الحرب والسلام في الشرق الاوسط
1988-1992
(2)الكتاب في اصله كتب باللغة الانجليزية تحت عنوان "تحالف مكسور". والقصد من هذا العنوان كان رغبة ارنس في التفرد بالحديث عن الازمة في العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة من خلال وجهة نظره التي يعتبرها مميزة وتمثل الى حد ما التحدي الاسرائيلي. فهو يركز في كتابه على وصف مجمل العلاقات الاسرائيلية الامريكية في مجال السياسة الخارجية والامن بالمنظور الامريكي. ويصف الحكومة الامريكية وكأنه يصف حكومة معادية تماما لاسرائيل، فهي بالنسبة له حكومة قررت اتخاذ موقف الصدام والمواجهة مع حكومة اسحق شامير بشكل خاص، وتدخلت بصورة كبيرة في الشؤون الداخلية في اسرائيل. خصوصا فيما يتعلق بمشاريع التكنولوجيا العسكرية، الامر الذي ادى إلى تجميد عملية الاستمرار في تطوير مشروع الطائرة الحربية الاسرائيلية "لافي" والتي حسب اعتقاد ارنس كان من الممكن لها ان تنافس الطائرات الحربية الاخرى على المستوى الدولي. فمن ناحية معينة يصر ارنس على انه هو المسؤول الاول عن اقناع الكونغرس والحكومة الامريكية بتمويل هذا المشروع الامريكي- الاسرائيلي، والذي تحتل فيه اسرائيل موقع الريادة في التخطيط، وهي المتقدمة تكنولوجيا على الولايات المتحدة في هذا المشروع وليس العكس. من ناحية اخرى فهو يحمل مسؤولية القرار في وقف مشروع الطائرة المقاتلة "لافي" الى الضغط الذي وجهه وزير الدفاع الامريكي كاسبر واينبرغر من اجل إفشال الاستمرار في هذا المشروع. والسبب في ذلك حسب ادعاءات ارنس هو سياسة عدم رضى الجانب الامريكي عن وجود فرصة حقيقية امام اسرائيل للوصول الى استقلال ذاتي في مجال تطوير الصناعات الجوية. ولا ينسى ارنس في هذا السياق مهاجمة بعض الجنرالات في الجيش الاسرائيلي الذين لم يؤمنوا بقدرات اسرائيل على انتاج هذا النوع من الطائرات المقاتلة والمتطورة جدا. الامر الذي ادى الى اقتناع اسحق رابين بوقف هذا المشروع بقرار من الكنيست وبأغلبية صوت واحد. ويحمل هذا الموضوع بالنسبة لموشيه ارنس اهمية كبيرة لمستقبل اسرائيل الامني في الشرق الاوسط ولقدرتها على البقاء. ووقف مثل هذه المشاريع هو امر سيء لاسرائيل ولالاف المهندسين والتقنيين، وهو أمر مبدئي ادى الى استقالته من الحكومة على الرغم من حصوله على موقع متقدم في قائمة الليكود.
ارنس يعتبر نفسه من الشخصيات الفعالة والمركزية في هذه الفترة الامنية والسياسية وهو العنصر الموحد في ظل الصراعات الحزبية. فهو يحب تمجيد نفسه كثيرا وخصوصا دوره المميز في محادثات المجلس الامني المصغر ابان حرب الخليج. وهو يعرض نفسه في الكتاب على انه المبادر الاول لمبادرة السلام الاسرائيلية وخطة الخمس نقاط. الا ان عنوان هذه الصراعات بالنسبة له هو تصفية الحسابات. فهو يهاجم اسحق شامير بطريقة غير مباشرة ويعتبره بمثابة "الاحباط الكبير". ويقول في هذا المجال " في بعض الاحيان شعرت انني اتحدث مع حائط". "بأي حال من الاحوال لم استطع ادخال التفهم الى رأسه بالنسبة للمواقف التي يتوجب على اسرائيل اتخاذها ". ويقول ارنس في كتابه ان اسحق شامير كشف له انه يفضل وجود حكومة ليكود قومية لانه كان حينها لن يضطر الى تسليم وزارة الخارجية لدافيد ليفي، او وزارة الدفاع لارئيل شارون الذي هو اقل سوءا من ليفي بالنسبة لشامير.
ارنس يعتقد بأن ضمان مستقبل اسرائيل وامنها مرتبط تماما بالوضع الاقتصادي، وهو الذي سيؤدي الى حل اغلب المشاكل التي تواجهها اسرائيل في المستقبل. وعلى الرغم من مباركته لتسلم شمعون بيرس حقيبة وزارة المالية الا انه يصفه بأنه عمل جهده طوال 18 شهرا من اجل اسقاط الحكومة بدل ان يتولى مواجهة المشاكل الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد الاسرائيلي.
ارنس يتحدث عن النصف الثاني من فترة حكومة الوحدة عندما استلم اسحق شامير رئاسة الحكومة، وعن شمعون بيرس الذي استلم بدوره حقيبة وزارة الخارجية في ابريل 1987، حيث التقى بيرس مع الملك حسين في لندن وذلك بدون الحصول على موافقة رئيس الحكومة. ويصفه بانه الذي تفاوض مع الملك حسين حول عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط بدون موافقة او علم رئيس الحكومة شامير، ورفض تسليمه الوثائق التي بحوزته الامر الذي ادى بشامير الى ارسال موشيه ارنس الى وزير الخارجية الامريكية جورج شولتز من اجل توضيح حقيقة الموقف الاسرائيلي للحكومة الامريكية بشأن الرفض القاطع لعقد مثل هذا المؤتمر الدولي.
اما موقفه من دبلوماسية جيمس بيكر فيصفها بالدبلوماسية القاسية والساخرة بشكل خاص. فهم وزير الخارجية ورئيس الحكومة الامريكية هو المستوطنات، ويساعدهم في ذلك بعض وزراء الليكود اضافة الى اسحق رابين وشمعون بيرس، فهو يصف الاتصالات الاسرائيلية بانها عبارة عن "شبكة من الاتصالات تتم تحت البساط بين بيرس ورابين في اسرائيل، وبين جيمس بيكر ومساعديه في واشنطن، والمصريين في القاهرة".
لا يخفي ارنس سروره من هزيمة جورج بوش في الانتخابات الامريكية فيقول " في تاريخ العلاقات الاسرائيلية الامريكية لم يكن هناك سابقة لمحاولات الحكومة الامريكية المتكررة من اجل التدخل في السياسة الداخلية لاسرائيل"، الا انه من ناحية ثانية يأسف لموقف الناخبين الاسرائيليين الذين ادركوا ان اعادة التصويت لصالح شامير معناه استمرار الصدام بين اسرائيل والولايات المتحدة. ويقول بأنه بعد اشهر قليلة من سقوط الليكود وافق بوش على منح رابين كل ما تم منعه عن شامير بما في ذلك الضمانات الامريكية، بعد ان اصر شامير على الحصول على هذه الضمانات بدون أي شرط الامر الذي ساهم في تعنت الحكومة الامريكية، وكان من الواضح ان اسحق شامير لن يحصل على هذه الضمانات، في حين وافق رابين على الاستجابة للشروط الامريكية. فالنظام الامريكي بالنسبة له هو نظام اتخذ موقف العدائية والصدام مع اسرائيل. الا ان نهايته كانت السقوط وهذا الامر يعزيه الى موقف الغالبية العظمى من يهود الولايات المتحدة، اضافة الى الامريكيين غير اليهود الذين لم يستطيعوا التصويت مرة اخرى لصالح جورج بوش، ويعتقد ارنس بأن هذا هو السبب الرئيسي لسقوطه.
يعطي ارنس في كتابه بين السطور اهمية كبيرة جدا لدوره المميز في الحرب وفي السلام.
وهو يكشف بان مبادرة شامير لمباحثات السلام التي حملها الى واشنطن في 1989 كانت بمبادرة منه شخصيا، وكانت بموافقة ومباركة من طرف رابين. اما شمعون بيرس الذي شكل كابوسا لليمين فلم يعترض عليها. وبعد انتهاء زيارة شامير الى واشنطن كان من الضروري الحصول على موافقة الحكومة على هذه الاقتراحات، وقد طلب شامير من سكرتير الحكومة تحضير نموذج قرار يتم تقديمه للحكومة. وكان من الواضح ان شامير قد امر روبنشتاين بان التنسيق يجب ان يتم فقط مع اسحق رابين، وهو الذي سيمنع بيرس من ممارسة التخريب في الحكومة وهذا الامر الذي سيؤدي الى الحصول على موافقة غالبية وزراء حزب العمل.
في معرض التحليل الذي يقدمه ارنس حول اسباب سقوط الليكود، يعتقد ارنس بان اهم المصاعب التي واجهها الليكود تكمن في الصراعات الداخلية بين قيادات الحزب. ويبدأ ارنس باتهام دافيد لبفي الذي ساهم بتسخين الاوضاع الداخلية على اثر الانتخابات الداخلية في الليكود، ومن ناحية اخرى يركز على اتهامات شارون لحكومة الليكود بالفشل في معالجة القضايا الامنية لاسرائيل. لذلك كان من الصعب مطالبة الجماهير بالتصويت لصالح الليكود في وقت تهاجم قيادات الليكود سياسته.
المجال الوحيد الذي كان في صالح الليكود هو التخصص في المجال الاقتصادي ورفع شعار الاقتصاد الليبرالي، الا انه في نفس الوقت يتهم شامير مثل سابقه مناحيم بيغن اللذان لم يهتما بتطوير الاقتصاد الاسرائيلي وترك شامير الامر لوزير المالية اسحق موداعي في الاستمرار في سياسته بشكل منفصل عن سياسة الليكود السابقة. في حين كان حزب العمل اشتراكي ارثوذكسي، وفقط مؤخرا بدأ حزب العمل في تغيير سياسته الاقتصادية الا انها ما زالت تسير في بطء شديد. ويعتقد ارنس ان هناك افضلية اخرى على حزب العمل وهي في وجود قيادات شابة مثل ايهود اولمرت موشيه كتساب، دان مريدور، روني ميلو، بني بيغن، نتنياهو، عوزي لنداو، مئير شطريت، وهو نفسه يعرف اليوم مثل الجميع ما هو مصير هذه القيادات في تحديها وتمردها على المعتقدات الاساسية لحزب الليكود وقياداته الشابة ,
يصر ارنس على دوره في طرح فكرة اجراء انتخابات محلية في صفوف الفلسطينيين من اجل خلق قيادات بديلة للتفاوض معها في مستقبل الحكم الذاتي. هذه الفكرة التي رفضها الليكود الا انها زادت من تأييد الليكود في الانتخابات، وزادت في شعبية ارنس حسب اعتقاده، حيث يصف نفسه بأنه تحول الى بطل في صفوف العرب والدروز على اثر هذا التغير الاستراتيجي في سياسة الليكود، وفي هذا المجال ينتقد ارنس بشدة سياسة شارون في التحالف فقط مع المليشيات المسيحية في لبنان وتجاهل الدروز والشيعة، ولا يخفي دوره في توجيه الاوامر للجيش الاسرائيلي بعدم التدخل ابان المعارك بين النصارى والدروز في الجبل وتأثير ذلك على موقف الدروز في اسرائيل من موشيه ارنس الذين رأوا فيه حليفا غير مباشر للدروز في لبنان. الامر الذي ادى الى حصول الليكود على مقعد اضافي في الكنيست بفضل الاصوات العربية في حين لم يحصل في الانتخابات السابقة على هذه الاصوات العربية.
يعتقد ارنس ان غالبية مواطني اسرائيل تقع ضمن دائرة القلق من الواقع الديمغرافي الفلسطيني الاسرائيلي، بحيث لم تستطع التعامل مع واقعية شعار "ارض اسرائيل الكبرى" وهذا ما خدم حزب العمل الذي وجد حلا لذلك في اتفاقيات اوسلو. وينهي المؤلف الكتاب بتقدير موقف خاص تجاه اتفاقيات اوسلو. وعلى الرغم من انه يأسف لعدم انسحاب الليكود من غزة في الفترات السابقة الا انه يدعي بان الانتفاضة كانت عمليا في نهايتها في العام 1990، وان الاتفاق مع الرئيس الفلسطيني فقط ادى الى زيادة قوته بعد ان هزم، ويصل فيه الحد بالنسبة لموضوع منح جائزة نوبل للسلام للرئيس ياسر عرفات الى وصفها حسب رأيه بأنها تساوي منح مثل هذه الجائزة "لتشمبرلين ولهتلر".
وهو يؤكد على ايمانه الشديد بأن امن اسرائيل يتطلب استمرار السيطرة الاسرائيلية الامنية على الضفة الغربية وانه من الممكن استمرار هذه السيطرة فقط في حال استمرار التواجد اليهودي الاستيطاني في الضفة الغربية، وفي المقابل الاستمرار في التحدث مع الفلسطينيين.
الكتاب عبارة عن مذكرات شخصية لانسان يحب نفسه كثيرا، ويعتقد بأنه لم يحصل على القدر المناسب من التقدير. فالكتاب بشكل عام لا يكشف عن أي شيء جديد لم تتحدث عنه الصحافة العالمية وتقدير المواقف الاستراتيجية. وهو في غالبيته سرد ووصف للاحداث السياسية والامنية ابان هذه السنوات. ومن الملاحظ وجود اقتباسات كثيرة لمقولات ومواقف وآراء يعرضها ارنس من خلال سياقه السياسي الايديولوجي وهي لا تبتعد عن كونها أخباراً صحفية لمجريات الاحداث على مدى اربع سنوات.