الارادة الدولية
وكبح جماح واشنطن
بحيلولتها دون وقوع الحرب العدوانية ضد العراق، تكون الارادة الدولية ممثلة بالموقف الروسي والفرنسي وكذلك الصيني، ومتوجه بالاتفاق الذي توصل اليه مع الحكومة العراقية، امين عام الامم المتحدة كوفي عنان، قد خطت خطوة عملية ثابتة على طريق اعادة الاعتبار لحقوق الشعوب والدول، في رسم صورة حياتها التي تريد، وفي الحفاظ على سيادتها وكرامتها واستقلالها، بعيداً عن الاستغلال والقهر والتخويف الاجنبي، والقوة المجنونة التي قد تلجأ له هذه الدولة المعادية او تلك.
كما تمكنت الارادة الدولية ايضاً بهذا التجلي الذي حصل ان تفتح افقاً مشرقاً امام اعادة العلاقات الدولية، الى دائرة الاحترام المتبادل والتعاون المشترك، بعيداً عن لغة التهديد واللجوء الى القوة والتدخل السافر في شؤون الدول الاخرى. وان تعيد لميثاق الامم المتحدة وهيئاتها المختلفة، اعتبارها المفقود بفعل العنجهية الامريكية، واستغلال واشنطن لنفوذها وممارستها للضغوط هنا وهناك، من اجل التحكم بالهيئة الدولية وحملها على اصدار القرارات التي تلائم المزاج الامريكي في هذا الموقف، ومنعها من اتخاذ القرارات التي لا ترضي الولايات المتحدة في موقف اخر.
ان الدول دائمة العضوية في مجلس الامن التي اتخذت موقفاً متمسكاً بشرعية الامم المتحدة وبميثاقها، ومتمسكاً بحرصه على الامن والسلم العالمي، واعلنت معارضتها للرغبة الامريكية في العدوان على العراق، معتبرة ان سياسة حشد الاساطيل والعدوان انما هي عودة لاساليب القوة الامبريالية القديمة، وان اسباب الخلاف مع العراق مهما تكن ، فهي لا تستدعي هذه المرة ان تعالج بهذا الاسلوب الذي شهده العالم تحت يافطة اخراج العراق من الكويت.
ان تلك الدول مدعوة اليوم للعمل الجدي من اجل حشد اوسع رأي عام دولي، يضع حداً للغطرسة الامريكية، ويسهم في فرض اعادة النظر في طريقة عمل المؤسسة الدولية التي تتعرض لضغوط واشنطن، واحياناً الى تهديداتها بوقف التمويل والامتناع عن تسديد الالتزامات المطلوبة.
لقد افرغ نظام الفيتو الذي يعطي الولايات المتحدة الحق في تعطيل كل قرار يعارض توجهاتها، مجلس الامن من مضمونه كحافظ للسلم والامن العالمي وضابط للعلاقات بين الدول. وافقد الهيئة الدولية اعتبارها في نظر الشعوب، وحولها الى هيئة عاجزة لا حول لها ولا قوة، ولا معنى لاستمرارها ووجودها، اذا لم تكن قادرة على تحقيق اهدافها وفق ما يكفله ويحدده الميثاق. كما احالتها الضغوط الامريكية وسياسات الابتزاز والترغيب والترهيب تجاه هذه الدولة العضو وتلك، الى اداة طيعة في يد واشنطن، والى محكمة تصدر القرارات التي تشرع العدوان، والاحكام التي تفرض الجوع على الاطفال والنساء والشيوخ، وتحرمهم من الدواء والعلاج في العراق، وتواصل الحصار ضدهم في ليبيا وكوبا والسودان.
ان فقدان الهيئة الدولية لفاعليتها ولقدرتها وتأثيرها، سوف يعيد العالم الى العصر الاستعماري القديم، والى سياسة الحروب والمواجهة بين الدول، والى تهديد مصائر الشعوب، بل والحياة على الارض بفعل ما لدى البعض من اسلحة نووية وذرية وهيدروجينية. وهو الامر الذي لا تقبل به اي من الدول عندما تحس ان هناك خطراً من هذا القبيل يمكن ان ينشأ.
لقد جاء تشكيل هيئة الامم المتحدة واعتماد ميثاقها من اجل الحفاظ على علاقات سلمية بين الدول، وعلى احترام وتعاون مشترك بينها، ومن اجل تكريس حق الشعوب في تقرير مصائرها واختيار اشكال تطورها التي تريد، وتأمين سيادة دولها واستقلالها، ومنع التدخل في شؤونها الداخلية من قبل احد. وكذلك لحفظ السلم والامن الدوليين، ولايجاد احكام يتم على اساسها حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية. ولوقف سياسات الحروب التي كانت تنفذها القوى الاستعمارية فيما بينها خلال صراعها على مناطق النفوذ.
وهو ما دفع الدول الاستعمارية في نهاية الحرب العالمية الثانية الى الالتقاء والتفاهم، بعيداً عن لغة الحرب التي بدأت تهدد كل الاطراف بالخطر الجسيم، بسبب التطور الذي حصل في مجال قدرة الاسلحة، وبسبب ظهور قوة اخرى مخالفة للنهج والاهداف التي تطبع الامبراطوريات والدول الاستعمارية، وهي القوة السوفياتية في ذلك الحين التي الحقت الهزيمة بالمانيا الهتلرية ورفعت العالم السوفياتي على " الرايسختاغ ".
ان تلك الدول مدعوة لاعادة الاعتبار لنفسها، وللحفاظ على مصالحها وعلاقاتها مع العراق ومع غير العراق، لان الهياج الامريكي ان لم يجد من يوقفه، فسوف يطال بلداناً اخرى في شرقنا الاوسط وفي سواه. فهي لن تتورع في يوم عن اللجوء الى القوة وحشد الاساطيل، حتى اثناء وجود القطب الاخر، الذي كان يناوؤها ويحاول ان يضع في وجهها السدود. فقد غزت غرينادا الجزيرة الوادعة الصغيرة، وغزت هاييتي ولبنان الذي ارسلت الى ساحله البارجة " نيوجيرزي "، واسكنت عند مداخل عاصمته فرق المارينز، ولم تخرج من هناك الا بعد مقتلهم بفعل تفجير شديد.
لقد سبق واعلن المسؤولون الروس وفي مقدمتهم الرئيس " يلتسين " ان العدوان على العراق سيطال المصالح الروسية والدولية هناك، وانه سيتسبب بالحاق الضرر الفادح لشعوب المنطقة والعالم وبينها الشعب الروسي المجاور للمنطقة، ووصف خطورة الهجوم بانها قد تؤدي الى حرب عالمية ثالثة. وقال وزير دفاعه " جيرنوفسكي " بان اوامر التفتيش اليوم تتعلق بقصور العراق، ولا ندري اذا ما صدرت اوامر بعد ذلك لتفتيش القصور الروسية.
ان الموقف الدولي حساس وخطير، في ظل سعي واشنطن الى الهيمنة على العالم وشعوبه وحكوماته ودوله. وهو يفرض ان يفشل المسعى الامريكي للحصول على تفويض من مجلس الامن يجيز لها اللجوء الى القوة ضد العراق بشكل تلقائي، دون الرجوع الى المجلس اذا لم يقم العراق بتطبيق الاتفاق الذي توصل له امين عام الامم المتحدة كوفي عنان، او وضع العراقيل امام تنفيذ مهمات التفتيش الجديدة على افضل شكل!!
ان هذه الحيلة الامريكية واضحة ومكشوفة لا تنطلي على احد، الامر الذي دفع الرئيس الفرنسي جاك شيراك لاعلان معارضته لهذه " الفكرة "، معتبراً ان توجيه ضربة عسكرية هي خطوة بالغة الخطورة تتطلب مناقشتها في المجلس لانها تنفذ باسم المجتمع الدولي. كما عارضت روسيا والصين ايضاً هذه " الفكرة " الامريكية الخادعة.
ان الولايات المتحدة لم تحترم في يوم قرارات الامم المتحدة، ولا مبادئ القانون الدولي، بل على العكس من ذلك قامت دائماً بالتدخل في شؤون الدول، وفجرت حروباً اهلية هنا وهناك، وحروباً ثنائية بين هذه الدولة وتلك، واعتدت بقوتها السافرة على كثير من الدول والشعوب. واجهضت كل القرارات الدولية الخاصة بقضيتنا الفلسطينية، والهادفة الى احلال السلام والاستقرار في المنطقة. فقد حالت دون تنفيذ القرارين 242 و 338 القاضيان بانسحاب المحتل الاسرائيلي من الاراضي العربية التي احتلها سنة 1967، وحالت دون تنفيذ القرار 425 الخاص بالانسحاب من منطقة جنوب لبنان المحتل. اضافة الى قرارات عديدة تتعلق بمنع الاستيطان وعدم بناء مستوطنات في ارضنا الفلسطينية، وفي ارض الجولان السورية، وقرارات تمنع إسرائيل عن القيام باجراءات تهويد مدينة القدس وتغيير معالمها العربية الاسلامية والمسيحية. وقرارات تدعوها الى وقف ممارساتها بحق ابناء شعبنا، وبضرورة تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على المناطق التي تحتلها. وغير ذلك من القرارات.
وايضاً فهي تعدم الوسيلة اليوم، بل هي لا تريد ان تجدها من اجل حمل إسرائيل على تطبيق الاتفاقات الموقعة في البيت الابيض بحضور وشهادة ممثلي دول عدة بينها روسيا والاتحاد الاوروبي ومصر والاردن.
ان الذي يريد ان يحشد الاساطيل والبوارج وحاملات الطائرات بحجة حمل العراق على تنفيذ قرارات مجلس الامن، مطالب في اقل تقدير على دعوة إسرائيل بشكل واضح وصريح لتطبيق بنود اتفاقات السلام دون اجحاف، وللايفاء بكل الالتزامات والاستحقاقات المتعلقة بالفترة الانتقالية، بما فيها الانسحاب التام من المنطقتين " ب " و " ج " تمهيداً لبدء المفاوضات النهائية حول اعادة القدس الشرقية وازالة المستوطنات وتمكين اللاجئين من العودة الى اراضي وطنهم، وتعويض من لا يرغب منهم طبقاً لقرار الامم المتحدة 194 الذي ينص على ذلك.
لقد كان الهدف الامريكي مكشوفاً في سعيه لتدمير العراق دولةً وشعباً وحضارةً ومنشآت، واستبدال نظامه بعد ذلك بآخر عميل يضع نفط العراق وخيراته نهباً للاحتكار الامريكي، وفي طموحه للوصول بعد ذلك لفرض الاستكانة والاستسلام على شعوب وحكومات المنطقة العربية لارادة " اليانكي "، القادم بانواع الاسلحة الحديثة الفتاكة " ليضع الامور في نصابها الامريكي " بنفسه، بعد ان فشل في بلوغ ذلك بوسيلة اخرى.
ان النزعة العدوانية للولايات المتحدة الامريكية بحاجة الى مواجهة، والى موقف دولي قوي يحول دون تعريض مصالح ومصائر الدول والشعوب للخطر الذي قد تتسبب به في اي لحظة توجهات واشنطن، في عدوان تشنه على العراق او تشنه على اي بلد اخر.
ان مبادرة جريئة من عدة دول وبينها روسيا الاتحادية والصين وفرنسا، تعلن بوضوح معارضتها لاستمرار بقاء القرارات الدولية حكراً على رأي واحد، يقر منها ما يخدم مصالحه ويجهض ما يتعارض معها، وتطالب باعادة النظر في حق استخدام الفيتو، وتقترح ان تقر القرارات باغلبية اربعة اصوات من خمسة داخل مجلس الامن. ولا يتم الغائها الا باعتراض اثنين على الاقل من بين اعضاء المجلس الخمسة الكبار. ان مبادرة كهذه من شأنها ان تذكي آمال الشعوب التي ستخرج في تظاهرات احتفالية، متضامنة مؤيدة في جنوب العالم وشماله، ولابد لها ان تدفع دولاً عديدة نامية وغير نامية لاعلان انضمامها لمثل هذا المطلب، الذي يحرر الامم المتحدة وهيئاتها وفي مقدمتها مجلس الامن الدولي من هيمنة الولايات المتحدة وتعسفها.