Fateh

 

حل ازمة التفتيش مع العراق
لحظة دولية جديدة


- تشابك ازمة العراق والازمة الدولية
- التاريخ محصلة لكل النشاطات، والاتفاق يعبر عن لحظة تاريخية جديدة.
- القضية الفلسطينية تعود لبؤرة التركيز مع قوة دفع جديدة وكبيرة.
-
سيل التحليلات عن ادراة ازمة التفتيش للعراق، والوصول الى الاتفاق الذي اخرج المنطقة من حرب لازالت ظلالها قائمة، ستظل موضعاً للتحليل والتدقيق لاسباب عدة، ابرزها، ان هذه الازمة، مثلت ما مثلته حرب الخليج الاولى من اظهار وتوضيح لمعالم النظام الدولي الجديد، ذو القيادة (الرأس) الواحدة بقيادة الولايات المتحدة، فان الازمة الاخيرة، القت بمعطيات جديدة دولياً واقليمياً، جعلت الاسترسال على الاقل، في تلك المقولة "الحقيقة" بمثابة مجافاة لوقائع عملية وموضوعية برزت وتعمقت في السنوات السبع الماضية، واعطت مؤشرات كبرى عن نزعة عالمية عارمة وجارفة لتجاوز قوانين واخلاقيات تلك المرحلة، الى نظام دولي اكثر عدلاً وتوازناً بين اطرافه، ولعل نجاح الامين العام للامم المتحدة السيد كوفي عنان تحديداً في صياغة الاتفاق الجديد مع العراق، بمثابة الانتصار لهذا المنحنى الدولي، الذي بدا اكثر اصراراً من اي لحظة سابقة على اعطاء المؤسسات الدولية بعدها الاخلاقي حتى تستطيع ان تفض الاشكالات الدولية والاقليمية من موقع "الحياد والعدل" عوضاً عن منطق الاستفراد والتفرد الذي ساد في الحقبة الاخيرة.


البعد الدولي في ازمة العراق:
كان الوشاج الدولي ومنذ لحظة بداية التوتر في موضوعة المفتشين مع العراق، ظاهراً وبيناً، من خلال اختلاف اللغة، بين الامريكيين والبريطانيين (الانجلوساكسون) الداعيين للحرب والقتال وحشد الاساطيل وتقسيم العراق عملياً رغم تداعياته الاقليمية من جهة، ومن جهة اخرى المواقف العالمية الاخرى روسيا وفرنسا والصين ومعهما الشريحة الاوسع من دول العالم الاخرى، وان كانت هذه المواقف بدرجات متفاوتة الى ان ما جمع بينها هو رفض الاسلوب والخيار العسكري، واعطاء الدبلوماسية الفرصة الاولى للتعامل مع الازمة وحلها.
وضمن هذين الموقفين لعب الرأي العام الدولي دور اللاعب الابرز في تلك المساحة الكبرى، الى جانب الحل السياسي، ولعل الذروة في هذا الدور والتأثير، تمثل في جامعة اوهايو، فالمعلومات تقول بأن اركان الادارة الاميركية ذهبوا للجامعة ومعهم محطة C.N.N الاعلامية لتجنيد الرأي العام الامريكي والدولي. لأخذ الموافقة النهائية على الضربة العسكرية، التي وصلت تحشدها وقرارها الى الساعة صفر. ولكن طلاب الجامعة بأسئلتهم ومحاوراتهم المعبرة عن عمق الرأي العام الدولي المناهض للحرب، افشل الخيار صفر من جهة، ووجه للادارة الامريكية رسالة قوية برفض العنصرية وخاصة ذلك التساؤل الكبير لماذا العراق فقط، دون اسرائيل" وغيرها؟ والذين يملكون ما يملك العراق من اسلحة الدمار الشامل، او ينتهكون قرارات الشرعية الدولية؟؟!


ان التشابك الدولي ارتبط في هذه الازمة من حول ثلاثة امور:
الاول : طريقة القيادة الامريكية في النظام الدولي الجديد، هذه الطريقة التي اخذتها الولايات المتحدة ذريعة تمد قوانينها التي تخدم مصالحها، الى الدول الاخرى، بما فيها الدول الكبرى، ونموذج هذه الامتداد القانوني" قانون دامتو" الذي يمنع كل الدول عن اقامة علاقات ومشروعات مع دول تضعها امريكا على قائمة الارهاب، بما لا يتجاوز الاربعين مليون دولار، وهو الامر الذي تجاوزته فرنسا وروسيا في عقد صفقة القرن للغاز مع ايران من خلال شركة توتال الفرنسية ومعها شركات روسية وماليزية وكانوا بذلك يعبرون عن اسلوب وطريقة تغايير تماماً الطريق والاسلوب الامريكي في الدفاع عن مصالحهم، وهو نفس الامر الذي ينطبق على الصين في موضوعات اخرى. وحتى الدول الاوروبية الاخرى.
الثاني: الصراع الكبير بين الاطراف الدولية من حول "النفط" واسعاره لما لهما من دور مؤثر في شكل التطور الاقتصادي والاقتدار المالي، فالولايات المتحدة، تريد ان تكون مالك النفط من جهة ومن جهة اخرى وكيل توزيعه ومحدد اسعاره، ولايخفي مقدار ما يتركه هذا التحكم من تأثير على موقع وقدرة وتطور القوى الدولية الاخرى.
الثالث: اختلال المعادلة الدولية في اكثر من مكان في العالم على مساحة افريقيا واسيا واوروبا ذاتها، في ظل النظام الدولي احادي القطبية، والذي جعل مسارات كثير من الدول اما في الاتجاه الامريكي، واما فتح مجالات المعارك والقلاقل في الاماكن التي تخص اياً من القوى الكبرى، الى جانب مؤشر الازمة المالية التي تعصف بدول جنوب شرق اسيا، والتي اعطت نموذجاً على ان الدول لا تستطيع النمو اكثر من الحد الذي يحدده سقف الولايات المتحدة، والانهيار المالي في تلك الاماكن وخاصة ان بعضها قريب للسياسة الامريكية. مما جعل لدى القوى الدولية الاخرى مكاناً لمشروعية السؤال اذا تعاملوا هكذا مع من هم قريبين من مواقفهم. فكيف سيفعلون مع الاخرين؟


في المستوى الاقليمي :
وفي اللحظة الملائمة، ومن خلال ازمة العراق، التقت تلك الظروف الملائمة مع الواقع الاقليمي في المنطقة الذي وجد نفسه امام معطيات ثلاث كبرى وهي:
اولاً: ان ضرب العراق واحتمال تقسيمه، سيترك اثاراً عميقة على استقرار التجمعات الكبرى في المنطقة اولاً، وعلى باقي الكيانات الاخرى، فاستقلال شمال العراق يرعب تركيا ويترك مشكلات لسوريا ولا يرضي ايران، ونفس الامر في حالة اقامة دولة شيعية في جنوبه بما يتعلق بدول الخليج العربي.
ثانياً عدم قدرة الدول العربية على سداد فاتورة الحرب نظراً للاعباء المالية الاعجازية التي خلفتها الحرب الاولى سنة 1991 ولازالت تنوء تحت وطأتها.
ثالثاً: ان سياسة الولايات المتحدة، بإخفاض سعر النفط، ارهق دول الخليج مالياً، وان مسايرة الوضع كما هو وخوض الحرب ضد العراق، سيجعل من ورقة النفط وتسعيره بالجيب الامريكي كاملة، بغض النظر عن حاجيات واحتياجات دول المنطقة.
ان تضافر العوامل السابقة مع عامل التلكوء الامريكي في عملية السلام في منطقة الشرق الاوسط، والتعامي والتغاضي عن سياسات نتنياهو شكل عاملاً للسؤال عن مصداقية الولايات المتحدة واهدافها من جهة، وعمق معنى الرسالة التي قالتها دول الخليج والدول العربية وخاصة مصر في مؤتمر الدوحة والقمة الاسلامية في طهران، هذا الى جانب اختلاف الظروف الموضوعية عن حالة احتلال الكويت سنة 1991، والميل الجارف للرأي العام المحلي داخل هذه الدول والمنطقة نحو التعاطف مع شعب العراق والمطالبة برفع الحصار الظالم عنه.

ما بعد الحل السياسي :
في قياس الربح والخسارة من سياسة حافة الهاوية التي مورست بضغط شديد في الازمة الاخيرة، يمكن التأكيد ان كل القوى التي دعت للحل السياسي للازمة خرجت منتصرة، اما دعاة الحرب، فهم على الاقل مدعوون لقراءة العالم ومتغيراته وخاصة سياسة المعايير المزدوجة من جديد، وهنا يمكن ان نتجرأ لنؤكد، ان ملامح وضع عالمي جديد، فيه دور للاخلاقية الدولية، وفيه دور للاخرين، بدأ يطل بوضوح. وسيكون مناقضاً لدور الاستبعاد والاستفراد والقوة الواحدة، وشلل المنظمات الدولية. وهذه الصورة التي تحتاج لتراكمات اخرى هنا وهناك، ستعطي مناخاً اكثر ايجابية للعالم الثالث الذي ينوء تحت ضربات "العولمة" وقرارات الغات، واجراءات صندوق النقد الدولي التي اعتدت على الخصوصية بمعناها الحضاري والاقتصادي والسياسي.


فلسطين والتقدم للامام :
ان قضية فلسطين، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، عادت بمجريات وقائع الازمة في الخليج من جهة، وبوقائع سياسات نتنياهو من جهة اخرى، ومنهج الكيل بمكيالين والتطبيق بمعيارين، لتأخذ اولويتها من جديد، مستفيدة هذه المرة، من قوة دفع كبرى، ومن رأي عام دولي ثبتت قوته وعمق تأثيره (علينا ان نعمق نضالنا وبقوة لكسب معركة الرأي العام وادخالها في حسابات الصراع من اجل تطبيق الاتفاقيات الموقعة).
ان الامم المتحدة بعد توقيع امينها العام كوفي عنان للاتفاقية مع العراق. يجعل من الامم المتحدة واحدة اخرى اكثر قوة من ذي قبل، ومعبرة عن الشرعية الدولية اكثر من ذي قبل. فعلينا استخدام هذا الاطار بمعناه الجديد وبقوة تأثيره. لتنفيذ قرارات الامم المتحدة الخاصة بفلسطين.
والولايات المتحدة ضامنة الاتفاقيات، تبدوا اليوم واكثر من اي وقت مضى، مطالبة بان تكون اكثر الزاماً اخلاقياً على الاقل - للعمل على تطبيق الاتفاقيات الموقعة، لانها الطرف الوحيد الذي يملك القدرة على الفعل في هذا المجال بعد انكشاف مقولة نتنياهو وذريعته بتشكيلته الوزارية التي لا تحتمل الانسحابات، فاتفاق الخليل وبذات التحالف وقعه الكنيست بأغلبية ساحقة. ويمكن القول في هذا المجال ان الكرة بالملعب الامريكي.
واضافة الى نضج الواقع الاقليمي، الذي يمكن تطويره الى افاق اعلى، لانتاج سياسات تؤدي عملياً الى تطبيق الاتفاقيات، ولعل الدعوة التي وجهها الرئيس ياسر عرفات لعقد قمة عربية، تبدوا الان اكثر من ضرورية لعقدها واعادة ترتيب الوقائع والحقائق بما يخدم المصلحة العربية وفي جوهرها قضية فلسطين ودحر الاحتلال عن اراضينا المحتلة وفقاً لمرجعية السلام" الارض مقابل السلام وتطبيق الاتفاقيات على اساس قراري مجلس الامن 242، 338.


لماذا تستمر الحشود في الخليج :
ويلوح سؤال اخير، يبرره بقاء الحشود الامريكية البريطانية في مياه الخليج العربي، وتردده افواه الجماهير، وهو هل يمكن ان تقبل اميركا بما حصل، وبالاتفاق الموقع؟ وما هي تبريرات هذه الحشود؟ وهل هناك شيء يحاك في الخفاء هنا وهناك؟ هل هو استعراض للقوة وللادعاء، بأن القوة والحشود هي التي جاءت بالاتفاق، وليست المتغيرات الدولية وعقلانية التحرك العراقي، وقوة الرأي العام الدولي وقوة الموقف العربي والاقليمي. هل هو تداعي للحد من الخسارة، او هو اجراء تخويفي لدول اخرى غير العراق ضاقت من خناقها. الذي يولد الازمات باستمرار؟
ان كل التساؤلات السابقة مشروعه، ولكن ما يجب رؤيته، ان اللحظة التي وقع بها الاتفاق، كانت نتاج وضع عام، والوضع العام بنتائجه يدلل على سياق تاريخي، وعلى صحة اسلوب او اساليب، ورفض اسلوب واساليب. " ان العالم لا يستطيع ان يظل سائراً بدون مكان للعدل والانصاف والتوازن، وقيمة حل الازمة الاخيرة، انها اعطت الامال للشعوب كلها. ان بالامكان ان يعود العدل والانصاف والتوازن". للعالم وللشرعية الدولية، انها مناخ افضل للشعوب الباحثة عن حريتها وتطورها الحضاري والاقتصادي بعيداً عن الهيمنة والتبعية، فنحن في مرحلة، بدأت ملامحها تقول " باي باي " نظام دولي احادي القطبية.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست