الموقف الدولي
وأوهام نتنياهو
بمواصلته سياسة المماطلة والصلف، يتسبب بنيامين نتنياهو الذي يخوض غمار حرب الانقسام الاسرائيلي من حوله، في كشف حقيقة الباطل الاسرائيلي امام عيون شعوب ودول العالم، التي تبدي في كل مناسبة تأييدها لحقوق شعبنا الثابتة في تقرير المصير واقامة الدولة المستقلة فوق ارض الوطن. ويسهم دون ان يدري في ايضاح الموقف الفلسطيني المحق والعادل، والمتمسك بالسلام الذي يزيل اسباب الصراع، ويعيد الحقوق إلى اصحابها، ويطوي صفحة الماضي بما يتيح لشعوب ودول المنطقة ان تتطور وتزدهر على ارضية من الاستقرار والتكافؤ، وتبادل الخبرات العلمية والتقنية لما فيه مصلحة الانسان، الذي لم يشهد استقراراً منذ عشرات السنين في المنطقة، ولما فيه مصلحة الدول التي لها علاقات اقتصادية وسواها مع دولها.
وتفضي سياسة نتنياهو القائمة على التعصب والاستهتار بالآخر، والعمى الايديولوجي، إلى بلورة مواقف دولية مناوئة لسياسة اسرائيل الرافضة لتطبيق الاتفاقات الدولية، والتي لا تقيم وزناً للارادة الدولية، ولا تكترث بالرأي العام العالمي. ففي كل يوم نجد هناك مطالبة لاسرائيل من هذه الدولة وتلك بضرورة تطبيق الاتفاقات، والايفاء بما تفرضه مذكرة "واي ريفر".
فاضافة إلى الدول ذات المواقف الثابتة في تأييدها لقضيتنا الفلسطينية وحقنا المشروع في الحرية والعودة والاستقلال، وهي الدول الشقيقة والصديقة ودول عدم الانحياز التي يزيد تعدادها عن 120 دولة، فان دول الاتحاد الاوروبي واليابان وحتى الولايات المتحدة، قد بدأت تكتشف ان السياسية الاسرائيلية هذه لن تؤدي سوى إلى عودة دوامة العنف، وجر المنطقة إلى هاوية، تصبح فيها مصالح الدول كلها مهددة ومعطلة. الامر الذي يدفع هذه الدول إلى تحميل اسرائيل مسؤولية تجميد الاتفاقات، ومطالبتها بالايفاء بالتزاماتها المترتبة. وبتنفيذ اعادة الانتشار الثانية والثالثة من ارض ضفتنا الفلسطينية.
لقد حث مبعوث الاتحاد الاوروبي موراتينوس اسرائيل على تنفيذ مذكرة "واي"، وابدى قلق دول الاتحاد الاوروبي مما قد تؤول اليه الامور بنتيجة هذا التجميد والمماطلة. وطالب مسؤولون امريكيون اكثر من مرة اسرائيل بتطبيق ما اشارت اليه تلك المذكرة، واعلنوا بان الجانب الفلسطيني قد اوفى بكل التزاماته وان الكرة في ملعب اسرائيل.
وطالبت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت اسرائيل بتنفيذ المرحلة الثانية من عملية الانسحاب من الضفة، وقالت بأن واشنطن ملتزمة بالعمل من اجل تطبيع اتفاق "واي" وبدء المفاوضات حول الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية. ورأت بأن عام 1999 سيكون "مهما جدا" بالنسبة للمسار الفلسطيني الاسرائيلي. هذا وان كانت قد خالفت مسؤولين امريكيين آخرين عندما حرصت خلال زيارتها للقاهرة، "بأن الطرف الفلسطيني قد طبق جزءاً من التزاماته، الامر الذي يفرض على الاسرائيليين ان يطبقوا الشق المتعلق بهم، املاً في تحريك عملية السلام المجمدة".
صحيح ان الوزيرة اذا كانت تعني ما تقول عن التزام الادارة بالعمل من اجل تنفيذ مذكرة "واي" فان عليها ان تعلن صراحة مثل ممثلي ادارتها الآخرين بأن السلطة الفلسطينية قد اوفت بكل ما يخصها من الاتفاق. وان تهتم باتخاذ مواقف تخرج عن حالة التهاون تجاه تشدد اسرائيل طوال هذه الفترة. فالصمت حيال الممارسة الاسرائيلية لن يكون من شأنه سوى تشجيع حكومة نتنياهو، التي هربت كعادتها إلى الامام بحل الحكومة وتقديم موعد الانتخابات، على مواصلة نهجها الراهن في المماطلة واستنزاف الوقت، والالتفاف حول المسيرة السلمية، بحيث تفقد مصداقيتها ومضمونها، وتتحول في نهاية المطاف إلى حبر على ورق لا يجد طريقة إلى عالم الواقع.
ففي الوقت الذي يبدو فيه ان الحكومة الاسرائيلية المتشددة، لم تعد تكترث بالاتفاقات الموقعة ولا بالرأي العام الدولي، وتواصل تنفيذ مخططاتها الاستيطانية في كل ارجاء الارض المحتلة، وكذلك مخططاتها لتهويد القدس، فان الامر يتطلب ان تتبلور المواقف الدولية المتفهمة للحقائق، إلى اشكال ضغوط على اسرائيل تلزمها بالتعقل واتخاذ جادة الصواب، وتجنيب المنطقة خطر الانفجار الذي سيطال الجميع دون ان تعلم له حدود.
لذلك ينبغي على دول الاتحاد الاوروبي، وعلى الادارة الامريكية التي اكتشف رئيسها بيل كلينتون زيف الادعاء الاسرائيلي الذي طالما حاول اظهار اسرائيل بانها مماطلة بالتهديد والاخطار، ان تعمد إلى اتخاذ اجراءات تجبر اسرائيل على الاذعان وتطبيق ما وقع عليه رئيس حكومتها الغارق في الوهم بنيامين نتنياهو.
اما ذريعة الانتخابات الاسرائيلية وضرورة انتظار تشكيل حكومة جديدة لاكمال مسيرة السلام، فانها ذريعة واهية لا تبرر تجميد الاتفاق، ولا تحول دون تنفيذه، خاصة وان الكنيست الاسرائيلي قد وافق عليه بأغلبية واضحة. اضافة إلى كونه اتفاقاً دولياً وقع عليه الرئيس كلينتون بحضور الاطراف الدولية في البيت الابيض.
وتستطيع دول الاتحاد ا ذا حسمت ارادتها، ان تجد الوسائل الضاغطة على اسرائيل، سيما وان اسرائيل تعتمد بنسبة كبيرة من تجارتها على دول الاتحاد. ويمكن لها وللولايات المتحدة ايضاً وكذلك لدول الاتحاد الروسي واليابان ان تبدأ الاجراءات بمقاطعة البضائع الاسرائيلية التي تنتجها المستوطنات الاستعمارية فوق ارضنا الفلسطينية، والتي طالما اعتبرتها امريكا ودول الاتحاد الاوروبي انها عقبة في طريق السلام، وغير شرعية.
وسوف يعبر مثل هذا الاجراء عن موقف دولي جدي مناهض للاستيطان، وحائل دون تكريس المستوطنات ونمائها، وعامل على ازالتها باعتبارها غير شرعية ويتنافى وجودها مع المبادىء التي قامت عليها عملية السلام، ويتناقض مع مرجعيتها الاولى والاهم و هي قرارات الشرعية الدولية التي نصت على مبادلة الارض بالسلام وازالة المستوطنات.
على دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الخروج من حالة التردد إلى حالة الفعل، اذ ليس من المعقول بعد الآن ان تترك ادارة الامور في المنطقة رهن مزاج رئيس الحكومة الاسرائيلي المتطرف نتنياهو، الذي يتجاهل كل الاصوات التي تطالبه بضرورة التعقل والاستجابة لحقائق الواقع، ولمصالح اسرائيل نفسها التي يرى كثير من القادة اليهود في اسرائيل وفي الولايات المتحدة بان سياسة نتنياهو تصيبها بالضرر. كما ليس يعقل ان يترك الامر لمتطرف، لا يهمه سوى مقعده في الحكومة، حتى وان ادى الامر إلى تخريب عملية السلام واعادة المنطقة إلى دوامة العنف والحروب.