من الذي اوقف الحرب ؟؟!
اين تكمن اهداف استخدام القوة الامريكية؟
اذا كان هدف الحشود الامريكية في الخليج هو تأكيد التزام العراق بتنفيذ ما تم التوقيع عليه بشأن اسلحة الدمار الشامل، فان هذه القوة الامريكية تكون قد حققت اهدافها. اما اذا كانت لها اهداف اخرى فان صاعق التفجير الذي تم نزعه من العبوة الناسفة لايزال في متناول اليد الامريكية، التي يمكنها ان تعيده لتصل بالعالم الى حافة الهاوية من جديد.
وكما كانت أهداف استخدام القوة الامريكية في العام 1991 ليست انسحاب القوات العراقية من الكويت. وانما كانت تستهدف الحفاظ على مصالح امريكا الحيوية والاستراتيجية والمتمثلة أولاً: في السيطرة على نفط الخليج بما في ذلك نفط العراق. وثانيا: تدمير القوة العسكرية العراقية للحفاظ على التفوق العسكري الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط. وثالثاً: تكريس نظام عالمي جديد يقوم على اساس الهيمنة الامريكية وعالم القطب الواحد. ولكي تحقق امريكا اهدافها عام 1991 كان لابد لها من شن الحرب العدوانية على العراق تحت مظلة الشرعية الدولية من جهة، والشرعية العربية من جهة اخرى. اضافة الى مباركة الشرعية الامريكية الشعبية والرسمية للعدوان. وعلى الرغم من كثافة الحشود وفداحة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالعراق، الا ان الصمود في مرحلة ما بعد الحرب كان كافياً لكي يعلن عن فشل امريكا في تحقيق اهدافها. فلم تسيطر على العراق، وبعد سنتين من نسج ملامح نظام القطب الواحد في النظام العالمي الجديد، قام الشعب الامريكي باسقاط الرئيس بوش والحاق الهزيمة بحزبه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية والكونغرس. اما اسلحة العراق فقد اصبحت تشكل مجالاً جديداً للسياسة الامريكية في محاولة لاستخدام قرار تدميرها ونزعها من اجل استكمال اهداف الهيمنة التي تلاشت على صخرة صمود الشعب العراقي في مواجهة ابشع الحصارات في تاريخ البشرية.
لقد وجدت الادارة الامريكية ضالتهافي القرار 687 الذي شكلت بموجبه لجنة خاصة لتنفيذ عمليات تفتيش موقعية لازالة قدرات الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية والصواريخ البالستية التي يتجاوز مداها (150) كم. وكذلك كلفت اللجنة الخاصة وبمساعدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بتفكيك امكانات اسلحة العراق النووية. لقد عمدت الادارة الامريكية منذ البداية على التحكم في مصير اللجنة الخاصة، فقامت بعملية الاسناد الاساسية بما يشمل التمويل، وتأمين المعدات المتخصصة وخدمات الاسناد والاشخاص لملاك ولفرق التفتيش وخبراء لتقديم الاستشارة والمعلومات، ولتسهيل هذا الدعم وضمان استمراره فقد تم انشاء دائرة لاسناد اللجنة الخاصة في وزارة الخارجية الامريكية. وقد تم ربط هذه الدائرة مع دائرة منع الانتشار الاقليمي في مكتب الشؤون العسكرية السياسية التابع للوزارة. وتنسق دائرة الاسناد التي تدير الاعمال مع المكاتب الاخرى ذات العلاقة في وزارة الخارجية الامريكية وبينها مكتب الاستخبارات والابحاث ومكتب شؤون الشرق الادنى. وتتمثل في لجنة الاسناد الاجهزة الحكومية التالية: وكالة السيطرة على الاسلحة، وكالة نزع السلاح، وزارة الطاقة، رئاسة الاركان المشتركة. مركز خطر الانتشار التابع لوكالة الاستخبارات المركزية. ودوائر وزارة الدفاع ووكالة التفتيش الموقعي. وقد عين وزير الدفاع الامريكي في حزيران 1991 وكيل الوزارة للشؤون السياسية ريجارد جيني كوكيل تنفيذي للاسناد الذى تقدمة وزارة الدفاع للجنة الخاصة. وبهذا اصبحت مطالب اللجنة الخاصة المتعلقة بالاسناد تمرر من خلال دائرة الاسناد التابعة للجنة الخاصة الى مكتب وزير الدفاع. ويصادق على هذا المطلب وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية بالتنسيق مع رئاسة الاركان المشتركة. ويقدمها الى وكالة التفتيش الموقعي والتي بدورها تكلف مجاميع مناسبة من وزارة الدفاع لانجاز تلك المطالب. بالاضافة الى كل هذا، فقد تم تعيين ضباط ارتباط في كل من البنتاجون ومقر اللجنة الخاصة. لضمان سير عملية التفتيش واستمرارها الى حين تحقيق اهدافها التي عبرت عنها وزيرة الخارجية اولبرايت اكثر من مرة بقولها (ان العقوبات ستستمر طالما بقي صدام في السلطة).
تلك هي آلية عمل اللجنة الخاصة للتفتيش وارتباطها المباشر بالادارة الامريكية بعيداً عن سيطرة مجلس الامن والامين العام الحقيقية. ولقد امسك العراق بالحلقة المركزية على الارض عندما عارض قبل اشهر زخم التواجد الامريكي في لجنة للتفتيش قوامها خمسة عشر شخصاً منهم تسعة امريكيين واربعة بريطانيين. وبدل ان يقوم رئيس اللجنة الخاصة "بتلر" باعادة التوازن في تشكيله للجان. قام بسحب كل المفتشين تضامناً مع المفتشين الامريكيين الذي منعهم العراق من المشاركة في اللجان. وكانت تلك الازمة التي تزامنت مع مؤتمر الدوحة ومع الطريق المسدود في وجه عملية السلام بسبب سياسات نتنياهو مما جعل امريكا تشعر بأن سيطرتها على دول الخليج، وخاصة العربية السعودية، آخذة في الاهتزاز والضعف. وقد عزز هذا الشعور المؤتمر الاسلامي في طهران، مما فرض على الادارة الامريكية اعادة حساباتها وانتقالها لقضية تفتيش القصور الرئاسية بهدف دفع العراق للوقوع في شرك التهور والعناد الذي يؤدي الى ضربه واذعانه.
لم تكن حسابات الادارة الامريكية متطابقة مع الوقائع على الارض. فالشرعية الدولية التي شكلت الغطاء لعدوان 1991 لم تعد قائمة. وقد تميز دور روسيا الاتحادية في هذه الازمة عن دور الاتحاد السوفييتي في ازمة 1991 بشكل واضح. ففي الوقت الذي تمارس فيه روسيا الاتحادية دورها الاممي بما يعبر عن انبعاث حضاري جديد لدولة تريد ان تحتل مكانها اللائق في النظام العالمي المتعدد الاقطاب، فان الاتحاد السوفييتي، الذي كان يعاني من مرحلة انهياره وتفككه عام 1991، مارس بما ادى الى انسحابه من نظام القطبية لدرجة انه باع موقفه الذي كان يرفض فيه العدوان العسكري على العراق، مقابل اربعة مليارات من الدولارات، كما اشار وزير الخارجية بيكر في مذكراته. هذا التحول في الموقف الروسي شكل دعامة اساسية في الغاء غطاء الشرعية الدولية. وقد شاركت الصين بموقفها المبدئي الرافض للعدوان العسكري الامريكي من جهة والدافع نحو نظام عالمي متعدد الاقطاب من جهة اخرى. والى جانب هذين الموقفين لدولتين لهما حق الفيتو في مجلس الامن. لعبت فرنسا دور بيضة القبان. فهي وعلى الرغم من ارتباطها بعهود ومواثيق مع الولايات المتحدة.. الا ان موقفها كان متميزاً عن موقف بريطانيا التي وضعت نفسها في موقع التبعية المطلقة لامريكا. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحذر العراق من عدم الالتزام بقرارات الشرعية الدولية. كانت تعطي الاولوية القصوى للحل الدبلوماسي، وبما يجعل اهداف الصخب الامريكي البريطاني كله ينحصر في موضوع التزام العراق بتنفيذ قرارات التفتيش وازالة اسلحة الدمار الشامل.
لم تسلم فرنسا لامريكا بحقها في السيطرة المطلقة على بترول الخليج واضافة بترول العراق الذي تسعى لاقتناصه. فقد ارتبطت فرنسا مع العراق بعقود شراء لكميات من هذا البترول لفترة ما بعد الحصار. فهي بذلك تدافع عن مصالحها الخاصة في العراق والتي لا تقف عند حد العلاقات النفطية وانما تتجاوزها الى مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة. وهذه المصالح الخاصة هي ايضاً التي دفعت روسيا الاتحادية ان تلعب دورها الفاعل في اضعاف النفوذ الامريكي والحد من سيطرته على المخزون الاستراتيجي العالمي للطاقة. وهكذا هو موقف الصين الشعبية. الامر الذي اسقط بشكل واضح وصريح غطاء الشرعية الدولية ورفض اعادة استخدام قرار مجلس الامن 687 كأساس لتكرار استخدام القوة العسكرية بصورة تلقائية ضد العراق. وقد كان لموقف هذه الدول الثلاث دورها في اعادة الاعتبار الى مجلس الامن. والى هيئة الامم المتحدة والى امينها العام كوفي عنان الذي لعب دوراً فاعلاً وحاسماً في انتزاع غطاء الشرعية الدولية من اصبع وزناد الادارة الامريكية الى حظيرة مجلس الامن.
اما الشرعية العربية والاقليمية التي تمتعت بها امريكا. واستغلتها بأبشع الاساليب من اجل احداث الشرخ العربي، وتكريس التجزئة والتخلف والتبعية فقد انحصرت في هذه الازمة عملياً بدولة واحدة هي الكويت. وقد كان لمصر والسعودية وسوريا، موقفاً متميزاً وهي دول شاركت في الحرب العدوانية على العراق عام 1991 تحت راية الولايات المتحدة وتحت مبرر ازمة العراق والكويت التي كان يجب حلها في اطار الجامعة العربية لولا تعارض ذلك مع مصالح امريكا في حينه. هذه الدول وقفت لتنزع عن امريكا اي حق باستخدام القوة ضد العراق. وهي في الوقت نفسه كانت تطالب العراق بتنفيذ الالتزامات التي تفرضها عليه قرارات الشرعية الدولية. مما دعم بشكل واضح الموقف الفرنسي الذي يحصر كل الازمة في هدف تنفيذ العراق لالتزاماته. لقد احيت هذه الازمة الاخيرة روح التضامن العربي بما يفتح الافاق نحو موقف عربي موحد تجاه قضايا الامة وخاصة القضية الفلسطينية وقضية السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الاوسط، الذي من شأنه ان يفرض على الولايات المتحدة استخدام معايير متوازنة في قضايا الصراع الدولي بعيداً عن الانحياز السافر والمعايير المزدوجة لصالح اسرائيل.
كان يمكن لامريكا ان تضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية كما تفعل في مساعدتها لاسرائيل، وكذلك بالشرعية العربية وتقوم بضربتها لتعزز دورها كشرطي القرن الواحد والعشرين، وتفرض بذلك نظامها وحيد القرن نظام الكركرن. ولكن السد الذي واجه الادارة الامريكية، وخاصة مع بروز ملامح الصهيونية الفاضحة في رموزها الداعمة للحرب مثل وزير الدفاع كوهين، ومستشار الامن القومي ساندي بيرجر ومارتن انديك وغيرهم. كان هذا السد يتمثل بالموقف الشعبي الامريكي الذي وقف يواجه دعاة الحرب بأنهم يغامرون بمصالح الولايات المتحدة وتشويه صورتها في العالم. مستذكرين تجربة الحرب الفيتنامية وويلاتها. وقد عزز الموقف الشعبي الامريكي ضد الحرب مجموعة الخبراء العسكريين والصحفيين والادباء الذين فندوا مزاعم الادارة الامريكية بقدرتها على تحقيق اهدافها دونما خسائر بشرية. فقد عبر توم كلانسكي احد ابرز الروائيين الامريكان، والذي يحظى باحترام في اوساط القيادة العسكرية الامريكية بسبب عنايته الكبيرة في رواياته بالتفاصيل التقنية للعمل العسكري، عبر عن سياسة كلينتون العسكرية بقوله، ان الرئيس كلينتون اذا استعمل القوة ضد العراق من دون تمهيد مناسب اولاً. فان ذلك سيكون جريمة اكبر بكثير من تلك التي يتهم بها الان في واشنطن" وهو يقصد الفضائح الجنسية، ثم يستطرد قائلاً:
"من التعابير المتداولة عملية الضربة الجراحية" ولكن هل هناك عملية جراحية تجرى بالقنابل؟ بل انها تجرى بالمشارط الصغيرة بأيدي اطباء على مستوى عال من التدريب. بالمقابل فان بامكان قنبلة وزنها الف كغم ان تقتل البشر على مسافة مئات الامتار من موقع الانفجار. ولا يعني شظايا القنبلة اذا كان هؤلاء نساء ام رجالاً، صغاراً او كباراً. لذا من الضروري قبل القاء القنبلة هذه ان نعرف ما هو الهدف؟ هل له ما يكفي من الاهمية لقتل او جرح اي شخص يكون قربه بالصدفة؟ من اوضح للشعب الامريكي لماذا علينا ان نرسل اولادنا الى الخطر؟ ومن عقد تحالفاً مع تلك الدول التي نحتاج فيها الى المساعدة لكي نستعمل قوتنا بنجاح؟. من حدد مواقع الاهداف التي يجب تدميرها؟ من قام بتهيئتها وتهيئة العالم للنتائج المريرة التي تأتي بهاحتى الضربة الناجحة؟ ماذا نحاول ان ننجز.؟ ما هو معيار النجاح؟ ما هو احتمال الفشل؟ ما نتائجه؟ هل هناك اي جواب عن هذه الاسئلة؟ ناهيك ان يكون جواباً مقنعاً يبرر القتل اذا كان هناك جواب فان احداً لم يره بعد".
ويضيف الجنرال برنارد ترينر معارضاً العملية العسكرية التي يبررها بعض القادة السياسيين، الامر يكان بالاطاحة بصدام حسين في حين يرى كبار المسؤولين العسكريين بأن (هنالك فجوة واسعة بين الاهداف السياسية التي طرحتها ادارة كلينتون وامكانات التوصل اليها عسكرياً، فهؤلاء المسؤولون يعتقدون ان الهجوم الجوي لن يقضي على برنامج صدام حسين التسليحي او يخرجه من السلطة. من هنا يبدون تشككهم في كل خطط القصف الجوي التي وصفها احدهم بأنها لا تتجاوز احداث حفر جديدة في الصحراء".
هذه الحقائق امام الشعب الامريكي تجعله يشكل السد في وجه المغامرة التي يتطلع صهاينة البيت الابيض لخوضها ضد العراق لاخراج نتنياهو من مازقه المتمثل بضرورة الالتزام بتطبيق ما تم الاتفاق عليه من قضايا المرحلة الانتقالية، بما فيها الافراج عن الاسرى والمعتقلين، ووقف الاستيطان واعادة الانتشار حسب الجدول الزمني الذي تضمنه بروتوكول الخليل وملحقاته.
لقد لعبت المواجهة التي عاشتها وزيرة الخارجية اولبرايت مع جماهير الشعب الامريكي وهي تحاول التسويق لشن الحرب دوراً فاعلاً في تغيير اللهجة وتغيير الاسلوب واعادة النظر بشكل واضح، مما جعل الادارة الامريكية تستسلم لارادة التوجه الشعبي وتوافق على رحلة الامين العام الى بغداد لنزع فتيل الحرب. ولكنها لم تستسلم بعد. لقد توقفت الحرب بسبب غياب الشرعية الشعبية الامريكية اولاً. والشرعية الدولية ثانياً. والشرعية العربية ثالثاً.. ولكي يستمر غياب المبرر فان زخم الموقف العربي يشكل استمراراً لضمان الموقف الدولي. وهو الامر الذي يساهم في استمرار الموقف الشعبي الامريكي.
ان مهمة الموقف العربي الذي اثبت فاعليته في الازمة بين امريكا والعراق ان يلعب دوراً هاماً في ازمة مسيرة السلام. وان انعقاد مؤتمر قمة عربي من شأنه ان يحقق انتصاراً مزدوجاً بتعزيز حماية العراق من اي عدوان هذا من جهة. ويدفع عملية السلام ليلزم الادارة الامريكية وروسيا الاتحادية راعيي مسيرة السلام بممارسة الضغوط اللازمة لقيام اسرائيل بتنفيذ التزاماتها حسب الاتفاقيات. وقرارات الشرعية الدولية.
وكما نجحت الامم المتحدة في ان تأخذ مكانها الطبيعي في الحفاظ على السلام والامن في الخليج. فانها ملزمة بأن تمارس دورها المتعلق بتطبيق قرارات الشرعية الدولية على قضية الصراع العربي الاسرائيلي بما يخدم مسيرة السلام الشامل والعادل والدائم.
وانها لثورة حتى النصر