Fateh

واشنطن: سراب المصداقية
ووضع المنطقة المشحون


بعجزها عن دفع نتنياهو للاستجابة لحقائق الواقع، التي تؤكد رغبة الشعوب في الحرية والسلم والاستقرار، بعيداً عن التوتر والتسلط والحروب، وبعدم قدرتها على اقناعه تنفيذ بروتوكول الخليل الذي قام هو نفسه بتوقيعه قبل عام، تكون الإدارة الأمريكية قد أثبتت فشلاً فاضحاً في لعب الدور الذي طالما حاولت أن تحتكره لنفسها كراع لعملية السلام في المنطقة.
وما الضعف الذي أبداه الرئيس كلينتون أثناء لقائه رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، وعجزه عن وضع النقاط اللازمة على الحروف، غير مظهر واضح على انعدام المصداقية الأمريكية، التي تقول ما لا تعنيه، وتهدد بما لا يمكن أن تنفذه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
ولم يكن الحديث عن استعداد الولايات المتحدة لإطلاق مبادرة مشتركة مع الاتحاد الأوروبي، لإنقاذ عملية السلام في المنطقة، من خلال تطبيق الاتفاقات الموقعة، بغض النظر عن موقف نتنياهو، إذا استمر في محاولته تجميد العملية السلمية من أجل قتلها عن طريق هذا التجميد، غير سعي لكسب الوقت من جانب الإدارة الأمريكية لصالح حكومة إسرائيل بالطبع. وليس سوى "بروبوغاندا" أمريكية من أجل الاستهلاك، وتخفيف النقد الفلسطيني والعربي والدولي لمواقف واشنطن المؤيدة بشكل سافر لإسرائيل دون اعتبار للرغبة الدولية، ولقرارات ممثلي شرعيتها في الأمم المتحدة، التي دأبت الولايات المتحدة على معارضتها منفردة إلى جانب إسرائيل. ذلك دون حساب لأي رد فعل لشعوب المنطقة وحكوماتها التي بدأت تدرك خطورة السياسة الأمريكية الممالئة لنتنياهو على استقرار المنطقة، وإمكانية بناء السلام فيها، في ظل معادلة خاطئة يظن على أساسها متغطرسو الليكود بأنهم قادرون على فرض "سلام القوة"، متجاهلين إرادة شعبنا الفلسطيني والعربي واستعداده الدائم للنضال والتضحية.
لقد كشف الرئيس كلينتون الذي يتعرض اليوم لمحاولات صهيونية لإقالته، من خلال إشاعات نسائية وفضائح، عن ضعف لم يتصف به أي من سابقيه في إدارات أمريكا السابقة منذ ما يزيد على مئتي عام. فهو لم يجرؤ على القول لنتنياهو بأنه يتسبب بسياسة مماطلته تلك، في الإضرار بمصلحة إسرائيل نفسها التي ستجني من ثمار السلام إذا تكرس أكثر من غيرها، وبأنه يدفع الدفة بعلم وبغير علم إلى دوامة من العنف والفوضى والحروب، بحجة الأمن المزعوم، الذي لا يمكن أن يتحقق بدون اجتثاث الأسباب التي تؤدي إلى العنف، وتدفع اليائسين إلى القيام بأي عمل ضد المحتل الغاصب، الذي يسلب الأرض والحرية، ويقيم الحواجز ويفصل المناطق والمدن، ويواصل أسر آلاف المناضلين من أجل الحرية والحق الوطني والإنساني المشروع، ويستمر في اعتقال غيرهم، ويتنكر للاتفاقات الموقعة ويحاول التحلل منها ووأدها، وقتل حلم شعبنا في الحرية والاستقلال وبناء الحياة الآمنة الكريمة، التي ناضل من أجل بنائها فوق أرض وطنه عشرات السنين، باذلاً كل غال ونفيس في كل المراحل والظروف، دون أن تنال من عزيمته أي آلة عسكرية إسرائيلية، أو تحرفه عن هدفه المحدد في العودة والدولة التي عاصمتها القدس أي مؤامرات.
من الواضح أن ما حلم البعض في الإدارة الأمريكية بتسميته مصداقية لبلادهم في المنطقة، لم يكن سوى سراباً وحلم يقظة سرعان ما تبدد. ذلك أن تصريحات مسؤولي الإدارة المختلفين وخاصة الرئيس كلينتون، الذي أكد مرات عديدة على ضرورة مواصلة عملية السلام، وعلى عزمه تذليل العقبات التي تعترضها، وعلى عدم سماحه بوقفها وموتها، وبعد أن أعلن عدم رضاه عن رئيس حكومة إسرائيل المتغطرس، ورفضه لاستقباله قبل شهرين لدى زيارته لأمريكا، وتعمده عدم الاحتفاء به حسب التقاليد البروتوكولية المألوفة في زيارته الأخيرة لواشنطن، إلا أن الرئيس الأمريكي الأضعف من سابقيه شخصية، ودعماً في الكونغرس، وقدرة على مخالفة إسرائيل، لم يستطع أن يُسمع نتنياهو القول المناسب، حتى رغم الملاحظات الواضحة التي بلغته من زعماء أمريكيين يهود طالبوه بالضغط على نتنياهو، معتبرين أن هذا الأخير إنما ينهج سياسة تضر بمصالح إسرائيل، وبفرصتها التاريخية في الحصول على ما يتيحه لها هذا السلام، وبأنه أيضاً يضر "بالمصالح القومية" للولايات المتحدة.
كما أن تصريحات وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، بدءاً من تلك التي رددتها عن الأرض مقابل السلام وقراري 242 و 338 في نادي الصحافة، أو تلك التي حملت فيها نتنياهو مسؤولية الجمود في مسيرة السلام، أو التي أمهلته فيها شهراً من أجل حسم موقف حكومته وتحديد خارطة انسحاب عملية وكبيرة ومقنعة، أو التصريحات الصادرة على ألسنة طاقم خارجيتها جيمس روبن وسواه، كل تلك التصريحات لم تكن سوى كلمات ذهبت للأسف أدراج الرياح، لم يعنها قائلوها، ولم يكونوا قادرين على الوفاء بما وعدت به تصريحاتهم تلك في أحسن الأحوال.
إن الموقف بعد اللقاء الفاشل في واشنطن، الذي روجت له إدارة كلينتون وراهنت عليه، رغم أننا كنا نتمنى له النجاح، لأننا طلاب سلام متمسكون بالشرعية الدولية، وبالاتفاقات التي نفترض تنفيذ بنودها دون إجحاف. إن ذلك الموقف قد بات دقيقاً جدا وقابلاً للانفجار المدمر في كل لحظة، فالوسطاء الأمريكيون، لم يعودوا يقووا على شيء، والأصدقاء الأوروبيون الذين يحترم شعبنا مواقفهم، غير قادرين على التأثير الفاعل في المنطقة وفي مسيرة السلام فيها، رغم حجم مصالحهم وتجارتهم الهائل مع دولها وأقطارها، فالسطوة الأمريكية ما زالت تطالهم، وقناعتهم كما يبدوا بأن إسرائيل لم تعد مفيدة لهم بعد انقضاء زمن التوازن الدولي، وعهد القطبين الرأسمالي والاشتراكي، لم تصبح قناعة راسخة.
ولهذا فقد أصبح الفرقاء يقفون وجهاً لوجه، ولا بد أن يؤدي استمرار التصلب الإسرائيلي، واستمرار التلاعب بالاتفاقات وبناء المستوطنات ومصادرة الأراضي، واحتجاز المعتقلين وحصار المناطق وقهر أبنائها التائقين إلى الحرية، والذين انتظرت أجيالهم بناء الدولة وتحقيق الحق المشروع، لا بد أن يؤدي ذلك إلى انفجار شامل يقضي على عملية السلام، وعلى الأمن والاستقرار في سائر أرجاء المنطقة، خاصة وأن الشعور بالخيبة وفقدان الثقة والأمل جراء هذا التعنت الإسرائيلي، إنما يتسع نطاقه يوماً إثر يوم ليس في أوساط شعبنا الفلسطيني وحده، بل وفي أوساط جماهير شعوبنا العربية أيضاً.
إن من يتباكى في كل مناسبة على الأمن، لا يُقدم على هدم مداميك السلام التي جرى إنجازها حتى الآن، بل يحاول جهده أن يؤمن كل الإمكانات لمواصلة البناء، حتى إنجاز الصرح الشامخ الذي تحلم به جماهير وشعوب المنطقة، بما فيها نسبة عالية من الإسرائيليين، الذين أصبح يطالب بعضهم دون وجل أو خجل بالاعتراف بدولة فلسطينية، وهو ما فعله رئيس حزب ميرتس يوسي ساريد الذي نصح الرئيس كلينتون "بأن يعترف منذ الآن بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره أي في إقامة دولة فلسطينية سيدة ومستقلة". معتبراً أن ذلك يشكل القاعدة لمفاوضات بناءة، يجب أن تتركز في شكل خاص على مسألة حدود الدولة المقبلة.
أما من يذرف دموع التماسيح على "الأمن المفقود" فهو الذي لا يريد الأمن، وإنما يريد سلام القوة، لأن الأمن الضائع لا يعود إلا إذا أزيلت الأسباب التي أدت إلى فقده، والمسألة هنا واضحة لا لبس فيها يدركها الرئيس كلينتون ووزيرة خارجيته الفاشلة أولبرايت، التي لم تحرز منذ تسلمها هذا المنصب أي نجاح في سياستها في المنطقة، ولم تتمكن من نقل عربة السلام فيها خطوة مهما تكن صغيرة إلى الأمام.
لقد أدى العدوان الإسرائيلي على فلسطين واغتصاب أرضها وتشتيت أبنائها في المنافي، إلى إشعال بؤرة التوتر التي ما زالت متقدة منذ سنين، وأدى استمرار هضم حقوق شعبه في العودة وإقامة الدولة وتقرير المصير، إلى مواصلة النضال المشروع الذي ووجه دائماً بمؤامرات فاشلة وحروب إبادة لم تنجح في كسر عنفوان شعبنا المكافح، الذي أثبت جدارته ونجح في إحراز اعتراف معظم دول العالم به وبدولته الفلسطينية القادمة لا محالة، والذي نجح أيضاً في إجبار حكومات إسرائيل السابقة للاعتراف به وبقيادته المناضلة، وبمنظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي الوحيد، والذي استطاع أيضاً أن يجبر نتنياهو نفسه على الانسحاب من "أرض الأجداد" في الخليل، يوم هب باسلاً في انتفاضة النفق دون أن يحسب حساباً لدبابات إسرائيلية، ولا لطائرات عمودية، ولا لتهديدات باقتحام مناطقه المحررة إلى الأبد، فاندفعت جماهيره الغفيرة تواجه رصاص الجنود والطائرات بصدور عارية وبحجارة وزجاجات، إضافة إلى بعض قطع السلاح التي عانقتها أسلحة قوات شرطتنا وأمننا الوطني. وتمكنت عند قبر يوسف في نابلس أن تضع خمسين جندياً إسرائيلياً مدججاً أمام الموت، ولكنها لم تفعل إيماناً منها بضرورة صنع السلام، وبضرورة إعطاء فرصة أخيرة "للمختال" نتنياهو لاستخلاص العبرة من سياسته المجنونة التي لن تثمر غير القتل والويل والدمار.
إن الأمر يفرض على الإدارة الأمريكية وعلى دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك على دول العالم التي شهدت على توقيع الاتفاق، أن تبادر وبسرعة للضغط على حكومة نتنياهو التي تضع المنطقة على حافة الانفجار الذي لا يعلم أحد مداه، مُقامرة بذلك بفرصة السلام المتاح وبمصالح دول العالم في الشرق الأوسط، وبرغبة وطموح ومصالح شعوب المنطقة.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست