Fateh

الكارثة والنكبة
الهجرة اليهودية الى فلسطين


لم يكن عدد اليهود المقيمين في فلسطين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، يتجاوز عشرة آلاف شخص. وكان هؤلاء يعيشون في بعض المدن الفلسطينية، حيث كانوا يشكلون عدداً كبيراً من الحجاج اليهود، الذين كانوا يتوافدون الى فلسطين، ابان الحكم العثماني، مدفوعين بالرغبة في زيارة الاماكن اليهودية المقدسة، وقضاء السنوات المتبقية من حياتهم فيها. وكانت هذه العائلات تعيش على المساعدات المالية، التي كانت تصلهم من الخارج، وخاصة من اليهود القاطنين في الامبراطورية الروسية.
وفي عام 1882، بدأ توافد نوع من المهاجرين اليهود جديد، بقصد انشاء مزارع للاجئين اليهود الفارين من المذابح، ولم يكن هناك اي هدف سياسي ظاهر. ووصل عدد اليهود، في تلك الفترة، الى ما يقارب 24 الف شخص، استفادوا من اموال ممولين يهود، ومن ابرزهم ادمون روتشيلد وموزس مونتفيوري.
وبعد ذلك تضافرت عدة عوامل في نشوء الفكرة الصهيونية، التي كانت تقول بضرورة انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان من ابرزها:-
1- تعرض اليهود في روسيا القيصرية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهذا ما ادى الى تخوف اليهود من خطر الابادة الجماعية.
2- استمرار الحملات المعادية لليهود في دول اوروبا الغربية، والمصاعب التي واجهها اليهود في محاولتهم الاندماج في المخيمات غير اليهودية.
3- تأثير الافكار الاوروبية القومية التي سادت في الدول والشعوب الاوروبية.
4- تأثير الدين اليهودي وسماته القومية، الذي بشر لمئات السنين بأن عذاب اليهود واضطهادهم، لن يزول، الا باعادة بعث الاستقلال اليهودي في فلسطين.
وقد رفض عدد كبير من المفكرين اليهود فكرة اندماج اليهود في المخيمات القائمة، واكدوا على ضرورة احياء اليهودية في وطن خاص باليهود، واعتبر بعض هؤلاء المفكرين، ان التشريعات القانونية، التي منحت المساواة للجاليات اليهودية، في دول اوروبا الغربية، تشريعات يمنحها غير اليهود، بينما يجب ان تكون هذه التشريعات من عمل اليهود انفسهم.
وشكلت هذه الافكار ارضية، اعتمدتها مجموعات المتحمسين لفكرة بعث الشعب اليهودي، وحل المشكلة اليهودية. وتأسس في مدينة ادريسا الروسية، جمعية "احباء صهيون" 1881، وفتح لها فروع في مراكز التجمعات اليهودية المختلفة، بهدف تنظيم الهجرة والاستيطان في فلسطين.
ثم لم تلبث هذه الافكار، ان تطورت، لكي تصبح جزءاً من العملية الاستعمارية، التي كانت سائدة في ذلك الوقت، واصبحت فكرة انشاء الوطن القومي في فلسطين، جزءاً من الجدار الواقي، الذي كانت تسعى اوروبا لتشكيله في مواجهة اسيا، وموقعاً متقدماً للحضارة الغربية، لحماية مصالحها الاقتصادية. وبذلك نالت الافكار الصهيونية، دعم الدول الاوروبية الغربية، وقدمت هذه الدول كل ما يساعد اليهود في تنفيذ فكرتهم، التي التقت مع حركة التنوير اليهودية، الداعية الى حكم العقل في مواجهة الافكار الغيبية، والهيئات الدينية المختلفة في داخل التجمعات اليهوديةـ في ايجاد الحل الوحيد للمشكلة اليهودية، عن طريق اخراج اليهود من وسط الشعوب الاخرى، واقامة دولة منفصلة لليهود، يعيشون فيها في مأمن من القمع والاضطهاد.
في الفترة الممتدة ما بين عامي 1882، وحتى بداية الحرب العالمية الاولى عام 1914، قدمت الى فلسطين، موجتان رئيسيتان من المهاجرين اليهود الى فلسطين. وقد استمرت موجة الهجرة الاولى من عام 1882 وحتى عام 1903. دخل خلالها الى فلسطين حوالي 25 الف مهاجر يهودي، اكثرهم من دول اوروبا الشرقية. وانشئت خلال هذه الفترة 19 مستوطنة، سكنها عدد قليل من هؤلاء المهاجرين، بينما تركز الباقون في المدن، وعاد عدد آخر الى بلادهم الاصلية، لعدم تمكنهم من التأقلم في فلسطين وظروف المعيشة فيها.
استمرت موجة الهجرة الثانية، التي بدأت عام 1904، الى عام 1913، دخل خلالها فلسطين، ما يقارب 40 الف يهودي، شكلوا البداية الجدية لارساء اسس الوجود اليهودي في فلسطين، حيث كان الجزء الاكبر من هؤلاء المهاجرين، يتكون من الشباب المتأثرين بالافكار الاشتراكية، وبأهمية العمل الانتاجي. ولكن اشتراكهم كان ذا طابع قومي، وتركز على اولوية اعادة تكوين الشعب اليهودي.
وقد تلقى هؤلاء المهاجرين مساعدات مادية من المنظمة الصهيونية، لكي تسهل عملية الاندماج. وقد بلغ عدد المستوطنات الزراعية اليهودية في فلسطين، حتى هذا الوقت، حوالي 40 مستوطنة، يعمل فيها 12 الف يهودي.
ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى، انخفض عدد اليهود في فلسطين، بسبب انهاء السلطات العثمانية نظام الامتيازات الاجنبية، الذي كان يكفل حماية الدول الاجنبية لرعاياها المقيمين في البلاد، فظهرت الحركة الصهيونية ضعيفة ومفككة. ولم تنجح المحاولات الجبارة، التي بذلتها هذه الحركة، في زرع الصهيونية، في صفوف الجاليات اليهودية في الدول الاوروبية، فقد كان عدد اليهود الذين هاجروا الى فلسطين، لا يشكل الا نسبة ضئيلة، من عدد اليهود الذين هاجروا من دول اوروبا الشرقية، الى دول غرب اوروبا والامريكتين، والذي بلغ عددهم اكثر من مليونين ونصف مليون يهودي.
وهذا ما شكل هزيمة كبرى للفكرة الصهيونية، الداعية الى انشاء دولة خاصة لليهود في فلسطين.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست