Fateh

تطور الفكر السياسي الفتحوي

(24)


كان المد الثوري الذي تفجر بعد معركة الكرامة قد فرض على الجبهة الشرقية صحوة لم تقتصر على الفدائيين، وإنما تجاوزتها لتصبح في كل بيت حيث الجندي والفدائي... ورجل الميليشيا الذي ظهر بشكل واضح في المخيمات والمدن والقرى. وكانت الغارات الإسرائيلية على منطقة السلط... وسفوح جبال الأردن، حيث القواعد الارتكازية قد زادت التلاحم بين الفدائيين واخوانهم في الجيش الأردني. وكان تواجد الجيش العراقي في الأردن يساهم بشكل فاعل في تأمين دعم مادي ومعنوي لقوات العاصفة ولحركة فتح. ولم يكن هذا الواقع الذي بدأ يحول الأردن إلى هانوي جديدة يرضي الإسرائيليين والأمريكيين، كان هؤلاء يريدون أن يتخلصوا من ظاهرة العمل الفدائي. وكانت مظاهر التفريخ والانقسامات داخل المنظمات الفدائية، خاصة تلك ذات العلاقة بهذه الجهة أو تلك من المخابرات العربية، قد فسحت المجال للمخابرات الأردنية بأن تشكل فصيلها الخاص الذي يمكن أن يلعب دوراً لمساعدتها مستقبلاً في تصفية الظاهرة برمتها.
كانت الحركة قد استطاعت استقطاب كوادر أساسية من الجيش الأردني، إلى جانب انتشار معسكرات الأشبال التي تحولت إلى معسكرات تدريب لقوات الميليشيا التي بدأت تنشط داخل تنظيم حركة فتح في الأردن. ولم يكن الحصول على السلاح في تلك المرحلة من المهمات الصعبة. كانت ساحات المعارك التي لم تحصل في حزيران قد اكتظت ببقايا أسلحة كثيرة تركت في مخازنها أو تراكمت عليها الرمال. وكان تجار الأسلحة يحضرونها إلى عمان، وكنا نقوم بشرائها بأسعار بخسة. وأقامت الحركة مركزاً للتسلح مهمته صيانة الأسلحة وتصليحها، وإعدادها للتوزيع على الكادر الحركي المدرب. كان مركز أبو جميل في الوحدات يشكل المصدر الأساسي للتسليح قبل أحداث نوفمبر. فقد ظهرت القوة الحقيقية للجماهير والتصاقها إلى جانب الثورة في المظاهرات العارمة التي اجتاحت عمان وكل مدن المملكة في ذكرى وعد بلفور في 22/11. وقد رأى بعض رجال المخابرات أن الفرصة أصبحت سانحة لوضع الملك في حالة استفزازية تجعله يأخذ قراراً بتصفية العمل الفدائي أو إحكام السيطرة عليه. فكانت أحداث الثالث من نوفمبر واعتقال المدعو طاهر دبلان المسؤول عن كتائب النصر وهي المجموعة التي شكلتها المخابرات الأردنية لاستخدامها صاعقاً للتفجير في الوقت المناسب.
ولم يكن الوقت الذي تحركت فيه المخابرات مناسباً، حيث كان المد الجماهيري. وكان الوضع داخل الجيش الأردني المتلاحم مع الفدائيين. وكان وجود اللواء مشهور حديثه، أحد أبطال معركة الكرامة والأكثر حرصاً على العلاقة بين الملك وبين الأخ أبو عمار. كل هذا إلى جانب انتشار السلاح في أيدي المواطنين بشكل يفوق توقعات المخابرات، كان له أثره الفاعل في التراجع السريع عن تنفيذ المؤامرة. إضافة إلى أن تواجد الجيش العراقي وقائده حسن النقيب المتعاطف بشكل كامل مع العمل الفدائي، والذي كانت مهمته دعم قوات العاصفة والفدائيين. ولكن هذه التجربة فتحت أمام فتح التي ظهرت لأول مرة على المسرح بشكل قوي متمسكة بالفهم الثوري الذي يجمد التناقضات الثانوية لصالح الثورة نحو التناقض الأساسي مع الكيان الصهيوني. وقد عبّرت فتح عن واقع هذه الأزمة بالبيان التالي:


(بيان حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" عن "سير الأزمة وتطورها في الأردن".
9/11/1968


1- في ذكرى وعد بلفور المشؤوم في 2/11/1968، انطلقت مسيرات شعبية ومظاهرات جماهيرية عارمة في شوارع عمان وضواحيها وفي كبريات المدن الأردنية ومخيمات العائدين، لتعبر عن سخطها واستنكارها لما كان قد تم في هذا اليوم الأسود، ولتعرب عن تأييدها ومبايعتها للعمل الفدائي والثورة الفلسطينية. وقد عمدت المخابرات الأردنية إلى دس عدد من رجالها في صفوف تلك المسيرات في محاولة للتخريب وتشويه الصورة المشرفة للعمل الفدائي في أذهان الجماهير. وبالرغم من ذلك فقد جرت المسيرات والمظاهرات بشكل حسن الذي أحبط كل المحاولات المشبوهة لكبح جماح إرادة الجماهير المصممة على حماية الثورة. وحتى لا يكون هناك أي مبرر أو أي ذريعة لافتعال صدام مع رجال الأمن، صدرت التعليمات إلى رجال الحركة ومؤيديها بعدم الاشتراك في المسيرات، وأن تبقى الكوادر في أماكن إقامتها هادئة مستعدة.
2- وفي تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد، الموافق 3/11/1968، استدعت الأركان العامة الأردنية بعض الاخوة، وعلى الأثر تم لقاء مع رئيس الأركان، عامر خماش، ونائبه مشهور حديثه. وتركز الحديث حول اعتقال طاهر دبلان ورغبة الحكومة في أن يستتب الأمن في البلاد. وفي هذا اليوم تم اعتقال طاهر دبلان على يد سلطات الأمن, وقد رد الاخوة، أن هذه مسألة ستعرض على مجلس التنسيق العسكري للمنظمات الفدائية للبت فيها.
3- وفي الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم الاثنين، بلغ اخواننا من قبل الأركان العامة أن جماعة تابعة لـ "كتائب النصر" قد أطلقت الرصاص على سيارة عسكرية واحتجزت من فيها.
4- وخلال تلك الفترة، نزلت قوات من الحرس الملكي إلى شوارع عمان، واحتلت مفارق الطرق. وعلى الأثر قامت مظاهرات جماهيرية صاخبة تعالت هتافاتها المتنوعة. وقد اندس فيها عدد كبير من رجال المخابرات الأردنية. ورد الحرس الملكي ورجال البادية على تلك المظاهرات بإطلاق نيران كثيفة، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء المدنيين. وأطلقت صفارات الإنذار في محاولة لإيهام الشعب بأن هناك غارة جوية، وكانت الفئات العميلة تشيع إشاعات كاذبة، أن قادة الفدائيين قد اعتقلوا واستشهد بعضهم ثم يهتفون بأسماء المنظمات الفدائية.
5- وفي غمرة هذه الأحداث، وجهت حركتنا عاجلاً الدعوة إلى كافة المنظمات للتشاور وتدارس الموقف، فتقرر إذاعة بيان على الشعب لتهدئة الخواطر للحيلولة دون وقوع الفتنة وتجنباً للمجازر البشرية.
6- وعلى أثر ذلك، تشكل وفد من ممثلي المنظمات الفدائية، قابل الرئيس التلهوني وعاكف الفايز وأحمد طوقان، وطالب الوزارة برفع نظام منع التجول، وإلغاء كافة الإجراءات العسكرية. وتبين من خلال هذه المقابلة أن الوزارة الأردنية ليس لها أي علم بما حدث أو أي إطلاع كامل على الموقف. وشرح الاخوة، ممثلو المنظمات، الموقف بكل وقائعه للوزارة الأردنية، وأوضحوا للوزارة حقيقة طاهر دبلان وارتباطه بالاستخبارات الأردنية، وقد أقر الوزراء الأردنيون هذه الحقيقة، وقالوا بأن الفئة العابثة قد أودعت السجن.
7- وفي نفس الوقت، توجه وفد آخر من الاخوة إلى الأركان العامة حيث تم لقاء مع الملك حسين وأخيه الحسن ورئيس الأركان عامر خماش ونائبه مشهور حديثه، وكان الجو مشحوناً بالتوتر والملك في قمة غضبه، مما أدى إلى فشل محاولات الاخوة في شرح الموقف للملك الذي كان يستدل من حديثه أن لديه إصرار مسبق على تصفية العمل الفدائي. وقد تم هذا اللقاء بحضور العقيد حسن النقيب، قائد القوات العراقية في الأردن، الذي اطلع على الموقف بكامله.
8- وفي أثناء ذلك، كانت قوات الحرس الملكي تواصل إطلاق النيران على التجمعات الشعبية والتظاهرات لإرهاب المواطنين وإحاطتهم بجو من الرعب والذعر وتفريق جموعهم الثائرة، بينما اتجهت عشرات الدبابات والمصفحات إلى مخيمات الوحدات والحسين وشنلر وطوقتها وأخذت تطلق الرصاص، مستفزة بذلك مشاعر الجماهير الغاضبة، مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى من الطرفين. ولم تتمكن قوات الحرس الملكي ورجال الأمن - بعد محاولات متكررة - من اقتحام المخيمات، فقد اعتصم الشعب خلف المتاريس وكانت التعليمات قد أعطيت إلى رجال الميليشيا الشعبية بالالتزام بالهدوء والسكينة مهما كان نوع الاستفزازات التي يمارسها رجال الحرس الملكي وقوات البادية واللواء الستين المدرع.
9- وعند ظهر يوم الاثنين الواقع في 4/11/1968، قامت قوات الحرس الملكي بقيادة زيد بن شاكر بضرب مخزن التموين والفرن التابع لحركة "فتح" في مخيم الوحدات، فاستشهد لنا ثلاثة، وبالرغم من ذلك فقد التزمت الميليشيا الشعبية بالهدوء. وطلب في هذه الأثناء من السلطات الأردنية أن توقف الرماية التي أودت بحياة العشرات، وخلقت جوا من التوتر والقلق لدى الجماهير.
10- وفي محاولة لتهدئة الخواطر الشعبية الملتهبة، حضر اللواء مشهور حديثه والعقيد حسن النقيب وخرج معهما الاخوة إلى المخيمات، إلا أنه كان من العسير دخولها فالمدافع عيار (106) ورشاشات (500) ومدافع الدبابات كانت مصوبة إلى مخيمي الحسين والوحدات، وقوات الحرس الملكي محيطة بهما من كل جانب. وتلافياً لوقوع أي صدام بين قوات الحرس الملكي وقوى الشعب، طلب من اللواء مشهور حديثه أن تخفف هذه الإجراءات العسكرية، وأن توقف الاستفزازات بشتى أنواعها، بما في ذلك إطلاق الرصاص في الهواء لإرهاب الشعب.
11- وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء هذا اليوم، حضر اللواء مشهور حديثة، وهو يحمل رسالة من مجلس الحرب، مفادها أن على المنظمات الفدائية أن تسحب الأسلحة التي وزعتها على الشعب وتسلمها للجيش, وإلا سيتولى الجيش هذه المهمة، وعليكم أن تتحملوا مسؤولية ما يترتب على ذلك من نتائج. واعتبر الاخوة أن ما جاء في هذه الرسالة لا يقصد منه إلا التهديد، ورفضوها رفضاً قاطعاً قائلين: نحن نرفض أي إنذار أو تهديد، كما نرفض أن تكلمونا من مواقع القوة، وحملوا مصدر الرسالة مسؤولية كل النتائج التي يمكن أن تحدث، ثم توجه جميع الاخوة إلى منطقة الأغوار، وجرى استنفار جميع القطاعات الفدائية تحسباً لأي طارئ.
12- في الساعة العاشرة مساء حضر اللواء مشهور يحمل رسالة خطية من الملك مفادها ما يلي:
أ- القضية هي إعادة هيبة الحكم.
ب- لا يمكن تخفيف الإجراءات العسكرية إلا بعد ضمان عدم تكرار الحوادث.
ج- يقدر الملك للمنظمات الفدائية الرئيسية موقفها وتعاونها وحرصها على المصالح المشتركة.
د- لا صحة لأي قول يقصد من ورائه التشكيك في نية الحكم تجاه التعاون مع الفدائيين.
هـ- تجاوباً مع المنظمات الفدائية، فلن يجري التفتيش على الأسلحة الموزعة على الشعب دون تمييز، سواء في عمان أو غيرها، على أن تتعاون المنظمات الفدائية في تنظيم توزيع الأسلحة.
و- يجري حصر كميات الأسلحة، وتبقى في أيدي المواطنين الطيبين.
ز- يرفع منع التجول من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة الرابعة مساء، وتكون هذه الفترة تجريبية.
ح- تبقى قوات الحرس الملكي في أماكنها حيث ترابط، وتخفف حسب الظروف.
ط- يبدأ التنسيق الفوري والتعاون الكامل بين المنظمات الفدائية والجيش للقيام بالواجب الأساسي.
ي- يجري اعتقال أصحاب الفتنة ورؤوس الشر اعتبارا من رفع منع التجول بالتعاون مع المنظمات الفدائية.
13- كان رد الفدائيين على هذه الرسالة مشروطا برفع منع التجول فوراً، وإلغاء الإجراءات العسكرية، وعدم دخول الحرس الملكي ورجال الأمن أو أي قوات عسكرية أخرى إلى المخيمات أو القيام بأي حملات تفتيشية في المدن والقرى.
14- أما على صعيد العدو، فقد كانت دولة الصهاينة تراقب الموقف والأحداث الجارية في الأردن. وكان الطيران الإسرائيلي يحلق بكثافة فوق المناطق الوسطى والشمالية (اربد - السلط)، وقام العدو باشتباك مسلح على الحدود، كما أن موشي دايان صرح بأن إسرائيل لا تنوي التدخل في الصراع بين الفدائيين والسلطة في الأردن.
15- ضربت قوات الحرس الملكي سيارة لاندروفر تابعة للجبهة الشعبية، فاستشهد فيها عدد من الفدائيين مع أحد الملازمين.
17- لم تصطدم قوات الفدائيين الرئيسية مع قوات الحرس الملكي والبادية واللواء الستين المدرع وبقيت في مواقعها مستنفرة.
18- كانت الجماهير مع قوات الميليشيا الشعبية هي التي تتصدى لمقاومة جيش البادية والحرس الملكي ولدباباتهما عندما يحاولون دخول المخيمات أو التعرض للشعب.


مبررات الأزمة ونتائجها:
حاولت السلطات الأردنية تبرير الأزمة بإلقاء القبض على الفئات المارقة العميلة التي تعبث بأمن الدولة وتقصد بها (جماعة طاهر دبلان). ولكن الإجراءات التي اتخذت بواسطة رجال البادية والحرس الملكي وبعض كتائب الجيش التي انسحبت من الجبهة، تدل أن وراء الأزمة المفتعلة محاولة تصفية جدية للعمل الفدائي ومؤيديه، ومظاهر ذلك تتلخص فيما يلي:
1- إظهار الحكم بمظهر الضعيف المعتدى عليه.
2- اشغال الجبهة الأردنية بأحداث مفتعلة داخلية لتخفيف الضغط على العدو في الأرض المحتلة.
3- ضرب الشعب بالمدافع الثقيلة والقنابل اليدوية، وخاصة في مخيم الوحدات، وأصبحت كل مفارق الطرق المؤدية إلى المدن مطوقة بأكثر من فرقة عسكرية.
4- مهاجمة مراكز تموين الحركة في مخيم الوحدات لفترات طويلة.
5- قتل أكثر من سبعين مدنياً معظمهم من النساء والأطفال، وجرح أكثر من مائة.
6- ترك الجرحى بدون علاج مما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين.
7- عامل رجال البادية ولواء الحرس الملكي الفدائيين والشعب معاملة قاسية ولا إنسانية.


تعزيزات الموقف:
بناء على ما تقدم يتضح ما يلي:
1- ان الأزمة مفتعلة، وأن أداتها كانت "كتائب النصر" التي انشأها "طاهر دبلان" ومولتها الاستخبارات العسكرية الأردنية.
2- كانت النية مبيتة عند القصر لضرب العمل الفدائي وتصفيته، بعد أن تسحب الأرض من تحت أقدامه قطعة قطعة، بضرب الشعب وعزله والانفراد بكل منظمة فدائية على حدة.
3- المعركة بالنسبة لنا معركة حياة أو موت، ولا يمكن التهاون إطلاقاً في مصير الثورة مهما كانت النتائج، بعد بذل كل الجهود المخلصة من أجل تفادي الكارثة وتجنب المجازر الشعبية وحرق المدن.
4- انتهت الأزمة وانتصر الفدائيون بلا تراجع عن أهدافهم، وواجبنا مزيداً من الحذر والحيطة والتربص بكل أعدائنا وأعداء الثورة الفلسطينية. ونحن على قناعة تامة بأن الأزمة المفتعلة ما انتهت إلا لتبدأ من جديد. وما كل الأزمات الماضية إلا حلقات في سلسلة تآمرية تنفذ على مراحل لتصفية الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي وتحقيق الحل السياسي.) (1)
ولتوضيح طبيعة الأحداث على حقيقتها والموقف منها لمنع تكرارها قام الأخ أبو عمار الناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، بإجراء حوار مع صحيفة الأهرام القاهرية نشر في 17/11/1968 حول الأزمة التي نشبت بين الحكومة الأردنية ومنظمات المقاومة الفلسطينية. قال فيه:
(ان الاحداث الاخيرة في الاردن فاجأت منظمات المقاومة لان مبرراتها كما قيل القضاء على المجموعة المشبوهة التي اطلقت على نفسها (كتائب النصر).
ان الشعب ضرب في مخيماته، وخاصة مخيم الوحدات، بالقنابل اليدوية والمدافع الثقيلة. وتقرر اخر الاحصاءات ان عدد القتلى ارتفع إلى مائة شهيد معظمهم من الاطفال والنساء، وجرح اكثر من 200 طفل وامرأة وشاب، كما هوجمت مراكز تموين "فتح" بالمدفيعة الثقيلة اكثر من ساعتين وبالرشاشات طوال النهار والليل، وهوجمت كل معسكرات اللاجئين بالدبابات وقصفت بالمدفعية.
ان هناك عناصر خفية ارادت ان تلقي الاردن في اتون حرب اهلية، ولكن رجال المقاومة المخلصين فوتوا الفرصة لتنفيذ الفتنة.
س- وهل انتهت الازمة؟
ج- بالقطع لا، فان الازمة مجمدة فقط، ونحن نحاول الان ازالة اسبابها من الجذور، فان للازمة ذيولا ولا يمكن الا ان تكون لها ذيول. ولقد وضعنا هذا في الحسبان، ووضعنا في الاعتبار امكانية عودة الاصابع الخفية لتحاول ان تصطاد صيدها من جديد.
لقد ارادوا ضرب الجيش بالفدائيين، ولكننا حريصون تماما على وحدة الجيش مع منظمات المقاومة.
ولقد خرجنا من الازمة بوحدة وطنية كاملة بين الجيش والشعب مع تنظيماته الفدائية، جبهة صلبة متماسكة ضد المتآمرين.
س- انني اسأل عما يردده البعض: هل حدثت تسويات او تنازلات؟ او تم توقيع اتفاق مكتوب؟
ج- لا توجد هناك اية تسويات او تنازلات. فنحن لا يمكن ان نساوم على شرعية الثورة الفلسطينية. اننا لا نستطيع ان نساوم على استمرار العمل الفدائي المسلح، وعلى هذا الاساس فانه ليس هناك اية اتفاقيات مكتوبة، فكل عملنا هو ملك للجماهير صاحبة الثورة وحدها.
حقيقة ان هناك بعض الاشياء كانت الدولة قد طلبتها قبل الازمة، ونحن من جانبنا نقر مثل هذه الطلبات.
ولن يشهر سلاحنا او يرتفع في وجه عربي بل انه يوجه إلى العدو وحده. اننا نجمد كافة التناقضات الحالية من اجل مواجهة التناقض الرئيسي لنا وهو التناقض مع اسرائيل.
مرة اخرى اعود بك إلى بداية احداث الازمة، لقد ابلغت منظمات المقاومة فجر الاثنين ان الدولة ستبدأ عملية القاء القبض على جماعة طاهر دبلان المشبوهة (كتائب النصر). وخرج البيان الاول الساعة الحادية عشر صباح الاثنين بتوقيع جميع منظمات المقاومة والتجمعات الوطنية في الاردن.
ولكن الذي اتضح لنا بعد الظهر هو ضخامة القوات التي نزلت إلى اطراف عمان، فقد تبين ان العملية اكبر من ان تكون موجهة لطاهر دبلان وجماعته. ونزلنا إلى مواقع الالتحام بين هذه القوات والشعب في مخيم الوحدات ومخيم الحسين والزرقاء.
وكان بصحبتنا كتنظيمات فدائية اللواء مشهور حديثه، معاون رئيس الاركان، والعقيد حسن النقيب، قائد القوات العراقية، وعلى الفور اتضح لنا ان هذه الاماكن هي ساحة حرب وقتال. ثم تأكد لنا ان هناك طلبات مقدمة بأشياء كثيرة وخطيرة تتعدى موضوع طاهر دبلان.
عند ذلك، اتضحت لنا ابعاد التآمر، وطوال الليل ابقينا مندوبا عنا مفوضا باسم جميع منظمات المقاومة للتحدث مع السلطة، وطوال الليل ظلت المفاوضات جارية والعروض تقدم وترفض المرة تلو المرة. لقد رفضنا كل شروطهم وعروضهم وقلناها واضحة اننا نرفض ان يتحدث احد إلى الشعب من مصدر القوة، فالقوة الوحيدة هي قوة الشعب.
طلبوا منا نزع سلاح الاهالي في المخيمات، وقلناها وقالتها كل المنظمات : ذلك مرفوض. فنحن في حالة حرب، وهذا السلاح وجد اصلا مع الناس حتى لا تتكرر مآسي الضفة الغربية والتي ظهرت آثارها واضحة بعد حرب 5 حزيران (يونيو) اذ اننا لا نزال نعاني حتى الان من سحب سلاح القوى الامامية، فكيف تطلبون منا نزع سلاح اهالينا، ان سلاحهم وجد فقط لمقاومة العدو.
وفي اليوم الثاني رفع منع التجول من الساعة العاشرة صباحا حتى الرابعة بعد الظهر. ثم التقى ممثلوا المنظمات الرئيسية مع المسؤولين على اعلى المستويات، وخلال اللقاء تقرر سحب القوات من عمان ورفع منع التجول، وتم الاتفاق على تعويض الشهداء.
ومن ذلك كله، يتضح تماما انه لم تكن هناك اية مساومات او تنازلات، واني اؤكد انه ليس هناك أي مشروع مطروح للتنسيق.
اما الدروس المستفادة من ازمة يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر)، فان لها نتائج كبيرة:
اولا- تعزيز وحدة منظمات المقاومة، ومن اهم مظاهرها زيادة التحامها عسكريا وسياسيا وشعبيا.
ثانيا- اذابة الثلوج من حول بعض المواقف التي كان مختلفا عليها بين هذه المنظمات.
ثالثا- ظهور الترابط والالتحام والمصير الواحد بين الشعب وثورته.
رابعا- حتمية الالتحام بين الجيش ومنظمات المقاومة.
ان اللقاء الحقيقي من اجل الوحدة الوطنية هو اللقاء على ارض المعركة، حيث تذوب جميع نقاط الخلاف، فالدم يغسل كل شيء عندما يسيل.(2)
هوامش:
(1) الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1968 ص...
(2) المصدر السابق ص...

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست