اعلان تجسيد الدولة
حق وضرورة
لسنا في معرض الدفاع عن حقنا في اعلان تجسيد دولتنا الفلسطينية في الرابع من ايار القادم، الذي تنتهي عنده المرحلة الانتقالية، حيث اعتبره الاتفاق حداً أقصى لا يجوز للمرحلة الانتقالية ان تتجاوزه. ذلك ان هذا الحق يخصنا وحدنا، ويتعلق بتقرير مصيرنا بعد انتهاء مدة العمل بالاتفاق. وهو حق مشروع كفلته الشرعية الدولية ومبادىء الامم المتحدة التي تؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها وبناء شكل الحياة التي تريد.
وطالما ان الدولة الفلسطينية في عداد الامر الواقع، بشعبها وارضها وقرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 181، فان اعلان تجسيد الدولة يصبح امراً لا بد منه في هذه المرحلة، للانتقال من مرحلة الولاية على الارض إلى السيادة عليها، ولتكريس حقيقة ان طبيعة الصراع العربي الاسرائيلي تدور حول ارض محتلة، أُجلي سكانها الاصليون عنها بقوة الاحتلال، وليست اراض متنازع عليها في الضفة والقطاع.
ولان السياسة الاسرائيلية تتسم بالمراوغة وكسب الوقت، وتسعى لخلق وقائع جديدة بمصادرتها للارض، وممارسة أعمال الاستيطان وتهويد مدينة القدس عاصمة دولتنا المباركة، فان حاجتنا للاعلان تصبح ملحة، لحمل المجتمع الدولي على مواجهة مسؤولياته للمساعدة على انهاء الاحتلال الاسرائيلي لارضنا الفلسطينية، خاصة وان هناك (108) دول مستعدة للاعتراف الفوري بهذه الدولة حين اعلانها. وان هناك دولاً كثيرة اخرى ستبادر إلى الاعتراف بالدولة، وبينها الدولة الاوروبية واليابان.
ولان الحاجة ماسة - وهي هنا ليست فلسطينية فقط - لوضع حد لاوهام المتطرفين الصهاينة بان هذه الاراضي هي اراض اسرائيلية، بما يهدد بسبب ذلك عملية السلام برمتها والاستقرار في المنطقة، فان الاعلان يجب ان يتم، حتى يُسلم اؤلئك بحقائق الواقع، مثل آخرين من اوساط يهودية اصبحوا لا يستطيعون تجاوزها. فزعيم حزب "ميرتس" يوسي سريد يرى بأن الدولة الفلسطينية واقع قائم سواء اعترفت به اسرائيل ام لا. وان تجاهله امر غير ممكن. وزعيم حزب العمل الاسرائيلي السابق شمعون بيرس يعلن بأن وجود دولة فلسطينية ضروري لبقاء اسرائيل. وحتى أعتى المتشددين مثل اريئيل شارون يقول بأنه يقبل بدولة فلسطينية وان كان ذلك بشروطه الخاصة.
وحيث ان الفترة الانتقالية جاءت تمهيداً لوصول شعبنا الفلسطيني إلى حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره واقامة دولته على ارضه، فان الاعلان يجب ان يتم. وعلى المجتمع الدولي الذي يقر بأن الضفة والقطاع اراض احتلت عام 67، ان يعمل على ازالة الاحتلال في هذه الحالة، وان يسعى لتطبيق اسس العملية السلمية التي انعقد على ارضيتها مؤتمر مدريد وهي القرارين 242 و 338.
كما ان الاعلان الذي ينتهي عنده العمل بالاتفاق، ويتم التحلل من قيوده، سيقطع الطريق على قوى التطرف والاستيطان التي تسعى لنسف السلام، وتسعير سياسة التوسع والعدوان ضد شعبنا الفلسطيني. هذا من جهة، اما من الجهة الاخرى فان الاعلان سيفتح الباب واسعاً امام وحدة وطنية حقيقية، تقوم على تمسك الجميع بخيار الدولة، واعلان تجسيدها على كامل الارض التي جرى احتلالها عام 67، كمقدمة لتجسيد شروط الاستقلال الناجز.
ان انتهاء الاتفاق الذي تختلف الاجتهادات والمواقف حوله في الرابع من ايار، سيخلق مرحلة جديدة، تقوم على اسس جديدة، تنحصر في تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالانسحاب من الارض المحتلة، وبحق عودة اصحابها المشردين اليها، من مخيمات لجوئهم المنتشرة في المنطقة.
وسنجد عند ذلك بأن التأييد لخطوتنا، لا يتوقف على الدول العربية الشقيقة وعلى دول عدم الانحياز والدول الاخرى الصديقة، بل سيشمل دول الاتحاد الاوروبي واوساطاً واسعة من الراي العام الامريكي والاسرائيلي، الذي يعبر فيه نصف المجتمع الاسرائيلي وقواه الحزبية عن ضرورة تنفيذ اسرائيل لالتزاماتها التي يفرضها الاتفاق الانتقالي، والتوصل إلى معاهدة سلام نهائية بعد ذلك.
لقد اصبح موضوع الدولة امراً واقعاً امتد نقاشه إلى داخل حزب الليكود الصهيوني المتطرف. وقد بات ان ننتقل الآن لاسترجاع زمام المبادرة عبر اعلان تجسيد دولتنا التي تستعد جماهيرنا الواسعة لبذل كل نفيس في سبيل قيامها، دون ان تكترث بتهديد نتنياهو ووعيده، تارة باعادة احتلال مدنهم وتارة باعلان ضم الاراضي الفلسطينية في المناطق التي ما زالت تخضع لاحتلال قواته.
لم يعد بامكان نتنياهو ان يلجأ لتنفيذ مثل تلك التهديدات، فتجربة حقل شوكه الفاشل ما زالت ماثلة في الاذهان. ووقفة جماهيرنا ايام النفق ستتكرر بشكل اعظم في أي حال يحاول نتنياهو - اذا استطاع ان ينجح في الانتخابات - ان يقوم بالمغامرة.