في صفة المتحاربين
اعترف القانون الدولي صراحة بحركات المقاومة المنظمة كهيئات دولية مشروعة واعترف بكل حقوق المحاربين. وأكثر من ذلك فقد اعترف "للشعب القائم في وجه العدو" وحتى ولو لم يكن منظماً بنفس الحقوق.
فحركات المقاومة الشعبية المنظمة تخضع إلى نفس القواعد التي تحكم الحرب البرية في القانون الدولي، وهي اتفاقية لاهاي لعام 1907 ولائحة الحرب البرية المرفقة بها، واتفاقية جنيف المعقودة في 27 تموز 1929م، واتفاقيات جنيف الاربع المعقودة في 12 آب 1949م، والاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1949م.
ويخضع الاطراف المختصون في هذه المواثيق الدولية المذكورة اعلاه، من حيث الالتزام والتنفيذ والمسؤولية إلى ذات القواعد المحدودة للمخالفات والعقوبات فيها، والى قواعد العقوبات الاخرى المدونة في تصريح موسكو لعام 1943م، واتفاقية لندن لعام 1945م، واحكام محكمة نورنبرغ الدولية وميثاق هيئة الامم المتحدة.
ونعرض هنا صفة المتحاربين من الزاوية التاريخية والقانونية للائحة الحرب البرية لعام 1907م، في صفة المتحاربين.
يقول "بورتاليس" الحرب هي علاقة بين دولة ودولة ليست صراعاً بين مواطني هاتين الدولتين، لان حالة العداء تقوم بين الدولتين المتحاربتين اصلا ولا تقوم بين مواطنيها الا بشكل عرضي وبصفتهم مدافعين عن الدولة الخصم لا بصفتهم من مواطنيها.
وفي مدونته الخاصة بالقانون الدولي صاغ الفقيه الالماني بلونتشلي هذه القاعدة الهامة منذ اكثر من قرن بالعبارة التالية "الحرب هي علاقة بين الدول وليس بين الافراد، الدول المتحاربة هي متعادية بالمعنى الدقيق للكلمة، مواطنوا هذه الدول ليسوا اعداء لا فيما بينهم ولا بالنظر إلى الدولة الخصم".
وانطلاقاً من هذا المفهوم الخاص لعلاقة العداء يجب ان يحاول الطرفان المتحاربان الا يحملا الضرر لمواطني الخصم الا ضمن اضيق الحدود وفي ما لا يمكن تجنبه. وتقوم كل دولة بالحرب ضد الاخرى مستخدمة بعض وسائطها البشرية والمادية. وهذا القسم من الوسائط البشرية والمادية الذي يستخدم في الحرب هو الذي يتمتع الخصم بحق استخدام وسائل العنف والتدمير ضده، واما بقية الوسائط البشرية والمادية التي لا تستخدم في الحرب (مثل المواطنين المدنيين والاملاك الخاصة) فيجب ان يحاول الخصم عدم المساس بها ما امكن ذلك. وبكلمة اخرى يمكن القول انه يوجد في كل دولة من الدول المتحاربة مواطنون محاربون - وهم افراد القوات المسلحة ومن في حكمهم. ومواطنون غير محاربون - وهم المواطنون المدنيون ومن في حكمهم (مثل الشيوخ والنساء والاطفال والعجزة... الخ).
ومن اصل هذه الفئات جميعاً لا يحق للعدو ان يوجه وسائط قتله وتدميره الا تجاه فئة (المقاتلين) فقط، وبالمقابل لا يحق لغير هؤلاء المقاتلين مبدئياً ان يشتركوا في الحرب ضد العدو وذلك لئلا تعود الحرب من جديد صراعاً بين الافراد لا بين الدول فقط.
وبالرغم من اختلاف المعاملة بين فئتي المقاتلين وغير المقاتلين من افراد القوات المسلحة، فان المادة الثالثة من لائحة الحرب البرية قد اعطت الفئتين الحقوق الممنوحة لاسرى الحرب اذا سقطوا في ايدي العدو، حيث تنص المادة على ان "القوات المسلحة للاطراف المتحاربة يمكن ان تتشكل من مقاتلين وغير مقاتلين. وفي حال الاسر من قبل العدو يتمتع هؤلاء وأولئك بمعاملة اسرى الحرب.
وأما غير المحاربين - كالمواطنين المدنيين مثلا - فلا يحق لهم مبدئياً الاشتراك في اعمال العداء ضد العدو، وذلك مقابل ان يحاول العدو جهده عدم المساس بهم في عملياته العسكرية ضد المحاربين.
فقوانين وحقوق والتزامات الحرب لا تطبق فقط على الجيش ولكن ايضاً على الميليشيات ووحدات المتطوعين الذين تتوفر فيهم الشروط التالية.
1- يكون لهم رئيس مسؤول.
2- ان يحملوا علامة مميزة ظاهرة.
3- ان يحملوا سلاحهم علناً.
4- ان يلتزموا في نضالهم بقوانين وأعراف الحرب.
وقد جاءت هذه الشروط الاربعة لاول مرة في (تعليمات الجيش الامريكي) التي وضعها العالم فرانسيس ليبر للرئيس ابراهام لنكولن سنة 1863م، ثم تكررت في مشروع (بروكسل) لعام 1874م وفي (وجيزا وكسفورد) لعام 1880م، قبل ان تنص عليها المادة الاولى من لائحة الحرب البرية لعام 1899 ثم لعام 1907.
واذا توفرت هذه الشروط المذكورة اعلاه في أي منظمة عسكرية او شبه عسكرية فان هذه المنظمة تتمتع بنفس المعاملة المقررة للقوى المسلحة (وان كان افرادها ليسوا بالاصل عسكريين محترفين) وذلك مهما اختلف الاسم المعطى لها.
ففي هذا المجال يقول بلونتشلي بوضوح ان "وحدات المتطوعين يجب ان تعامل كجنود العدو النظاميين لما يكون افرادها منظمين بصورة عسكرية، ويقاتلون لاجل اهداف سياسية حتى لو كان ذلك بدون موافقة صريحة وعلنية من الدولة التي يتبعون لها".
والغاية من الشروط الاربعة المذكورة اعلاه هي ان يتمكن الخصم تمييز (المحاربين) من (غير المحاربين)، والاحتراس بالتالي من رجال المقاومة والثوار طالما انهم اختاروا الانسلاخ عن زمرة (غير المحاربين) لينضموا إلى زمرة (المحاربين) من جهة، والتمييز بين زمر الثوار التي تقاتل العدو بدافع من وطنيتها وعصابات الاشقياء التي تقاتله بدافع السلب والنهب من جهة ثانية.
وقد كان فقهاء وشراح القانون الدولي في اوائل هذا القرن يرفضون الاعتراف بصفة (المحاربين) لجماعات المقاتلين الثوار اذا كان افرادها لا تتوفر فيهم هذه الشروط الاربعة وكانوا يعطون للسلطة المعادية التي تضع يدها عليهم الحق في ان تعتبرهم من قبيل (المقاتلين غيلة) ويترتب على ذلك عدم تطبيق مبادىء اسرى الحرب عليهم ومعاملتهم بقسوة تتناسب مع درجة الضرر الذي سببوه لها.
ولما عمت الحروب التحررية العالم خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، نازع عدد كبير من فقهاء القانون الدولي الجدد في واقعية هذه الشروط الاربعة، وخاصة فيما يتعلق بالشرطين الثاني والثالث منها، اذ كيف يعقل ان نطلب من الفدائي او الثائر او المقاوم المرسل بمهمة سرية - تفجير مخزن اسلحة مثلاً - ان يميز نفسه بشارة خاصة او يحمل سلاحه بشكل ظاهر في ارض يحتلها جند العدو مع علمنا الاكيد ان في ذلك هلاكه المحتم؟ لذلك نجد انه بالرغم من ان اتفاقيات جنيف لعام 1949م، قد تبنت هذه الشروط الاربعة (مع بعض الضمانات التي منحتها للثوار في المادة الثالثة).
فان الفقه والتعامل الدوليين قد اسقطا من الاعتبار الشرطين الثاني والثالث من هذه الشروط، واكتفيا بان يكون هؤلاء المقاتلون منظمين وتابعين لقيادة مسؤولة (الشرط الاول) وان يلتزموا في نضالهم بقوانين واعراف الحرب (الشرط الرابع) لكي يستحقوا صفة (محاربين) ويصبح لهم الحق بمعاملتهم كأسرى حرب اذا سقطوا في ايدي العدو.
وقد تبنى الفقيه السويسري بول جوجنهايم رأياً في معرض معاملة الثوار حيث يقرر انه يحق لجماعات الثوار ان يأخذوا صفة المحاربين اذا كان شن الحرب امراً في مقدرتهم، واذا اقاموا نظاماً قانونياً يخضع لنظام القانون الدولي مباشرة.
اذن فقد جرت الدول والاعراف الدولية منذ القرن التاسع عشر على اعتبار "القوات المتطوعة" و "الشعب القائم في وجه العدو" حركات مقاومة شعبية منظمة. واعتبرت افرادها بحكم المحاربين، وقضت لهم بكل حقوق المحاربين عند الوقوع في الاسر او عند الاصابة بالجراح. وعلى هذا ايضاً جرى اجتهاد الفقه الدولي واجماع شُراح القانون الدولي.
اذن بعد كل ما تقدم اعلاه، فحركة المقاومة الفلسطينية، منسجمة كل الانسجام مع جميع الشروط اللازم توفرها لحركات المقاومة، بمقتضى المادتين الاولى والثانية من لائحة لاهاي للحرب البرية لعام 1907م والمادة (الرابعة) من الاتفاقية الثالثة من اتفاقيات جنيف لعام 1949م. وهي تبعاً لذلك حركة مشروعة يجب اعتبار افرادها في حكم القوات النظامية بالنسبة للقانون الدولي، ويجب امتداد صفة المحاربين إلى اسراهم وجرحاهم. لان التقيد بالتزام قوانين الحرب من قبل حركة المقاومة الفلسطينية كان شرطاً اساسياً من شرعيتها وقانونيتها وتمتعها بحقوق المحاربين.