Fateh

الجمهورية الإسرائيلية الثانية


الكتاب من اصدار جامعة حيفا 1997، يقع في 340 صفحة من الحجم المتوسط، للكاتب الإسرائيلي آشر أريان، بروفيسور في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا، صدر باللغة الانجليزية، وترجمه للعبرية باروخ كوروث.
يعتبر هذا الكتاب من الإصدارات الحديثة جدا في الساحة الأكاديمية الإسرائيلية المتعلقة بالنظام السياسي الحزبي وبالأيديولوجيا الإسرائيلية، والتي تصف طبيعة التغيرات الهائلة التي طرأت على المجتمع الإسرائيلي منذ الإعلان عن إنشاء الدولة اليهودية عام 1948 حتى اغتيال اسحق رابين على أيدي طالب يهودي استمد الشرعية من اليمين الديني والقومي الإسرائيلي، ومن ثم انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا تاسعا للحكومة الإسرائيلية، انتخاباً مباشراً لأول مرة بعد تغيير قانون الانتخابات السياسية في إسرائيل، والذي أدى الى انقلاب سياسي من نوع جديد، سيكون له اثراً كبيراً على مستقبل النظام السياسي في إسرائيل، إضافة الى ما أدت إليه الموجة الهائلة من المهاجرين القادمين من بقايا المعسكر الاشتراكي السابق من حدوث انقلاب ديمغرافي عرقي ثان، ذو أبعاد متشابهة وانقلابية على المجتمع الإسرائيلي . بالتالي فإن هذا الكتاب يمثل الضرورة في محاولة التوصل الى صورة أو سيناريو لمستقبل الدولة الإسرائيلية وخصوصا في عصر التغييرات الدراماتيكية التي حلت على الصراع العربي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، الدولة التي يصفها الكاتب بالجمهورية الإسرائيلية الثانية .


لماذا الجمهورية الثانية؟
في المدخل يقسم الكاتب مراحل الدولة الإسرائيلية الى:
1- فترة الاستقلال الاولى وتبلور الدولة الإسرائيلية من 1948-1967 .
2- فترة ما بعدحرب الأيام الستة من 1967-1993 والصراع " لتخليص" الدولة من إنجازات "النصر" في هذه الحرب .
3-الفترة التي بدأت بعد سنة 1993 وعملية الصلح مع الفلسطينيين .وهي التي يسميها الكتاب بفترة اقامة الجمهورية الثانية في إسرائيل.
صورة الغلاف تظهر" حالة انعدام الإحساس بالاتجاه"، "الصعود أم النزول" فيها يظهر الحراس أو المساجين أو العسكر مقنعون ويسيرون في اتجاه واحد والمثير في صورة الغلاف هو انعدام الاتجاه حيث من الصعب على الناظر تحديد وتمييز وجهتهم إن كانت الى فوق أو الى اسفل .


الشرعية
اعتمدت الدولة الإسرائيلية في شرعيتها على مدى سنين الاحتلال الطويلة، على نظام ينطلق من مبدأ سيادة الصلاحيات بحماية القوة العسكرية أولا وأخيرا، ومن اجل مواجهة الاتهامات بالشرعية المزيفة وبالادعاءات المضللة التي اتهمت بها الحركة الصهيونية منذ بداياتها، ومن اجل فهم الكيفية التي تحولت إسرائيل من خلالها على مر الفترات الثلاث، فقد حاولت الحركة الصهيونية منذ بداية تبلور الصراع العربي الإسرائيلي، إبراز الدولة الإسرائيلية كنتاج أوروبي لصراع ثقافات وصراع حضارات، وليس كنتاج استعماري لشعب بدون ارض، يبحث عن ارض بلا شعب، حسب الادعاء الصهيوني، والسعي الى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، حتى لو كان ذلك من خلال تبني سياسة عدوانية استعمارية ودموية، على حساب شعب آخر. واستمرت الدولة الإسرائيلية بقطبيها الرئيسيين، الليكود والعمل، وبكل انفعالات سياسييها من يمين ويسار في تبني هذه السياسة حتى يومنا هذا، زمن الحديث عن السلام تحت شعارات أمنية هي في اصلها شعارات عدوانية.
يتركز البحث في الكتاب على الواقع الإسرائيلي وتوقعاته المستقبلية، وعلى الرغم من يسارية الكاتب فهناك رائحة لمحاولة تشتيت الخلاف والتقارب الأيديولوجي في القضايا الرئيسية التي تمس مستقبل المنطقة، بين مراكز وأقطاب صنع السياسة الإسرائيلية، وبين من يتحكم فعلا بالمسار الأيديولوجي لهذه السياسة، من اجل تهميش الظواهر المتطرفة في النظام السياسي الإسرائيلي ودفعها الى أقصى يسار والى أقصى يمين الخريطة الحزبية الإسرائيلية، والتي هي في المحصلة النهائية نتاج أيديولوجيا عدوانية متطرفة تجاه كل ما هو عربي وكل ما هو فلسطيني.
فالكاتب بيساريته يعتقد أن تطور الموقف السياسي أو تغيره، لا يعبر بالضرورة عن تطور الأيديولوجيا الخاصة بكل حزب، ففي الكثير من الأحيان يأتي هذا "التطور" أو "التغير" متناقضاً معها ومعارضاً لها، وهذه صفة لازمت تأريخ الموقف السياسي منذ نشوء الدولة الإسرائيلية حتى الآن، فعند الحديث عن "الأمن" الإسرائيلي كقيمة "قومية والذي هو بمضمونه معاد للحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، إلا أنه تمتع بأهمية قصوى في سلم أولويات النظام السياسي الحزبي الإسرائيلي. وليس من الصعوبة أن نرى أن حزب الليكود وحزب العمل متفقان تماما في المضمون، والفرق الوحيد بينهما هو أن حزب الليكود يدعي بأن تحقيق مثل هذه القيم يتم فقط من خلال تبني سياسة "هجومية" وإظهار "القوة" وليس من خلال تبني سياسة معتدلة. أما حزب العمل فقد اظهر بعض الليونة واستعد لتقديم بعض التنازلات الى درجة معينة انتهت مع التراجع الهائل أمام إمكانيات التغيير حين كان حزب العمل ما زال في السلطة إثر اغتيال رابين .
يعرض الكاتب التخوفات المستقبلية الناتجة عن تواجد الشعب الإسرائيلي في خضم دراما سياسية أمنية ثقافية وفي ظلال تناقضات أيديولوجية كبيرة، بدأت تفرز مواجهات عنيفة بين مؤسسات الدولة ومركباتها المادية والمعنوية، مواجهات اتخذت أشكالاً متعددة وفي أوقات مختلفة، بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام، الصراع الخفي بين مفهوم الدولة القومية العلمانية وبين الدولة الدينية اليهودية، والصراع بين المفهومين ومفهوم دولة سيادة القانون، الذي اصبح يخضع في الكثير من الأحيان لاعتبارات أيديولوجية وحزبية وطائفية.


الاستيطان
من الملاحظ أن هناك اهتمام واسع للكاتب بمسألة الاستيطان وموقف الأحزاب الرئيسية منها ومن مستقبل المستوطنات في الضفة وغزة، فهو يذكر التخوفات المستمرة للفلسطينيين من الاستيطان الزاحف، لان كل حكومات إسرائيل اعتادت على مصادرة الأراضي. وهنا يشير الكاتب الى عدم وجود فرق يذكر بين مركز اليمين أو مركز اليسار في هذا الموضوع، فحزب العمل هو أول من بدأ بتنفيذ سياسة الاستيطان في الضفة الغربية وغور الأردن، في حين أن حزب الليكود هو الذي أعاد سيناء الى مصر في إطار اتفاقيات السلام الإسرائيلية المصرية الاولى.
لقد بدأ "ليفي اشكول"، زعيم حزب العمل بالاستيطان في المناطق المحتلة بعد حرب حزيران مباشرة، وخصوصا على طول نهر الأردن، تعبيرا عن بداية تبلور ما يسمى "بالمصلحة الأمنية"، وفي محيط مدينة القدس تعبيرا عن "المصلحة القومية". ومن هنا بدأت تظهر الفروقات العملية بين المصلحة القومية والمصلحة الأمنية في القاموس السياسي للأحزاب السياسية. وهما في الحالتين على حساب الشعب الفلسطيني، التي يتم الحديث عنها اليوم ضمن خرائط الانسحاب في مرحلة الحل النهائي، فقد تم تحديد نهر الأردن كخط أمني استراتيجي يجب السيطرة عليه وبأي ثمن. وحددت القدس كنواة للأمن القومي الأيديولوجي الصهيوني، والهدف من كل ذلك منع أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية أو كيان فلسطيني مستقبلي.
أما استيطان الضفة الغربية خصوصا بالقرب من المناطق كثيفة السكان، فقد كان أيضا في زمن حزب العمل وبمبادرة منه، هذه العملية التي بدأت في 1974 أبان رئاسة اسحق رابين وشمعون بيرس للوزراء وللأمن . أما السبب في ذلك فالكاتب يفسره بان الاثنان خضعا "لضغوطات" "رمزية" من جانب المستوطنين اليهود الذين تمتعوا ب "إمكانيات" و"بقدرات" على التأثير في صياغة التحالفات الحزبية، والذين استوطنوا في مناطق اعتبروها قلب التقاليد "ألتناخية التوراتية" لإسرائيل، هذه السياسة التي أدت الى استيطان واسع النطاق، في حقيقته وفي جذوره، كان في فترة استلام قيادة حزب العمل للحكومة الإسرائيلية.
يقول الكاتب " في حقيقة الأمر لا يمكن القول بوجود معارضة جادة للاستيطان من الحزبين، ألا أن الفرق يتجسد بين طموحات الليكود في زيادة وتكثيف الاستيطان من خلال وضعة على رأس سلم الأولويات، وبين إرادة وتوجه حزب العمل في التصرف بحذر في هذا الموضوع" . وعلى الرغم من سياسة تجميد الاستيطان التي اتبعتها حكومة حزب العمل منذ 1992-1996 إلا أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة وصل الى 140 ألف مستوطن، الذين بمجموعهم منحوا كل حكومة جديدة وعدا آخر لاستيطان الأرض الموعودة، أو خلقوا لها مشكلة اخرى .
من ناحية اخرى فقد أدى الاستيطان في الضفة الغربية الى توفير حلول عملية رخيصة الثمن لقطاع كبير من المواطنين ذوي الدوافع "الغير استيطانية"، فليس كل المستوطنين من كانت دوافعهم أيديولوجية، وتحولت الإقامة في هذه المناطق الى بديل شعبي للأزواج الشابة التي بحثت عن سكن بثمن معقول وهذه النسبة في تزايد مستمر.


الفلسطينيون مفتاح الحل
منذ الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل كان السؤال الرئيس الأكثر تداولاً من الناحية الاستراتيجية هو، "متى" و "كيف" و "بأي الشروط" ستعترف الدول العربية بإسرائيل؟، إلا أن كلمة المفتاح لأي استقرار في المنطقة كانت هي "الفلسطينيين" والموقف الفلسطيني من الحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي. فبالرغم من توقيع اتفاقية السلام مع مصر في عام 1979 إلا انه فقط وبعد توقيع اتفاقية الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن 1993 تم الاعتراف بالسلام كخيار سياسي مقبول وله شرعية في الشرق الأوسط مقابل خيار الحرب .
بمعنى آخر يتفق أقطاب النظام الإسرائيلي في الداعي والضرورة الى محاولة النهوض بما تبقى من الوهم الصهيوني ليتلائم مع متطلبات العصر الحديث. فمركز اليمين يكمل مركز اليسار، حتى لو كان ذلك على حساب التخلي عن بعض المطامع التوسعية الاستعمارية القديمة، والتي أصبحت غير مناسبة لتطورات العصر الحالي. فالطموح الإسرائيلي في محاولاته لنيل الشرعية الدولية في التواجد على أرض الواقع، رافقه جنبا الى جنب عملية تسليح وقوة عسكرية هائلة وموازين قوى دولية كانت دوما لصالحه استراتيجيا، من اجل الحفاظ على نواة الدولة الصهيونية في محيط العرب والدول العربية، وما تبقى سوى تقريب وجهات النظر للخروج بصيغة مشتركة تجمع ما بين المصالح الأمنية والقومية في لقاء حول اتفاقية مبادىء مشتركة، إسرائيلية - إسرائيلية، سيكون هناك من يقلق لصياغتها تحت ما يكفي من الشعارات والحجج .
في سياق حديثه تحت عنوان "الشعب في إسرائيل، يؤكد الكاتب على ضرورة التمييز بين العرب والعرب، فالعرب الذين بقوا في فلسطين 1948 يختلفون عن العرب الذين وقعوا تحت الاحتلال العسكري، فهم" عرب محافظون على القانون " ويتعاطفون مع المنشأ العربي لهم، الا انه يقول بان هناك الكثير منهم من يرى نفسه اسرائيلياً. ويعرض استطلاعا للرأي اجري قبل انتخابات 1996 فيه 43% يرون انفسهم عرباً، و29% منهم يرون انفسهم اسرائيليين، و18% يرون انفسهم مسلمين، و10% منهم فقط يرون انفسهم فلسطينيين .
ورغم انه يسمي "انتفاضة شعبنا بانتفاضة عرب المناطق "،والضفة الغربية "بيهودا والسامرة"، ورغم انه اختصر مقدمته لموضوع الصراع اليهودي العربي عام في ست صفحات خجولة، الا انه هناك نقطة رئيسية ركز الكاتب عليها حول هذا الموضوع وهي أن " فرض الطوق العسكري وعزل الضفة الغربية عن إسرائيل أظهر إمكانية وجود سلطتين مختلفتين واحدة الى جانب الاخرى ، وهذا تطور من الممكن أن يؤدي حسب وجهة نظره الى "تحريك عملية إقامة دولة فلسطينية".
يرى الكاتب بأن الرأي العام الاسرائيلي الذي يتصف بحالة "عدم الاستقرار"، يمكن ان يتم توجيهه وتهيئته لدعم قيادات معينة عند توفير الشعارات المناسبة وملائمة قدرات الجاذبية المناسبة"، وهذا تحديث غربي رافق عملية تغيير قانون الانتخابات في إسرائيل، كما حصل لدى انتخاب نتنياهو حيث كان الاستغلال دينيا وقوميا، وكما حصل في حالة إسقاط بيرس وإسقاط البرنامج السياسي لحزب العمل، حيث تم اتهامه باليسارية وإلصاق تهمة وصفة التعاطف مع الفلسطينيين والعرب بشخصية بيرس الأمر الذي ساهم في إسقاطه .
التساؤل المركزي الذي يحاول الكاتب الإجابة عليه في كتابه الجمهورية الإسرائيلية الثانية، هو "هل" و "كيف" و "بأي شكل" ستقطع هذه الجمهورية الثانية نهاية القرن العشرين ؟، وما هي إمكانية خطر تفكك" المجتمع الإسرائيلي من مركباته "؟.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست