Fateh

تطور الفكر السياسي الفتحوي
(2)


تحدثنا في العدد السابق عن ملامح الفكر السياسي الفتحوي الذي عبرت عنه الوثيقة الرسمية الأولى لحركة فتح تحت عنوان بيان حركتنا، وفي هذا العدد نتابع تطور تلك الملامح السياسية كما عبرت عنها الوثيقة الرسمية الثانية تحت عنوان "هيكل البناء الثوري" التي صدرت عام 1958، وتشمل هذه الوثيقة سبعة أبواب يتميز الباب الأول منها بالتركيز على الجانب الفكري السياسي، في حين تركز الأبواب الستة الأخرى على الجانب التنظيمي بتفاصيله.
تحت عنوان تمهيد لا بدّ منه اشتمل الباب الأول لهيكل البناء الثوري على عدة عناوين فرعية توزعت بطريقة بدائية على الشكل التالي: "أوضاع شعبنا المشرد - اسطورة الضمير العالمي - واقع الأعداء - خيبة الأمل - واقع حياتنا - لابدّ أن نتحرك - الثورة هي الحل - أين بينهم شعبنا...؟ معنا كل الأحرار... ماذا نريد بثورتنا؟1
إذا أعدنا ترتيب هذه العناوين بطريقة منهجية لتنسجم مع الحالة الإبداعية التي يتطلبها الفكر لحل المشكلات المستعصية عبر اكتساب معرفة جديدة تبدأ بتحديد الواقع انطلاقاً نحو الهدف. وابتكاراً للأسلوب القادر على تحقيق الهدف أو الأهداف. الواقع يتحدد بالإجابة على الأسئلة التالية:
- من نحن؟ من معنا؟
- من هم أعداؤنا؟ ومن معهم؟
ونجد مرادفات أجوبة هذه التساؤلات في العناوين الفرعية التالية:
- أوضاع شعبنا المشرد - واقع حياتنا - أين بينهم شعبنا - معنا كل الأحرار - واقع الأعداء - أسطورة الضمير العالمي - خيبة الأمل.
وجاء الأسلوب الذي حدده هيكل البناء الثوري واضحاً محدداً في العناوين التالية:
- لا بدّ أن نتحرك - الثورة هي الحل.
أما الهدف فجاء مترابطاً مع الأسلوب تحت السؤال المحدد - ماذا نريد بثورتنا؟
لقد بدأ تطور الفكر الفتحوي السياسي يأخذ شكله بالتحديد البنائي لمقومات النظرية الثورية التي تتحدد بركائزها الثلاث المبادئ والمنطلقات أولاً ثم الأهداف ثانياً. ثم الأسلوب ثالثاً وأخيراً.
لقد عبرت وثيقة هيكل البناء الثوري عن المنطلقات على الشكل التالي:
واقع شعبنا المشرد:
"حين وقعت المؤامرة الرهيبة، تحمل في طياتها الهزيمة لأمتنا كلها. بدأ شعبنا يواجه المصير الأسود حيث معسكرات يقذف خلف أسلاكها الشائكة جزء من شعبنا ليحجز فيها محاطاً بالحراسة المشددة. ويعامل بأقسى من معاملة المعتقلين من الأعداء. وتحتوي المغاور والكهوف أو الثكنات المتداعية ومخيمات الشقاء جزء آخر.
بينما تصبغ ألوان من القلق الدائم والرعب المفزع والمصير المجهول حياة الذين يعيشون في ظل الإرهاب البربري وتنكيله وبطشه في أرضنا المحتلة، كما تناثرت بقايا شعبنا في كل أرض... تمزق شملنا، وتبعثرت قوانا، وهمنا على وجوهنا في فلوات الضياع وصحارى الحرمان. تدمي ظهورنا حينما حللنا سياط ملتهبة من الكرامة المهيضة والمذلة المريرة. وتترصد حياتنا أعاصير الموت القاتل أو الفناء الموجه. ووحوش الجوع والمرض والفرقة والاذلال واليأس والظلم والتخاذل...
ومضت بشعبنا الأعوام تزيد جراح مأساتنا عمقاً واتساعاً وتسمماً، فالذين فرضوا وصايتهم على شعبنا يمعنون في تضييق الخناق علينا ويتمادون في كتم أنفاسنا واخماد حركاتنا... في شل حركتنا وتحطيم أمنياتنا. لتعبئة قوى شعبنا وتنظيم أنفسنا. وعاش شعبنا ظروف رهيبة نقاسي أينما كنا آثارها"2
لقد كثفت وثيقة هيكل البناء الثوري المنطلقات والمبادئ بشكل يتناسب مع طبيعة الأفكار العلنية لتنظيم سري يتحرك ضد التيار العام السائد. فقد أشارت إلى واقع شعبنا المشرد الذي تشتت إلى أجزاء... أولها ذلك الجزء الذي يرضخ تحت نير الاحتلال الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. وكان شعبنا في ذلك الوقت يعيش في ظل حكم عسكري بوليسي يمارس كل أنواع القهر والإذلال الذي يمارسه الارهابيون البرابرة من الصهاينة بهدف تطفيش شعبنا عن أرضه.
أما الجزء الثاني من شعبنا فهو الذي يواجه المصير الأسود وحيث يعامل بأقسى من معاملة المعتقلين من الأعداء.. وهو ذلك الجزء الذي يعيش في الضفة الغربية التي ضمت قسراً في الأردن وانشطبت هويتها الوطنية. أما الجزء الثالث الذي احتوته مخيمات الشقاء فهو ذلك الوجود المكثف لشعبنا المشرد في قطاع غزة حيث ألحق بمصر وعاش في ظل حكم عسكري ولكنه تميز بالحفاظ على هويته الفلسطينية. أما الجزء الرابع فهو عالم الشتات الذي تناثرت فيه شظايا شعبنا في كل مكان.
هذا الواقع الفاسد الذي كان يعيشه شعبنا كان يحتم عليه التحرك ويفرض عليه أن ينتفض من جذوره. ولكن التحرك بردات الفعل ما كان يمكن له أن يحقق انجازاً وقد أدركت فتح منذ البداية أن التحرك لا بدّ له من طليعة ثورية واعية.. مدركة لأبعاد الواقع من كل جوانبه... وان على هذه الطليعة أن تتسلح بالمعرفة ليس فقط بالواقع الفلسطيني بتفاصيله وإنما بالواقع الآخر. واقع الأعداء، ومعسكر الأعداء.
وقد حددت وثيقة البناء الثوري هذا الواقع على الشكل التالي "منذ اليوم الذي بدأ فيه المستعمرون والصهاينة وضع الفصل الأخير لمأساتنا، مأساة وطننا، عملوا مع أذنابهم من الحكام العرب على حرمان الشعب العربي في فلسطين من كل عون يمكن أن يواجه به شعبنا في ميدان المعركة"3
"وعدونا يزداد مع مرور الأيام قوة وتمكنا، والزمن في جانبه فهو يبني في أرضنا المحتلة ويعمر ويشيد القلاع والحصون ويملؤها بالعتاد والسلاح ويحشد الجند والمحاربين ويأتي بالملايين من يهود العالم استعداداً لمعركة يهيئ لها نفسه وجولة قادمة يتربص الفرصة ليحقق فيها امنياته الكبرى في التوسع والامتداد"4
ان العدو الذي حدده هيكل البناء الثوري هو المستعمرون والصهاينة، وقد اضاف إليهم من اسماهم أذناب الاستعمار الصهيوني من الحكام العرب... وهنا لابد أن نميز بين النظرة التي عبر عنها الهيكل تجاه بعض الحكام العرب ونظرته الخاصة المتعلقة بالأمة العربية والشعوب العربية. ففي الوقت الذي ينعت فيه الحكام بالأذناب فإنه يؤكد مساندة امتنا العربية لنا حيث ينص "ويوم تخفق راية الثورة سيسندنا أخوة العروبة وسيقف معنا أحرار العالم... وستهتف الدنيا لنا لأننا سنكون يومها ثواراً من اجل الحق والكرامة والعدل والشرف والإنسانية5.
ما يمكن استخلاصه من طبيعة الفكر الفتحوي الذي طرحته وثيقة هيكل النباء الثوري في مجال المبادئ والمنطلقات هو كما يلي:
1- الشعب الفلسطيني المشرد والمشتت داخل فلسطين وخارجها هو شعب واحد، وهو جزء من الأمة العربية التي منيت بالهزيمة معه حين وقعت المؤامرة الرهيبة التي أدت إلى النكبة.
2- الشعب الفلسطيني الذي تم حرمانه من مواجهة أعدائه في المعركة، وفرض عليه أن يسكت، وحرم من العمل لتوحيد صفوفه وفرضت عليه الوصاية، هو شعب ذو شخصية مستقلة ولا يقبل الخضوع أو التبعية لأي جهة.
3- اخوتنا في العروبة سيقفون معنا في معركة التحرير.
4- أحرار العالم سيقفون معنا عندما تخفق راية الثورة.
5- الطليعة الثورية مسؤولة عن رسم الطريق وتحديد خطوط السير في إطار الواقع المحيط.
6- قوى التآمر الدولي والمستعمرون هم الذين يؤازرون أعداءنا ويعززون كيانهم.
7- الصهاينة على أرضنا يزدادون قوة ويحشدون استعداداً لمعركة العدوان التوسعي.
8- بعض الحكام العرب يساندون الكيان الصهيوني نتيجة تبعيتهم للاستعمار وخوفهم على مواقعهم.
9- الشعب الفلسطيني هو طليعة النضال العربي من أجل تحرير الأرض المستلبة.
10- حركة فتح تحتل الطليعة الثورية في مواجهة معركة التحرير.


أما عن الهدف فقد نصت وثيقة هيكل البناء الثوري تحت عنوان ماذا نريد بثورتنا على الشكل التالي:
"ان الهدف الرئيسي لثورتنا هو العمل على تحرير أرض فلسطين المحتلة تحريراً كاملاً. تصفية الغزو الصهيوني الاستعماري لوطننا السليب، حتى تعود فلسطين بكاملها جزءاً عربياً حراً من الوطن العربي الكبير".
ولتحقيق هذا الهدف فقد نصت الوثيقة على أن الأسلوب الوحيد القادر على تحقيق هذا الهدف هو الثورة... وماذا تعني الثورة بالمفهوم العلمي والعملي.. انها تعني العمل الجاد لتغيير الواقع الفاسد تغييراً جذرياً تقوم به طليعة ثورية مستخدمة أسلوباً ثورياً. وجاء في الوثيقة أيضاً: "ولم تجد هذه الطليعة سبيلاً لانقاذ شعبنا مما يحيطه ويبعث قضيتنا من أكفان هذا الجمود القاتل... وتطهر أرضنا من دنس الاحتلال الصهيوني الاستعماري غير سبيل الثورة، فالثورة هي السبيل الذي تفرض ضرورته قسوة ظروف شعبنا وحقيقة واقعه، وما يمليه منطق التاريخ والتطور الطبيعي لواقعنا وأوضاعنا وقضيتنا.
انها الثورة... ليس لنا غيرها سبيلاً6 وللتأكيد على حتمية الثورة وباعتبارها الطريق الوحيد لتحرير فلسطين جاءت النصوص كما يلي:
"بالثورة نعلن ارادتنا ونفرض طريقنا الذي لا طريق سواه.
بالثورة نضع نهاية لهذا الاستسلام المرير.. وهذا الحال المرعب الذي يعيشه أبناء النكبة في كل مكان.
بالثورة... نعيد لشعبنا ثقته بنفسه وقدرته ونعيد للعالم ثقته بنا.. واحترامه لنا"7

وقد حدد الهيكل ضمن المسؤوليات الحركية التي يفرضها تحقيق الأهداف التي تعبر عنها حركة فتح باعتبارها الطليعة الثورية في معركة التحرير على الشكل التالي:
1- تنظيم العناصر النشيطة الفاعلة والقوى الثورية الحية من أبناء النكبة في كل مكان وتهيئتها وربطها في كتلة واحدة متراصة جبارة ملتحمة العناصر، تحمل مسؤولية الثورة التحريرية مسؤولية مباشرة ضمن المخطط العام للحركة.
2- تعبئة قوى وسائر إمكانيات وجهود شعبنا أينما كان تعبئة ثورية شاملة. وحشدها كلها كطليعة للنضال العربي من أجل تحرير الأرض السليبة.
كذلك تعبئة القوى والجهود والامكانيات العربية والصديقة لتسند كفاحنا في معركة المصير.
3- تهيئة الظروف والأوضاع الملائمة التي تجعل الضفة الغربية من الأردن قاعدة رئيسية للانطلاقة التحريرية الثورية"8
هكذا بلورت وثيقة هيكل البناء الثوري بشكل مبسط دون الغوص في تعقيد فلسفة الأيديولوجيات، متمترسة حول الوطن والثورة باعتبارهما الجامع المشترك الأعظم لكل الأيديولوجيات المنتشرة. فالوطنية الثورية عبرت منذ البداية عن روح الفكر الفتحوي وجوهره وهي بذلك تشق في مجال الممارسة مبدأ الوسط الذهبي الذي حوله تلتقي كل القضايا الجوهرية في المجالات السياسية والتنظيمية وفي الممارسة العملية ...


يتبع


1 هيكل البناء الثوري ص3.
2 المصدر السابق ص7 .
3 المصدر السابق ص 6.
4 المصدر السابق ص 8-9.
5 المصدر السابق ص 19.
6 المصدر السابق ص 12.
7 المصدر السابق ص 12-13
8 المصدر السابق ص 14-15

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست