام دولة اليهود ويريد ضمها الى الولايات المتحدة. قيام الراب ابراهام نعماد باصدار فتوى تمنع تربية كلب كبير داخل البلد كونه يسبب الخوف للناس ويسمح بتربيته فقط في حال بلدة قريبة من الحدود او مستوطنة قريبة لمكان يسكن به العرب.
الراب عوفاديا يوسف يصدر فتوى تحرم دخول منطقة المسجد الاقصى، وعدم تقديم القرابين من اجله وعدم الدخول مطلقا اليه. على اثر الاعلان بان يغئال عامير يستقبل الكثير من رسائل الاعجاب والتقدير، اصدر الراب الياهو ابرغيل راب محكمة المتدينين في بئر السبع فتوى بمنع ارسال رسائل التقدير ليغئال عامير مطلقا.
على اثر اطلاق عائلة من كريات اربع اسم يغئال عامير على مولودهم الجديد اصدر راب "باتيا" فتوى تحرم اطلاق اسم مجرم مثل يغئال عامير قاتل رئيس الحكومة رابين على اي مولود يهودي جديد.
تتميز طائفة المتدينين بتعدد المنظمات واللجان الاجتماعية والدينية، وهنا يعرض المؤلف مجموعة من هذه المنظمات المهمة مثل:
منظمة المستعربين :
وهي ذراع تنفيذي لمنظمة "قلب للاخوة". وهي منظمة من المتطوعين اليهود في الولايات المتحدة ويقدر عدد اعضائها 1500 شخص، ومن مهماتها انقاذ اليهود الذين اسروا بسحر الطوائف والاديان الاخرى. يتخصص هذا التنظيم ايضا في محاولة انقاذ النساء اليهوديات اللاتي يتزوجن من عرب ومسلمين. ويتغلغل عملاء هذا التنظيم لدى كل الطوائف وهم يلبسون الملابس العلمانية المختلفة عن المتدينين ومن غير الممكن تمييزهم.
اما كيفية عمل هذا التنظيم فهو يبدأ بجمع المعلومات والبحث عن النساء اللواتي يطلبن ترك ازواجهن من القرى العربية. وحسب ادعاء المؤلف يوجد حاليا عشرة الاف بنت يهودية في القرى العربية كنتيجة للزواج من المسلمين، بعد ان حول الشارع الاسلامي حياتهن الى جحيم حسب تعبير المؤلف، ومن ثم تبدأ عملية التحضير لنقلهن الى اماكن اخرى هي في اغلبها تجمعات دينية. محاولات اعادة هؤلاء تتضمن محاولات الاقناع والخطف لبنات واولاد تلك اليهوديات من اهاليهن.
" اللجنة من اجل السبت "
وهو جسم وضع لنفسه هدف منع الحوانيت من العمل في ايام السبت. وقد نشر مؤخرا كراس خاص يحمل اسماء الاماكن والحوانيت التي لاتعمل في هذا اليوم، وهو يدعو الجماهير المتدينة الى تفضيل الشراء والتعامل معها
طائفة الحريديم في القدس.
يعرض المؤلف طائفة الحريديم في القدس بشكل عام وكأنها تعارض المشاركة في الانتخابات من خلال موقف ضابط العمليات الخاص بهذه الطائفة "ميشي زهاف" الذي صرح عن معارضته لمشاركة طائفة الحريديم بالانتخابات بسبب تلون ونفاق الاحزاب المتدينة التي تعارض الحفريات الاثرية التي تجريها الحكومة و من ناحية اخرى تجلس في الحكومة .
وهو ينتمي الى طائفة متدينة تعارض المشاركة في الانتخابات للكنيست، وترفض الحصول على ميزانيات من الحكومة ولها محكمة خاصة بها.
ظاهرة الاحجبة
يتحدث المؤلف قليلا عن تفشي ظاهرة الاحجبة التي تباع بسعر 30 شيكل على مدى العام وهي صناعة تدر الربح الوفير. هذه الاحجبة التي تخصصت فيها حركة شاس ابان الانتخابات البلدية السابقة وابان الانتخابات الحالية والاحجبة التابعة للراب يتسحاق كدوري. وهو يتحدث عن ثلاثة انواع من الاحجبة، احجبة خاصة للطب والعلاج، احجبة للحكمة، واحجبة للحماية ولحراسة من الشياطين والشر، الاشخاص السيئين لا يستفيدون من هذه الاحجبة بسبب كره الملائكة لهم، وقد اعتاد الناس لدى طوائف المتدينين الاحتفاظ بهذه الاحجبة الى جانب اسرة الاطفال المولودين حديثا.
المؤلف يحاول اعطاء صورة مختصرة جدا عن عالم المتدينين بطوائفه المختلفة والمتعددة من خلال اعطاء رؤوس اقلام لعناوين معينة، بدون الاعتماد على أي مصدر علمي او بحثي سواء كان ذلك بالنسبة للسير الذاتية لرؤساء هذه الطوائف او لمنظماتها ومؤسساتها . الهدف من هذا الكتاب يعرضه المؤلف بخاتمته عبر صفحة واحدة من خلال الحديث عن اهمية العمل من اجل التقارب بين العالمين المتدين والعلماني. والمقصود هو من اجل التقريب بين الجهتين لصالح العالم الاول، وهو يذكر في هذا السياق منظمة "نعمل ونسمع" وهي منظمة متدينة تابعة "للحريديم" مقرها في تل ابيب تحاول استقطاب العديد من اليهود العلمانيين، الشباب والمثقفين الذين يريدون فهم ماهية الحياة والذين يبحثون عن الجذور. هذه المنظمة التي تنشط على مدى الاسبوع في تنظيم المحاضرات بهدف التقريب بين قلوب العلمانيين والمتدينين على حد تعبيره.