Fateh

تطور الفكر السياسي الفتحوي
(20)


كان لمحاولة حركة فتح تجسيد الوحدة الوطنية من خلال اجتماع الفصائل المقاتلة، اثره البالغ في فتح الباب على مصراعيه لكل القوى المناضلة للسير في اتجاه واحد.. اتجاه الهدف الواحد.. تحرير فلسطين.. واتجاه الاسلوب الاساسي.. الكفاح المسلح.. وعلى الرغم من عدم استجابة الجبهة الشعبية لدعوة "فتح"، الا ان ما صدر عنها من بيانات اكد على التوازي القائم نحو الهدف والاسلوب رغم الاختلاف في المنطلقات..
كانت انطلاقة فتح الثانية هي التي اغلقت في وجه هزيمة النكسة كل طموحات العدو الصهيوني في ترسيخ تراكم اليأس والاحباط والقنوط الجماهيري، الذي حاول ان يصل مآسي النكبة بهوان النكسة. فالانتصار الساحق الذي حققه جيش العدو الصهيوني على الجيوش العربية النظامية في مصر وسوريا والاردن قد طبع على جبين الامة العربية بصمات الانسحاق النفسي، بما جعل وزير الحرب الصهيوني موشي دايان يعلن (انه ينتظر مكالمة هاتفية من عبد الناصر يطلب فيها شروط اسرائيل لتوقيع مصر على الصلح). ولكن الهاتف الذي وصل الى دايان في 28 آب كان يقول باضطراب "ان فتح اعلنت انطلاقتها الثانية واعلنت في بلاغها رقم (75) انها ستواصل الكفاح المسلح".
"وبدأ مسلسل الضربات الفدائية الجريئة التي غطت مساحة الارض المحتلة كلها. وعلى مدار اربعة اشهر، هي كل ما تبقى من عام 1967.. عام النكسة. استطاع ثوارنا القيام ب (79) عملية عسكرية ادت الى قتل وجرح (218) صهيونياً بينهم (9) ضباط. كما تم الهجوم على (13) مستعمره ونسف قطارين وتدمير (44) سيارة ونسف مخزن الذخيرة الرئيسي في منطقة عكا وقصف ضواحي القدس بالصواريخ وضواحي تل ابيب بالهاون. واسقاط طائرتين الى جانب تدمير عدد من منشآت المياه وتوليد الكهرباء.
ولقد فقدت "فتح" في هذه الاشهر الصعبة (46) بطلاً بين شهيد واسير اكثر من نصفهم كان من الكوادر القيادية المسؤولة.
لقد واجه ثوارنا اسلوب العدو بشن حملات التطويق والابادة بسرعة التحرك والانتشار. ولم يعد ممكناً التشبث بالجبال كقواعد ارتكازية آمنة. ونظراً للطبيعة الطوبغرافية والديمغرافية، وتفوق العدو بالسلاح، وقدرته على الحركة، كان لابد من الالتجاء الى غابات البشر في المدن والمخيمات حيث الكثافة السكانية تشكل الحماية الجماهيرية للفدائيين. وعندما شعر العدو الصهيوني بخطورة الوضع المتفجر في قطاع غزة والضفة الغربية عاد وفرض حظر التجول اعتباراً من 1/‌2/1968. بسبب تصاعد العمليات العسكرية، مما اعاد للروح الوطنية الفلسطينية اعتبارها وجعل قيادة حركتنا تخطط لانشاء القواعد الارتكازية الاكثر امناً.
كانت منطقة الكرامة والكريمة اكثر المواقع ملائمة لالتحام الجماهير بالثوار. فقد تحمل ذلك الشريط الممتد على محاذاة نهر الاردن طوفان الهجرة الفلسطينية الثانية التي فرضت عليها ظروف قوة الشتاء اختيار غور الاردن مكاناً للاقامة، حيث تم انشاء سبع مخيمات طوارئ على امتداد هذا الشريط من جسر الملك حسين وحتى جسر دامية.. واصبحت الغابة البشرية في الكرامة وفي مخيمات الطوارئ تعج بمئات المقاتلين من قوات العاصفة الذين كانوا يصلونها بطرق سرية وعبر الدعم والمساعدة التي كان يقدمها الجيش العراقي من جهة. والتغاضي الذي كان يبديه جنود وضباط الجيش الاردني من جهة اخرى، ايماناً منهم بضرورة دعم المقاومة وعدم الوقوف في طريق من يهبون حياتهم من اجل ازالة عار هزيمة حزيران عن جبين كل العرب.
لقد كانت ظروف فصل الشتاء، وارتفاع نهر الاردن في هذا الفصل من العام تعيق حركة الفدائيين الى الضفة الغربية من النهر، وتفرض اقامتهم لبعض الوقت على الضفة الشرقية للنهر. وبتصاعد العمل العسكري عبر النهر وجد الكيان الصهيوني نفسه مجبراً على التعامل مع نوعين من العمليات الفدائية. الاولى تنطلق من داخل الارض المحتلة. والثانية تتم على الضفة الغربية من نهر الاردن من القوات التي كانت تشق طريقها عبر خطوط العدو للوصول الى ارض الوطن. وحمل الكيان الصهيوني النظام الاردني مسؤولية أي عمل ينطلق من الاردن، وفي نفس الوقت اخذ يكثف من دورياته وكمائنه غرب نهر الاردن لمنع عبور المقاتلين.
وبدأ النظام الاردني يمارس الدور المنوط به لمنع تواجد الفدائيين في الكرامة. ومنع عبورهم الى الاراضي المحتلة تمهيداً للقضاء على ظاهرة العمل الفدائي وهي في المهد. ولكن قدرة رجال العاصفة وطلائع فتح على خلق الالتحام القوي مع الجماهير جعل يوم 8 شباط 1968 يوماً مشهوداً. فقد حاولت دبابات النظام الاردني السيطرة على الكرامة لانهاء وجود الفدائيين فيها، ولكن اندفاع الجماهير برجالها ونسائها واطفالها حال دون تمكين هذه الدبابات من العبور، وشكل الناس في الكرامة سداً بشرياً احاط بالدبابات ومنع تقدمها وكرس الالتحام المصيري بين الشعب وطلائعه الثورية.
وكان لابد للكيان الصهيوني من أن يمارس بنفسه عملية تصفية الفدائيين بعد عزلهم عن الجماهير. واخذ العدو الصهيوني يركز قصفه العشوائي على التجمعات السكانية في الكرامة ومخيمات الطوارئ. وبدأت قوافل الشهداء تسقط يومياً بالعشرات، وقد برر وزير الحرب الصهيوني دايان جرائمه بتصريحه الشهير (اني لا استطيع ان اقف موقف المتفرج ازاء جيش من المخربين يجري تشكيله على بعد يقع في مرمى اسلحتنا).
واستمرت موجات القصف الصهيوني لمدة اسبوع بشكل يومي كان اعنفها يوم 15 شباط حيث بدأت الترتيبات لنقل مخيمات الطوارئ السبعة وسكان الكرامة من الاغوار الى مناطق بعيدة عن مرمى مدفعية العدو الصهيوني. وحتى يصبح الوجود الفدائي مكشوفاً ومعزولاً عن الحماية الجماهيرية. وقد توضح الموقف الاردني الرسمي في الخطاب الذي القاه الملك حسين يوم 16 شباط حيث جاء فيه (ان الاردن لم يقبل في يوم من الايام ان يجري فوق ارضه غير ما يتفق مع المصلحة العربية العليا ويدعم الحفاظ على قضية العرب الاولى في فلسطين.. وان كل عمل مخلص هادف ينبغي ان ينطلق من ارضنا هذه ومن خلالنا نحن وفي اطار ما نرسم ونخطط ونعد. ان اية جهة تتجاهل هذا الموقف منا بعد اليوم وتتخذ لنفسها منهجاً غير منهجنا وتتعامى عن بابنا الذي كان وسيظل مفتوحاً لكل متطلع الى المعركة بشوق واخلاص هي ليست منا ولسنا منها).
وقد الحق وزير الداخلية الاردني حسن الكايد خطاب مليكه بتصريحه يوم 18 شباط حيث جاء فيه "ان الحكومة ستضرب بيد من حديد كل نشاط يمكن ان تستخدمه" اسرائيل "ذريعة للضغط على الاردن".
ولم تكن حركتنا بحاجة لاهدار طاقاتها في تناقضات ثانوية، ولكنها كانت تصر بحكم مبادئها على استقلالية العمل النضالي الفلسطيني وعدم تبعيته او خضوعه او توجيهه من اية جهة غير الشعب الفلسطيني. وجاء رد الناطق الرسمي لحركتنا في 20 شباط مؤكداً :"ان فتح لن تسمح بأية حال لاي انسان او حاكم عربي ان ينحرف بها عن اهدافها ويزج بها في معارك جانبية. ويؤكد انها لن تلقي السلاح تحت أي تهديد او وعيد وستقاتل مع شعبها وعلى ارضها رغم كل الظروف".
ومع نهايات شهر شباط 1968 كان معظم سكان مخيمات الطوارئ والكرامة قد انتقلوا الى المخيمات الجديدة في البقعة وزيزيا وسوف وشنلر ولم يبق من السكان الا القلائل الذين ارتبط وجودهم بوجود الفدائيين.
وفي 28 شباط فقدت حركتنا واحداً من ابرز قياداتها، حيث استشهد الاخ عبد الفتاح حمود عضو اللجنة المرزية للحركة. وجاء يوم تشييعه يوم 29 شباط يوم انتفاضة جماهيرية صاخبة، طغت على عمان وحطمت قيود النظام. لقد كان الشهيد معروفاً للجماهير التي عاشت مرحلة الصمود في مخيمات الطوارئ حيث كان على علاقة وتماس بالجماهير، فاندفع سكان المخيمات الجديدة ليودعوا قائدهم الشهيد، وليجعلوا من جنازته يوم الرد للعدوان الذي لحق بهم في حزيران وما تلاه من مؤامرة تهجيرهم وابعادهم عن حدود ارض فلسطين. وسارت السيارات مسلحة في الجنازة واطلقت فوق قبر الشهيد رصاصات التحية لجثمانه الطاهر. وبدأت الجماهير في الاردن تعيش عصراً جديداً تكسرت فيه الكثير من قيود السرية السابقة.
وكان رد الفعل المباشر للنظام الاردني هو محاولة السيطرة على الكرامة من جديد بعد ان غاب السياج الحامي للفدائيين. فكانت المفاجأة الجديدة حيث وجدت الدبابات الاردنية وسيارات البادية نفسها في وسط غابة من البنادق المقاتلة والقاذفات للدروع، مما فرض على النظام الاردني التراجع والتعامل مع الوجود الفدائي بطريقة جديدة لمواجهة العدوان الصهيوني المرتقب ضد الاردن. وقد وجد الضباط الوطنيون في الجيش الاردني من فلسطين واردنيين وفي مقدمتهم قائد الفرقة الاخ مشهور حديثه دوراً هاماً في اجهاض مخطط الصراع بين الجيش وحركتنا واحلال التنسيق محل عمليات المضايقة.
اخذت حركتنا تتابع تصريحات قادة العدو وتراقب تحركاته العسكرية على الارض فأصبحت على ثقة كاملة بأن العدو سيهاجم الكرامة لانه يعي خطورة القواعد الارتكازية الامنة التي اصبحت تشكل واقعاً خطراً على خط التماس مع قواته. وكان على قيادة الحركة ان تقرر هل ستصمد في الكرامة وتخوض معركة حاسمة مع العدو ام تخضع لقوانين حرب العصابات بعدم خوض المعارك الحاسمة، والوقوع في فخ عمليات التطويق والابادة التي يمكن ان يقوم بها العدو. كان لابد من دراسة الموقف من كافة جوانبه واتخاذ القرار التاريخي الذي ينسجم مع طبيعة المهمة التاريخية التي تتصدى حركتنا لانجازها. وكانت اولى المهمات هي الاستعداد للصمود في انتظار القرار الحاسم، فقد بدأت الحركة في حفر الانفاق وانشاء مواقع دفاعية سقفت بالاسمنت المسلح لتوفر للمقاتلين اكبر قدر من الحماية ولتمكنهم من استعمال اسلحتهم تحت أي ظرف تفرضه طبيعة المعركة. كما عمدت الحركة الى احاطة مناطق التقدم المرتقب للعدو بحقول الالغام، وعمدت الى تطبيق سلسلة من السناريوهات المتوقعة للمعركة واجراء المناورات والتدريبات اللازمة والمنسجمة مع طبيعة شوارع الكرامة وبيوتها والخنادق والانفاق والملاجئ المتواجدة فيها. كما تم توزيع المقاتلين الى مجموعات صغيرة في اطار مهمات محددة دفاعية وهجومية، لقد وضعت خطة شاملة للمواجهة في حرب متحركة مع العدو بانتظار القرار القيادي الحاسم وطبقاً لمعطيات المعلومات وبما يؤمن النتائج المنسجمة مع خط الكفاح المسلح والتي تدعم استمراره وتصاعده. كان السؤال الذي طرحه واقع تجارب حرب الشعب هل نصمد في الكرامة ام نصعد الى الجبل؟؟.
كانت اعين الحركة الراصدة تتابع تحركات العدو وتحشداته، وجاء تقريرها الذي يحتم ويؤكد ان العدو يحشد اعداداً كبيرة من قواته على الضفة الغربية لنهر الاردن بهدف الهجوم على منطقة الكرامة.
وبادرت حركتنا بفضح هذا المخطط اعلامياً عبر تصريح الناطق الرسمي للحركة بتاريخ 19/3/1968 والذي جاء فيه:" قام العدو خلال الثمان والاربعين ساعة الماضية بحشد قوات كبيرة على طول نهر الاردن.. غطى هذه العملية بحملة دعاوية تميزت باتساعها في محاولة لتضليل الرأي العام العالمي وايهامه ان الثورة الفلسطينية التي تقودها "فتح" تنطلق من دولة عربية أو اخرى. وقد ساهم في هذه الحملة رئيس حكومة الصهاينة اشكول امام الكنيست ووزير دفاع العدو دايان ورئيس اركانه بارليف، ورئيس قسم الاستخبارات العسكرية اهرون ياريف في مؤتمر للصحافة العالمية عقد في تل ابيب، وشارك في حملة التضليل هذه مناحيم بيجين وزير الدولة في مؤتمر له في رامات جان. وقد حملت هذه التصريحات العديدة في طياتها تهديداً جديداً بشن غارة عدوانية اخرى على الاردن بنفس الحجة التي طالما كرروها وهي وجود قواعد للفتح في الاراضي الاردنية".
وقد تضمن التصريح سلسلة من الحقائق التي توضح كذب الادعاءات الصهيونية السابقة التي ادعت انها قضت على 95% من تنظيم فتح .. كما اوضحت فشل محاولات دايان في مواجهة تيار الثورة المتدفق داخل الارض المحتلة. وفضحت محاولة العدو الصهيوني ربط كفاحنا الفلسطيني بخارج وطننا وذلك في محاولة لطمس حق الشعب الفلسطيني في الكفاح ونفي حقيقة كون ثورتنا حرباً تحريرية لشعبنا نابعة من ارادته وتصميمه، ومحاولة العدو الصهيوني صرف انظار الرأي العام العالمي عن حملات الارهاب البربرية التي يمارسها ضد ابناء شعبنا. واكد التصريح على عجز عصابة تل ابيب عن امتصاص السخط الذي بدأ يعم الصهاينة نتيجة لتزايد ضربات قوات العاصفة داخل فلسطين المحتلة. واكد التصريح للرأي العام العالمي ان شعب فلسطين يمارس حقه الطبيعي في النضال من اجل تحرير وطنه ولن يتوقف حتى يكتب لثورته العاصفة النصر الكبير.
وظلت قيادة الحركة طيلة يوم 20/3/1968 تناقش الامر من كل جوانبه. هل يصمد المقاتلون في مواقعهم ام ينسحبون؟ وكان الاختيار صعباً وكان القرار خطيراً.. لقد قررت القيادة العامة انه لابد من الصمود .. الصمود الواعي. وعندما اتخذت هذا القرار وضعت امامها الاهداف التالية:
1- رفع معنويات الجماهير الفلسطينية والعربية بعد نكسة حزيران.
2- تحطيم معنويات العدو وانزال اكبر الخسائر في قواته.
3- تحقيق الالتحام الثوري بين الجماهير حتى يصبح الشعب قوة منيعة ضد أي تحرك للوقوف في وجه الثورة.
4- زيادة التقارب والثقة بين قوات العاصفة وافراد الجيش الاردني.
5- تصفية القوى المضادة لحركة المقاومة المسلحة داخل الضفة الشرقية للاردن بكشفها وفضح مخططاتها الرامية الى تصفية الثورة.
6- تنمية القوى الثورية داخل صفوف شعبنا.
7- اختبار ثقة المقاتلين بانفسهم في معارك المواجهة مع العدو في هذه المرحلة الجديدة من مراحل كفاحنا المسلح.
ولم يكن قرار الصمود قد اتخذ من فراغ، فقد وضعت الحركة خطة شاملة ومتحركة تقوم على اساس البدائل المتوقعة في لحظة الصدام، هل ستكون فتح لوحدها في المعركة؟ هذا الموضوع له خطته الخاصة هل ستكون الجبهة الشعبية وقوات التحرير الشعبية والجيش الاردني مع فتح في المعركة؟ هذا ايضاً له الخطة المناسبة.
ولقد اكد بعض الضباط في الجيش الاردني الملتزمين بحركتنا انهم ورغم كل الظروف سيقومون باشعال نار التصدي مما سينقل العدوى الى كافة اسلحة الجيش المواجهة لتحركات العدو.
وبدأت المعركة.. وكان التصدي كما خططت له حركتنا... وصمدت قوات التحرير الشعبية في مواقفها وجاءت المشاركة من الجيش الاردني بشكل لم يتوقعه العدو مما ساعد على الحاق خسائر في صفوفه.
كان العدو قد وضع خطته بهدف سحق الروح المعنوية العربية والفلسطينية وتأكيد سطوته وجبروته التي كرسها في حرب حزيران. فقد كانت احدى الاحتمالات ان يدخل بجحافله منطقة الكرامة دون ان يجد فيها احداً منطلقاً من خضوع قيادة فتح لقوانين حرب الشعب وتطبيقها نسخاً دونما اعتبار لاهمية العوامل السياسية في القرار العسكري. وفي هذه الحالة كانت نزهته ستنتهي خلال ساعتين يحضر الصحافيون الاجانب بعدها لالتقاط الصور التذكارية لجنود العدو الصهيوني في الكرامة ويسجلون ان كل ما قام به رجال العاصفة هو تعريض شعبهم للرحيل والهجرات المتعاقبة ثم الهرب من ساحات القتال.
وكان الاحتمال الثاني ان يجد العدو الصهيوني من يقاتله ولكن قدرته الساحقة ستجعله ايضاً يمارس عملية التطويق بالمظليين والدبابات واغلاق كماشته على المقاتلين واعتصارهم في جعبته بين قتيل واسير.. دونما خسارة تذكر في صفوفه.
اما الذي حصل.. والذي كان غائباً عن احتمالات خطة العدو هو كما وصفه اشكول الدخول في عش الدبابير... فقد جوبه الصهاينة وارتالهم المتقدمة بسلسلة من الكمائن المتلاحقة وغابة من البنادق التي جعلت جنوده يفقدون صوابهم والسيطرة على اعصابهم، مما ادى الى اضطراب خطة العدو الذي ظل على مدار ساعات ثلاث مذهولاً من هول المفاجأة. كانت مواقع الشهداء ربحي والفسفوري وابو شريف وابو امية قد نفذت خطتها في الصمود والتصدي بشكل وجد فيه جنود العدو انهم امام فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى وقدرة على القتال، لم يكن الصهاينة يتوقعونها. ولم تذهب هذه الدماء هدراً فقد استطاعت ان تصهر قيود قرارات النظام الاردني لجنوده بمنع المشاركة طوال ثلاث ساعات من المواجهة المكشوفة مع الفدائيين الذين لا يتجاوز عددهم الخمسمائة مقاتل، وبين خمسة عشر الفاً من جنو العدو تساندهم الدبابات والطائرات. وفي الساعة الثامنة والنصف بدأت المدفعية الاردنية الثقيلة في جبال السلط ومرتفعات الشونة تشارك في المعركة كما اصطدمت بعض الدبابات الاردنية بدبابات العدو في منطقة الشونة الجنوبية. وتمكنت وحدات المدفعية الاردنية من تحقيق اصابات مباشرة خصوصاً عندما نصب العدو الجسور للانسحاب حيث ركزت المدفعية قصفها على هذه الجسور مما ضاعف خسائر العدو واعاق انسحابه.
وكما اثبت المقاتل الفلسطيني جدارته وكفاءته في معركة الكرامة، فان الجنود والضباط الاردنيين قاتلوا كذلك بكفاءة وجدارة على مدار اكثر من سبع ساعات. وكان تشبث هؤلاء الجنود والضباط بمدفعيتهم رغم القصف الجوي الكثيف يوحي بمدى الروح العالية التي يتحلون بها ومدى اصرارهم على القتال الى جانب اخوانهم الفدائيين الابطال.
لقد اكدت معركة الكرامة فيما اكدته من حقائق، كانت غائبة عن اذهان الكثيرين، ان الارادة والعزيمة الصلبة والانسان المناضل هي الاساس الذي يضمن النصر وليس تكريس السلاح. كما اكدت ان المناضل الطليعي الواعي الملتزم عندما يتبنى قضية شعبه فانه بما يحمله بين اضلاعه من روح الاستشهاد يستطيع ان يجترح المعجزات. ولقد اكدت معركة الكرامة ايضاً ان التجربة الخاصة والظروف الخاصة بكل حركة ثورية هي منبع الابداع لاتخاذ القرارات المناسبة وليس مجرد التطبيق الاعمى لتجارب ناجحة لدى شعوب اخرى. واكدت ايضاً ان العالم لا يشعر بالعطف على الضعفاء والمستسلمين وانما يحترم الاقوياء الذين يصمدون من اجل تحقيق حقوقهم، فالعالم لا يحترم ضعف اصحاب الحق، كما انه يرفض صلف وغطرسة اصحاب الباطل. لقد اظهرت معركة الكرامة شجاعة الانسان العربي الفدائي والجندي الرسمي وانهما عندما يخوضان معركة التحرير جنباً الى جنب يستطيعان تحقيق النصر. وان اسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر ظهرت على حقيقتها عندما وجد ان جنود هذا العدو مقيدون بالسلاسل داخل دباباتهم حتى لا يستطيعوا الهرب. في حين كان جنود الجيش الاردني مقيدين بقرارات عدم القتال. وحين حطم الجندي الاردني قيده لم يستطع الجندي الصهيوني الافلات من قبضة القدر العاتية التي الحقها به الفدائي الفلسطيني مع اخيه الجندي في الجيش الاردني. وكان هذا التلاحم وهذه الملحمة في الكرامة هي بداية لرد الاعتبار لكرامة الجماهير العربية التي انسحقت في حزيران.(1)
الهوامش:
(1) تعميم حركي في الذكرى العشرين لمعركة الكرامة.

 

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست