التوازي بين المنافع والمفاسد
بعد طول انتظار طلعت علينا الادارة الامريكية بافكارها المتوازنة ، على حد قولها ، والتي بتطبيقها بالتوازي يمكن الوصول الى انقاذ لعملية السلام واعادة المسيرة الى خطها الصحيح لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم . ومع التأكيد كما جاء في رسالة الملك حسين ( ان رفض هذه الافكار من اي من الطرفين سيحمله مسؤولية تعطيل المسيرة ) .
من المنطقي والمتوقع ان تكون افكار نتنياهو وخرائطه ونسبه المئوية هي " عرض من اجل الرفض " . فموقفه من الاتفاقيات الموقعة .. ومن اساسها قراري مجلس الامن 242 ، 338 ومبدأ الارض مقابل السلام ، واضح . اما ان تكون افكار الادارة الامريكية هي نفس افكار نتنياهو ملفوفة بورق هدايا مصنوع في الولايات المتحدة ( Made in USA) فهذا امر لا يتناغم مع الدور الهام والاساسي المنوط بالولايات المتحدة ، وبالرئيس كلينتون بالذات الذي وقع الاتفاقيات جميعها ، وضمنها ، واصبح شريكاً كاملاً في مسيرة السلام . فعلى الرغم من حالة الاحباط التي عبر عنها الرئيس كلينتون للاخ ابو عمار في لقائه الاخير معه ، من سياسة نتنياهو ، وصعوبة ممارسة الضغوط عليه بسبب الاوضاع الخاصة به شخصياً وبالادارة الامريكية . الا ان تعاطف الرئيس كلينتون كان واضحاً في تصريحاته حول الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والاستقلال ، ورفضه للخرائط التي عرضها نتنياهو واعتبار ، العمل الاحادي الجانب الذي تقوم به إسرائيل يسمم اجواء عملية السلام .
وفي انتظار وصول افكار الرئيس كلينتون ، بادر الاخ ابو عمار بارسال رسالة له عبر فيها عن شكره للترحيب الذي لقيه في زيارته للولايات المتحدة ، مؤكداً على اعتماده على الرئيس كلينتون والسيدة اولبرايت في دعم العملية السلمية لتحقيق السلام لشعوب المنطقة . وقد تركزت رسالة الاخ ابو عمار حول بعض المسائل الحيوية بهدف دفع عملية السلام ودرء المخاطر التي يمكن ان تنجم عن تعثرها وانهيارها . واكدت ان المبدأ الاساسي الذي تقوم عليه عملية السلام ، هو الالتزام بالاتفاقيات الموقعة وقراري مجلس الامن 242 ، 338 ومبدأ الارض مقابل السلام . وان الالتزام بالاتفاقيات وبالمبادئ هو المدخل لاستمرار المسيرة السلمية في خطها الصحيح .
وقد اكدت الرسالة على التزام الجانب الفلسطيني بسياسة عدم التسامح تجاه العنف والارهاب سواء من الفلسطينيين او الاسرائيليين . وبما نصت عليه مذكرة التفاهم الامنية وبقرار المجلس الوطني بالغاء البنود وتعديل الميثاق وهو الامر الذي ستصادق عليه اللجنة التنفيذية .
وقد حث الاخ ابو عمار في رسالته الرئيس كلينتون على بذل الجهود لوقف الاجراءات احادية الجانب مثل الاستيطان . وهدم البيوت . ومصادرة الهويات . وتهويد القدس .. الخ . كما اكد على ان اعادات الانتشار يجب ان تنفذ وفق الاتفاقيات الموقعة ، وبما يتفق مع رسالة السيد كريستوفر . بما يشمل استكمال عملية الانسحاب من المناطق ( C ) . وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية من الانسحابات لابد من تحويل كل المنطقة (B) الى المنطقة (A) وتحويل جزء كبير من المنطقة (C) الى المنطقة (A) على ان يتم ذلك قبل السابع من نيسان حيث تستكمل اللجان الفرعية المكلفة بالمرحلة الانتقالية بحثها بخصوص قضايا الممر الآمن ، المطار ، الميناء ، الافراج عن المعتقلين .. الخ .
كما اكدت الرسالة ، على انه عندما يتم التطبيق الملموس لقضايا المرحلة الانتقالية ، فمن الممكن ان تتم المباشرة في مفاوضات المرحلة النهائية .
ان الافكار التي طرحتها رسالة الاخ ابو عمار هي من صلب الاتفاقيات الموقعة ، وهي بذلك تعبر عن سلامة الموقف الفلسطيني وتمسكه بعملية السلام وهي تنطلق من عدم الموافقة على اعادة التفاوض حول ما تم الاتفاق عليه ، وعدم التنصل من الاتفاقيات بوضع بدائل لها . وبان عدم الالتزام من الجانب الاسرائيلي بالاتفاقيات بما فيها بروتوكول الخليل ، الذي وقعه نتنياهو نفسه يؤكد عدم ضمانه اي مستقبل لعملية السلام .
ولقد جاء التناقض في الموقف الامريكي عندما لخص دينس روس الافكار التي ستحملها السيدة اولبرايت للاخ ابو عمار ولنتنياهو باعتبارها افكار متوازنة . ويمكن تطبيقها بالتوازي بحيث تعيد المصداقية للدور الامريكي في رعايته لعملية السلام ..
لقد ارتكزت هذه الافكار على مرحلة عملية الانتشار الاولى والثانية خلال فترة زمنية تمتد لمدة 12 اسبوعاً ( ثلاثة شهور ) ، وذلك بالتنفيذ عبر ثلاثة مراحل يتم فيها وبالتوازي تنفيذ شروط اسرائيلية على الشكل التالي :
المرحلة الاولى : وتشمل خمسة اسابيع ( من بداية الاسبوع الاول حتى نهاية الاسبوع الخامس ) في هذه الفترة وبعد قبول الاقتراح الرسمي من الطرفين يتم ما يلي :
1. تشكل لجنة ثلاثية للامن بهدف التركيز على التهديدات التي يشكلها الارهاب.
2. يتم تفعيل التنسيق الفلسطيني الاسرائيلي الثنائي بدون شروط وعلى كافة المستويات وبتعاون كامل .
خلال اسبوعين سيطبق الجانب الاسرائيلي ما اعلنوه في المرحلة الاولى وهو انسحاب 1.9% من(C) الى (B) ، 0.1 % من (C) الى ( A) اما الجانب الفلسطيني فعليه الالتزام بما يلي خلال هذه فترة :
1. اصدار مرسوم رئاسي يحظر التحريض .
2. انشاء لجنة ثنائية لمعالجة التحريض الاسرائيلي الفلسطيني . وسيشارك بها الامريكيون .
3. ستشكل لجنة ثنائية ( امريكية فلسطينية ) للتعامل مع قضايا امنية محددة مثل متابعة ملفات اشخاص ارتكبوا عمليات ارهابية او شاركوا بها لمعرفة وضعهم الراهن .
4. تجتمع اللجنة الثلاثية مرة كل اسبوعين لمعالجة قضايا الارهاب الخارجية على المستوى الاقليمي . وسيتم وضع آليات تطبيق ومراقبة تدمير البنية التحتية للارهاب .
5. تصادق اللجنة التنفيذية على رسالة الرئيس عرفات حول الميثاق .
المرحلة الثانية :
من بداية الاسبوع السادس وحتى نهاية الاسبوع الحادي عشر ،. يقوم الجانب الاسرائيلي ، باعادة الانتشار من 5% من ( C ) الى ( B ) ويلتزم الجانب الفلسطيني بما يلي :
1. يصادق الرئيس عرفات على قانون حيازة الاسلحة بعد اقراره من المجلس التشريعي .
2. يقدم الجانب الفلسطيني قائمة باسماء الشرطة الفلسطينية للجانب الاسرائيلي .
3. يتفرع عن اللجنة الثلاثية ، لجنة ثلاثية فرعية لمعالجة قضايا تهريب الاسلحة
4. يعقد اجتماع للجنة الارتباط العليا او لجنة التوجيه لبحث مسألة نقل المشبوهين .
المرحلة الثالثة :
خلال الاسبوع الثاني عشر .
يقوم الجانب الاسرائيلي بنقل 5% من ( C) الى ( B) و 1% من ( C ) الى ( A)، 5% من ( B ) الى ( A ) وفي هذه الاثناء تكون مفاوضات الوضع النهائي قد استؤنفت. هذه هي الافكار التي حملتها السيدة اولبرايت لعرضها على نتنياهو ومن ثم على الرئيس عرفات .
من الواضح مما تقدم ان هذه الافكار تحاول تجنب ممارسة اي ضغط على نتنياهو في حين تقوم ، ليس فقط بما احتوته من شروط وانما بما اغفلته من استحقاقات بفرض الضغط على الجانب الفلسطيني الذي لا يرى فيها سوى تنصل امريكي كامل من عملية السلام . فهذه الافكار اغفلت بشكل كامل المرحلة الثالثة للانتشار التي ستشمل كل ما تبقى من المناطق ( C ) ما عدا قضايا الحل النهائي كما نصت عليه الاتفاقية في المادة ( 13 ) البند ( 8 ) على الشكل التالي ( اعادة انتشار اخرى في منطقة C ونقل مسؤوليات الامن الداخلي للشرطة الفلسطينية في المناطق B ، C ستتم خلال ثلاث مراحل . كل مرحلة تستمر بعد فترة ستة اشهر وستكتمل بعد ( 18 ) شهراً من تنصيب المجلس باستثناء قضايا مفاوضات الوضع النهائي ومسؤوليات إسرائيل الشاملة عن الاسرائيليين والحدود ) .
كما ان الافكار لم تتطرق باي حال من الاحوال الى القضايا الاحادية الجانب وفي مقدمتها الاستيطان الذي يشكل العقبة الاساسية في وجه عملية السلام . وعلى الرغم من تصريحات السيدة اولبرايت المتكررة حول خطة النقاط الاربعة وهي الامن واعادة الانتشار ، والقضايا احادية الجانب والحل النهائي فان القفز من اعادة انتشار جزئي الى الحل النهائي يصب في خطة نتنياهو وخرائطه المرفوضة .
ومن الملاحظ عدم تطرق هذه الافكار الى ما جاء في رسالة الاخ ابو عمار للرئيس كلينتون حول استحقاقات المرحلة الانتقالية . اضافة الى ان النسب المعروضة ( بالتقسيط المريح ) لا تضمن اي تواصل جغرافي بين هذا التشريح القسري للوطن الفلسطيني . ان الانطلاق من قاعدة ( ان ما لا يدرك كله مرحلياً لا يترك جله) يتطلب التمحيص فيما اذا كانت هذه القاعدة تلبي قاعدة ( درء المفاسد اولى من جلب المنافع ) ام لا .. فما هو معروض اخذه من ارض هو بلا شك منافع لا يجوز التقليل من شأنها . ولكن الموافقة على هذه المنافع دون ادراك الاضرار والمفاسد التي ستحيق بمسيرة السلام اساساً ، وبالحقوق الفلسطينية الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بما فيها حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس ، تعني الوقوع في فخ التهلكة. ان السلطة الوطنية ليست في موقع القوة لتفرض ارادتها على الطرف الاسرائيلي المتغطرس. وان مبادرة الأخ أبو عمار بدعوة اللجنة التنفيذية لأول اجتماع خاص بها منذ انتخابها من المجلس الوطني يعطي مؤشراً إيجابياً رغم كونه تلبية لطلب أمريكي متعلق بالميثاق، وعلى الرغم من القناعة الأمريكية بالاكتفاء بمصادقة اللجنة التنفيذية على رسالة الأخ أبو عمار حول الميثاق. إلا أن نتنياهو يصر ويؤكد على ضرورة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ليصوت باغلبية الثلثين . ( مرة اخرى ) على تعديل الميثاق .. وهو مطلب لا يهدف سوى لوضع العصي في دواليب عملية السلام من خلال موقف مظهري بالالتزام بما يريده من نصوص تخدم اهدافه الايديولوجية العنصرية .
ان اعادة الاعتبار العملي لدور منظمة التحرير ولجنتها التنفيذية يتطلب ان ينسحب ذلك على دوائرها وتفعيل دورها في تحشيد الموقف الفلسطيني في الوطن والشتات . الى جانب تفعيل الموقف العربي والدولي .
ان الموقف الفلسطيني الذي يتمسك بالاتفاقيات يجد ان ما تعرضه الادارة الامريكية يخالف المرجعيات والاتفاقيات الموقعة في البيت الابيض . وانه يخالف نصوص رسالة وزير الخارجية كريستوفر التي تؤكد على مراحل اعادة الانتشار الثلاثة ، كما يخالف التعهد الذي قطعه دنيس روس باسم الادارة الامريكية حول الاجراءات احادية الجانب كما جاءت في ملحق بروتوكول الخليل تحت عنوان ( ملاحظات للسجل ) (NOTES FOR THE RICORD)
ان التوازي بين ما تحققه الافكار الامريكية من منافع وبين ما ستجره من مخاسر يفرض خيار درء المفاسد ، ويفرض خيار الاستعداد الذاتي للحفاظ على المنافع التي تم تحقيقها من خلال عملية السلام ، وفي مقدمتها منجزات السلطة الوطنية وسيطرتها على جزء من الاراضي الفلسطينية المحررة . وامكانية تطوير الواقع الذاتي رسمياً وشعبياً فوق هذه المناطق . مهما صغرت باعتبارها نقطة الانطلاق نحو استكمال عملية التحرير والبناء جنباً الى جنب . وحتى نضمن التطور العملي للواقع بما يخدم الهدف المنشود ، لابد ان يكون لسلطتنا الوطنية ما يبشر جماهير شعبنا في الوطن والشتات بالامل الذي يحمله الحلم الفلسطيني لاجيالنا الراهنة والقادمة .
ان خطوات اصلاحية تلتزم بالقرارات التي اصدرها الاخ ابو عمار مؤخراً والتي اقرها المجلس التشريعي ، الى جانب الحفاظ بشكل حازم على سيادة القانون من شأنه ان يجعل قوة سلطتنا الوطنية تتضاعف في مناطق سيطرتها . ان حالة التردي التي وصلت اليها تصرفات البعض على الرغم من المحاسبات التي تتم الا انها لم تضرب بيد العدالة على كل المتطاولين على القانون الفلسطيني وسيادته . لقد تفشت بعض الظواهر السلبية في الممارسات لتصل الى حد الاستهتار بالعلاقات الاخوية التي يقوم على اساسها المجتمع الفلسطيني . وليست ظاهرة الاشتباكات الشخصية والاعتداءات من قبل المسؤولين بعضهم على بعض الى درجة استخدام المرافقين لتأديب مسؤولين اخرين مما يشكل ظاهرة غريبة ، الاغرب منها هو وقوف من يحمي هذه الظاهرة التي لا تبشر بخير ويجد لها المبررات .
ان قدرتنا على الصمود في وجه المخططات التي تستهدفنا جميعاً يتطلب منا ان نقف سوياً على قلب رجل واحد لتدعيم الموقف السياسي الصامد الذي يعبر عنه الاخ ابو عمار . وان نسعى ليكون قانون المحبة هو الحامي لسيادة القانون الفلسطيني بحيث ننصر اخانا ظالماً او مظلوماً بمنعه ان يستفحل في ظلمه . وان لا يمنعنا شنآن قوم من ان نعدل في حكمنا . ان سياج الحماية الوحيد الذي نستطيع به ان نصون منجزاتنا هو حماية سيادة القانون . وتطوير العلاقات الوطنية في ظل وحدة وطنية صارمة لا تسمح لاحد باختراق القانون وبممارسة ما من شأنه اضعاف موقف السلطة الوطنية ومنظمة التحرير المتمسك بالاتفاقيات .
ونحن على يقين ان حركتنا هي الضمانة الاساسية بوحدتها وتماسكها لتصون المنجزات وتبني للمستقبل ، وتستمر على طريق استكمال تحرير الارض والانسان ونشر السلام في وطن السلام فلسطين .
وانها لثورة حتى النصر