Fateh

في ذكرى النكبة والكارثة
استمرار الثورة الفلسطينية
(5)


بعد ان عم الاضراب جميع انحاء فلسطين عام 1936م، ترك هذا الاضراب وكأنه عمل ثانوي، امام نشاط العصابات المسلحة في انحاء متفرقة في فلسطين. وحاولت السلطات العسكرية البريطانية مواجهة تصعيد عمليات الثورة بنسف منازل المشتبه بهم وتطويق الثوار وفرض غرامات جماعية على القرى التي عرفت بانها كانت تقدم مساعدات فعالة للثوار.
ومع تنامي الروح الوطنية الفلسطينية، بدأت بريطانيا البحث عن وسائل لوضع حد لما يجري في فلسطين، نظراً للاهمية الاستراتيجية الكبيرة لها بالنسبة لبريطانيا، في اوقات الحرب والسلم، وللحملة الصهيونية ضد التوقيف المؤقت للهجرة اليهودية، وتهديدا لبريطانيا من خطورة انتهاج سياسة ترضية تجاه اللوب. وقررت بريطانيا اتخاذ اجراءات شديدة لسحق المقاومة الفلسطينية. وعززت القوات البريطانية بفرقة عسكرية كاملة ارسلت الى فلسطين. واخذت القوات البريطانية تتجمع حتى ارتفع عددها الى 20000 جندي، وذلك في الثاني والعشرين من ايلول/سبتمبر 1936م. وسرعان ما بدأت الاجراءات العسكرية البريطانية لمحاصرة الثوار في شتى المناطق. وشهد الاسبوع الاخير والايام العشرة الاولى من شهر تشرين الاول/اكتوبر 1936م، اشد المعارك التي نشبت بين القوات البريطانية والثوار الفلسطينيين.
وبرزت جهود عربية، تمت نتيجة اتصالات قام بها وفود من اللجنة العربية العليا مع الملوك العرب، ونتيجة لهذه الاتصالات، وطبقاً لاستشارات مسبقة مع الحكومة البريطانية، وجه الملوك العرب في العاشر من تشرين الاول/اكتوبر 1936م نداءاً مشتركاً دعوا فيه الى حل الاضراب ووقف الثورة، "والاعتماد على النيات الطيبة للصديقة بريطانيا العظمى، التي اعلنت انها ستحقق العدالة". ونشرت اللجنة العربية العليا نداءات الملوك والحكام العرب، واعلنت انها بعد ان حصلت على موافقة اللجان القومية، قررت ان تدعو الامة العربية الكريمة في فلسطين للعودة الى الهدوء ووضع حد وسرعان ما توقف الاضراب والثورة، واخذ الجو العام يتجه نحو الهدوء. بيد ان عجز بريطانيا عن وقف الهجرة اليهودية، او عدم رغبتها في ذلك عزز اعتقاد الفلسطينيين بان بريطانيا مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بسياسة موالية للصهيونية في فلسطين، ودعم ذلك ايضاً الاجراءات التأديبية والاعتقالات الجماعية وفرض العقوبات الجماعية وهدم البيوت الفلسطينية.
شكلت بريطانيا لجنة التحقيق الملكية التي عرفت بلجنة بيل، واعلن وزير المستعمرات البريطاني في مجلس العموم قرار الحكومة البريطانية بان الهجرة اليهودية الى فلسطين لن تتوقف خلال الفترة التي ستقضيها اللجنة الملكية في التحقيق. وامام هذا الموقف اتخذت اللجنة العربية العليا قراراً بمقاطعة لجنة بيل، الا انها وامام الانقسامات والانشقاقات التي برزت فيها عادت والغت قرارها بالمقاطعة، وةمثلت في السادس من كانون الثاني/يناير 1937م امام اللجنة الملكية، واكدت اللجنة في البيانات التي القيت امام لجنة بيل، ان فلسطين مشمولة في الاراضي التي تناولتها مراسلات مكماهون مع الشريف الحسين، وانكرت شرعية تصريح بلفور. وطالبت اللجنة العربية العليا بالغاء الانتداب البريطاني وباقامة حكم وطني مستقل.
اما الصهاينة فقد كانوا يعارضون الاستقلال في هذه المرحلة لانهم شعروا ان اقامة فلسطين مستقلة في الظروف الراهنة تلك يعني اقامة دولة عربية. وعندما نشر تقرير اللجنة الملكية في 7/7/1937م، ارفق باعلان رسمي بان الحكومة البريطانية قد وافقت من حيث المبدأ على مضمونه.
لقد اوصى التقرير بالتخلي عن الانتداب وتقسيم فلسطين الى ثلاثة اقسام، قسم عربي حيث الاكثرية عربية، وقسم يهودي حيث الاكثرية يهودية، وقسم ذي أهمية استراتيجية يبقى تحت الانتداب البريطاني، وقد رفض ذلك من قبل الفلسطينيين واليهود. وأعلنت اللجنة العربية العليا رفضها لتقسيم فلسطين.
طلبت اللجنة العربية العليا اذناً بعقد مؤتمر عربي عام في فلسطين لدراسة الأوضاع، واتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية حقوق الفلسطينيين. ورفضت السلطة البريطانية إعطاء الإذن لعقد المؤتمر المقترح، فعقد اجتماع في بلودان في 8/9/1937 حضره عدد من المندوبين. وطالب المؤتمر باعطاء تصريح بلفور والانتداب، واعتبر المؤتمرون الدولة اليهودية تهديداً خطيراً للعالم العربي وقاعدة أجنبية دخيلةـ، وطالبوا باستقلال فلسطين وتوقف الهجرة اليهودية.
كان البريطانيون يقدرون أن أعمال العنف ستنفجر، وأن الرد الفلسطيني سيكون قوياً، فاتخذوا اجراءات لحصر ردود الفعل العربية الفلسطينية وقمعها. وعلى الرغم من اجراءات السلطات البريطانية القمعية، كان الثوار الفلسطينيون، يجتذبون المزيد من المتطوعين، وينظمون صفوفهم بطريقة تختلف عن تنظيم ثورة 1936، فتشكلت اللجنة المركزية للجهاد، واتخذت دمشق مقراً لها، واستفاد الثوار من الدعم الذي كانوا يتلقونه من دمشق، وأقاموا في مقر رئاساتهم الواقعة في الجبال مراكز إدارية ومحاكم ثورية ودوائر استخباراتية. وساعدهم في عملهم انهيار الحكومة المدنية في ظل السلطة البريطانية. وقد حمل نمو قوة الثوار ونشاطهم السلطات البريطانية على إجراء تغييرات في القيادة العسكرية البريطانية. وشنت القوات البريطانية حملات عسكرية وساهم فيها الوحدات المدرعة وسلاح الجو البريطاني ولكن هذه العمليات فشلت في تحقيق أي نجاح ضد الثوار الفلسطينيين.
وفي صيف عام 1938، بلغت الثورة ذروتها، وتواصل الكفاح الفلسطيني، واستطاع الثوار أن يستولوا فجأة على مدن كثيرة. وفي بعض الحالات تمكنوا من التسلل إلى بعض المدن الرئيسية والسيطرة على شؤونها. وقد قررت بريطانيا اتخاذ اجراءات لاحتواء الثورة في فلسطين، تحت تأثير تدهور الحالة في ألمانيا نتيجة للسياسة الألمانية التوسعية. وفي 9/11/1938، صدر بيان حكومي بريطاني، ألغى مشروع لجنة بيل، وقررت الحكومة البريطانية القاء مشروع التقسيم والاستمرار في ممارسة سلطات الانتداب، وافصحت عن رغبتها في التوصل إلى حل للمشكلة، عن طريق عقد مؤتمر للزعماء الفلسطينيين واليهود، وممثلين عن الدول العربية. ولم يرضي هذا الاقتراح اليهود، وأعلنوا عن رغبتهم في اشتراك الولايات المتحدة في المؤتمر المقترح بصورة فعالة.
وفي شهر شباط/ فبراير 1939، تحولت لندن إلى مركز الشغل، وافتتح تشمبرلن المفاوضات مع الجانب الفلسطيني الذي رفض الاجتماع مع اليهود في 7/2/39، ثم التقى الوفد الصهيوني بعد ظهر ذلك اليوم نفسه. وقد طالب الزعماء الفلسطينيون بريطانيا بالاعتراف بحق الفلسطينيين في الاستقلال، ودعوا إلى التخلي عن الوطن القومي اليهودي. أما اليهود فقد طالبوا بالحفاظ على الوضع الراهن واستمرار تنفيذ صك الانتداب وتصريح بلفور. وفي غضون تلك المحادثات، قدمت الحكومة البريطانية اقتراحات تنطوي على انهاء الانتداب وعقد مؤتمر حول مائدة مستديرة في فصل الخريف، يوضع خلاله دستور دولة فلسطين تحت الحماية البريطانية على أن تتمتع الأقلية اليهودية فيها بحماية تقترن بضمانات معينة.
كان الفشل في الوصول إلى حل يتفق عليه الجانبان قد مهد الطريق أمام البريطانيين لكي يعلنوا وحدهم الحل الذي يرتأونه فأصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض، الذي أعربت فيه الحكومة البريطانية ، عن أنها تريد أن يقام دولة فلسطينية مستقلة، يقتسم فيها شعب فلسطين العرب واليهود، السلطة الحكومية على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما. واستقبل اليهود الكتاب الأبيض بالاستياء والعداء، وتعاهدوا على مقاومته حتى النهاية. ولم يستقبل الفلسطينيون هذا الكتاب بالرضا، وأعلن الثوار الفلسطينيون رفضه، وازداد تصلب موقفهم ضده.
وكان للضغط العسكري البريطاني المتواصل ضد الثوار، بالاضافة إلى معاناة العجز من الأسلحة والذخائر أثر على استمرار الثورة في فلسطين. ومع اقتراب العالم من حافة الحرب العالمية الثانية، أخذت الثورة تسير نحو الاضمحلال ولاقت ثورة فلسطين الكبرى نهايتها.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست