وهم قوة نتنياهو
وارادة شعب لا تقهر
عن عمد وسبق اصرار يحاول رئيس حكومة اسرائيل المتطرفة بينيامين نتنياهو، جر المنطقة الى هاوية من الفوضى تتيح له حشد اجماع اسرائيلي حول موقفه المعادي للسلام. وتمكنه التحلل من التزاماته الواجبة التنفيذ، حسبما نص عليها اتفاق الخليل كي يتخلص من الاتفاق بمجمله، من اجل ان يتمكن بعد ذلك من حل صراعه في المنطقة مثلما يريد.
فهو يواصل دون حساب لاية نتائج نهجه المحموم بمصادرة ارضنا الفلسطينية، وتوسيع المستعمرات الصهيونية القائمة فوقها وبناء المزيد منها. كما يستمر في تدابيره الهادفة الى قتل اقتصادنا الفلسطيني وعزل مدننا، ويمضي في رسم الخرائط التي تسلب ارض وطننا، وتفرغ اتفاق السلام من شكله ومضمونه. ويقف عائقاً وحيداً امام كل محاولة لتحريك "قاطرة السلام" المجمدة في مكانها منذ عام، بل هو يحاول نسف سكتها واسقاطها في واد سحيق.
ان هذا النهج الخطر الذي يتهدد أمن واستقرار المنطقة بأسرها، ما كان ليتكرس لولا اغترار رئيس حكومة اسرائيل بقوته، ولولا اطمئنانه الى عدم قدرة ادارة الرئيس كلينتون، على الضغط عليه، بل وعدم رغبتنها في ذلك. فهو يثق بحجم تعاطف الرئيس كلينتون، مع اسرائيل، كما يدرك حقيقة ضعف هذا الرئيس الامريكي على اتخاذ قرار، في ظل فقد انه لانصار في الكونغرس ذي الغالبية الجمهورية المتصهينة، وتحت وطأة الفضائح التي تلاحقه ويصنعها له انصار "الايباك" في اي وقت.
فقد عجز الرئيس كلينتون ان يطالب نتنياهو بضرورة تنفيذ بنود الاتفاق، بعيداً عن الحجج والذرائع الواهية، وحيلة "الامن المهدد" التي عفا عليها الزمن. ولم يتمكن من القول له بأن الامن ليس سوى ثمرة لا يتم الوصول لها الا بغرس نبتة السلام ورعايتها وسقايتها حتى تصبح مهيأة للاثمار.
اما غرور القوة الذي يحرك نتنياهو في الاتجاه المعاكس لتيار السلام، وفي تضاد مع الارادة الدولية، التي تؤكد في كل مناسبة على ضرورة منح شعبنا الفلسطيني ، حقوقة الثابتة المشروعة في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة ، وتنادي في كل محفل بالضرورة العاجلة لاحلال السلام في المنطقة ، من خلال تطبيق قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرارين 242 ، و338 ، اللذان يطالبان اسرائيل بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية والعربية التي اقدمت على احتلالها في الخامس من حزيران سنة 1967 .
هذا الغرور لن يمكن نتنياهو من تحقيق احلامه المريضة ، وطموحاته التي لاتعدوا كونها ضرباً من الخيال . ولن يودي به هذا الغرور سوى الى احراز الفشل والخيبة ، والى السقوط الاكيد في نهاية المطاف . فالقوة ليست كل شيء ، وان كنا للاسف مازلنا في عصر القوة ، ذلك ان القوة لا تتمكن في كل وقت من تحقيق الاهداف . والذي يظن انه قادر بواسطتها على كسر عنفوان الشعوب هو واهم بلا اي شك .
لقد تعرض شعبنا عبر سنوات صراعه الطويلة مع المحتل ، الذي اراد وطننا ارضاً بلا شعب ، لشعب بلا ارض ، الى محاولات قوة اسرائيلية عديدة والى مؤامرات كثيرة ، فشلت كلها في النيل من ثورته ومن عزيمته . فقد تمكنت ارادة الفدائي الفلسطيني المؤمن بعدالة قضيته ، والمتمسك بحقوقه المشروعة ، والواثق من حتمية النصر وان طال الزمن ، تمكنت ان تهزم القوة الاسرائيلية " التي لا تقهر " في معركة الكرامة عام 1968 . وتمكنت ارادة الفدائي ايضاً ان تمنع القوة الاسرائيلية التي حشدت كل شيء من مجرد المغامرة بدخول بيروت عام 1982 . كما تمكنت ارادة شعبنا ان تفجر اعظم انتفاضة شعبية دخل لفظها كل المعاجم ، وان تعيد قبساً من تلك الانتفاضة في شهر ايلول عام 1996 رداً على قيام نتنياهو باعمال الاستيطان في جبل ابو غنيم، وبفتح نفق تحت المسجد الاقصى.
اجل لقد فشلت القوة الاسرائيلية الصارخة من الوصول لمبتغاها في كل المراحل، ولم تنجح اي محاولات او مؤامرات عن ثني هذا الشعب عن المضي في طريق نضاله المشروع، من اجل حريته ودولته وعودته واستقلاله، وليس امام نتنياهو اذا اراد سوى ان يستخلص العبر، وان يعاود قراءة التاريخ القديم والحديث، بعيداً عن اساطير التلمود وخرافات حاخاماته، وان يمحص في وهمه بقدرته على اعادة التاريخ الى وراء، وشطب الحقائق الراسخة على الارض، برصاصة، او صاروخ، او خارطة وجرة قلم.
وعند ذلك اذا تمكن ان يفعل، فسيجد انه امام خيار واحد ومحدد، ولا بديل له، وهو المضي على درب تنفيذ الاتفاق دون اجحاف، وسيجد عند ذلك قوى اسرائيلية كثيرة بجانبه، تضمن له البقاء في موقعه الذي يهمه كما يبدو اكثر مما يسميه هو "ارض اسرائيل". وهو ما خبره نتنياهو بنفسه عندما وجد 87 عضواً في الكنيست يصوتون لصالح اتفاق الخليل.
اما مخاوف الامن وذرائعه، التي دأب على ان يجعل منها قضية القضايا، واساس الاسس، فستنتفي بشكل تلقائي بازالة الاسباب التي ادت الى الصراع، وبانتهاء القضايا مثار الخلاف. الامر الذي يتطلب من نتنياهو ان يبادر بشجاعة الى وقف اجراءاته احادية الجانب، وان يصدر قراره بوقف اعمال الاستيطان، وبوقف محاصرة وعزل المدن والقرى الفلسطينية، ووقف مصادرة الارض واحتجاز المعتقلين، والبدء دون ابطاء بتنفيذ مراحل الانسحابات الثلاث، وحسم القضايا العالقة من الفترة الانتقالية.
بذلك فقط يستطيع نتنياهو ان يدخل التاريخ، وان يظهر بطلاً في نظر الاسرائيليين، وجاليات اليهود في العالم، وان يزيل الاسباب التي تؤدي الى العنف والارهاب، وان يحقق لاسرائيل الهدف الذي طالما "تباكت عليه"، وهو ان تصبح جزءاً طبيعياً في المنطقة. فهل تواتيه الشجاعة ؟ !.