Fateh

الحرية والكرامة للأسرى المناضلين


لقد اثبتت مباحثات نهر واي المطولة عجز نتنياهو عن اللعب مع الكبار. فاسلوب الادارة بالازمات الذي برع في استخدامه ارتد سلباً عليه وعلى وفده المفاوض، مما احدث ارباكاً كبيراً، وادى الى الوقوع في اخطاء اعتبرها المراقبون الامريكيون قاتلة. كانت آخر هذه الاخطاء واكثرها فداحة هو المطالبة باطلاق سراح جوناثان بولارد، والذي وصف بأنه خطأ غبي مثير للدهشة، حيث انه سيكون لهذا الخطأ اثر عميق وطويل الامد على العلاقة مع الحكومة الامريكية. فقد ادى اصرار نتنياهو على اطلاق سراح بولارد الى ابعاد الجمهوريين المحافظين عن الاسرائيليين. وبدأ التساؤل في الكونغرس الامريكي عن الولاء الاسرائيلي للموقف الامريكي وللرؤية الاستراتيجية الامريكية ازاء الشرق الاوسط.
لقد جاءت الاتصالات بالرئيس كلينتون لرفض الطلب الاسرائيلي من شخصيات قيادية من الحزب الجمهوري في مقدمتهم ريتشارد شيبي، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، وقد اظهر استبيان قام به جورج تنانت ان اطلاق سراح بولارد كان سيعتبر خطأ سياسياً يقترفه كلينتون. وان كلينتون كان يعلم ان قراره الفوري سيكون مفاده "ان عدم التوصل الى اتفاقية افضل من التوصل الى واحدة تشمل اطلاق سراح بولارد"، وقد اكدت المعلومات ان شارون الذي اصطحبه نتنياهو ليكون درعاً يقيه من اليمين الاسرائيلي، كان هو صاحب الاقتراح بضرورة الافراج عن بولارد ضمن الصفقة. ففي الوقت الذي بدأ فيه نتنياهو فخوراً بانجاز الاتفاق وان باستطاعته المغادرة كان رد شارون" اننا لن نغادر هذا المكان حتى يصعد جوناثان بولارد معنا على متن الطائرة" لقد حول شارون نفسه من درع الى سيف في يد نتنياهو الذي ظهر انه مبارز فاشل.
ولكن نتنياهو عاد حاملاً كل فشله ليلوح بازمات على ارض الواقع. عاد ليدوس الاتفاق وليعلن الحرب من جديد.. وجاءت تصريحاته حول عطاءات البناء في جبل ابو غنيم ضربة قاضية لمفهوم الاجراءات احادية الجانب، ودفع ذلك التنافس الفوضوي على الزعامة والمزايدة لارضاءعصابات المستوطنين الذي عبرت عنها التصريحات التي اطلقها الارهابي شارون داعياً المستوطنين الى احتلال التلال ورؤوس الجبال للحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
وتحولت الحسرة التي عصرت قلب نتنياهو نتيجة فشله في اطلاق سراح بولارد الى حالة حقد طاغية بدأ تنفيسها من خلال اصراره على عدم اطلاق سراح الاسرى من المناضلين الفلسطينيين وبدأ يقرأ الاتفاق الخاص بشأن الاسرى على الطريقة النتنياهية معتمداً على غياب اي نص عن موضوع الاسرى في مذكرة نهر واي المعلنة والموقعة. ومتلاعباً بالالفاظ التي لم تحددها تفاصيل الاتفاقية. فسوء النوايا الذي ادركه المفاوض الفلسطيني خلال التعاطي مع الاسرائيليين منذ عهد رابين وبيرز ومن خلال المفاوضين اوري سافير ويوئيل زنجر يؤكد ما قاله سبحانه وتعالى في تصرفات هؤلاء.(اوكلما عاهدوا عهداً.. نبذه فريق منهم.. بل اكثرهم لا يؤمنون) صدق الله العظيم. فكيف والحال مع نتنياهو وعصابته التي هي فريق الفُرقة لا فريق الاتفاق.
كان موقف نتنياهو للرد على اهانة كلينتون له بالعمل على تدمير الاتفاق الذي اعتبر مذكرة نهر واي خطوة لتطبيق اتفاق السلام. وسواء في وضع الانسحابات واعادات الانتشار. وتغيير الخرائط. ومصادرة الاراضي من اجل الطرق الالتفافية وتوسيع الاستيطان. كل هذا من شأنه ان يضعف موقف السلطة الوطنية ويجعلها اعجز من ان تمارس دورها في السيطرة على الشارع الفلسطيني الذي يتطلع الى السلام ويرفض الاستسلام.
اما الموقف الاكثر تفجيراً فكانت الخديعة التي مارسها نتنياهو باطلاق سراح مساجين الحق العام سواء من العمال الذين القي القبض عليهم لمخالفتهم في الاقامة. او من لصوص السيارات، وتجار المخدرات الذين لابد من استمرارمعاقبتهم حتى ولو تم الافراج عنهم من قبل اسرائيل. وفي كل الحالات لا يجوز اعتبار هؤلاء المساجين ضمن صفقة الاتفاق الذي شملته الوثيقة الخاصة الملحقة بمذكرة نهر واي. لقد وصل الغضب الفلسطيني نتيجة التصرف الاسرائيلي المخادع الى درجة فاقت الوصف وحرفت الاتجاه احياناً ليتحول غضباً على الذات الفلسطينية المتمثلة بالوفد مما الحق اساءات لاتجوز ولابد من تداركها وتوجيه الغضب الى الاتجاه المخادع المراوغ الذي يستحق الانتفاضة العارمة في مواجهته سواء خارج المعتقلات او داخلها. فقد اعطى الوفد المفاوض في نهر واي برئاسة الاخ ابو عمار الاهتمام الاكبر لقضية الانسان الفلسطيني التي تجسدت في المطالبة بالافراج عن جميع الاسرى المعتقلين بدون قيد او شرط. والتي واجهت الاصرار الصهيوني على التمييز بين من وصفوهم بأن ايديهم ملطخة بالدماء. وبين الامنيين الاخرين. وقد تم وضع مواصفات محددة لاطلاق جميع الاسرى وخاصة الذين امضوا ثلثي مدة الحكم. وكبار السن والصغار، والمرضى ولكن تصرفات نتنياهو ان دلت على شيء فانها تؤكد من جديد انه يعمل على تدمير الاتفاق الاصلي. اتفاق اعلان المبادئ، وكل ما يتعلق باوسلو وبالسلام. ويمكن الاشارة الى ان المساعي الصهيونية التي تصعد الحملة الامريكية ضد العراق انما تستهدف تأجيج نار الصراع في المنطقة بحيث تختلط كل الاوراق ويتخلص نتنياهو من الالتزامات التي تضمنتها مذكرة نهر واي رغم قلتها واجحافها. وقد جاء بيان العار الذي اصدرته دول اعلان دمشق ليعطي الغطاء للعدوان الامريكي على شعب العراق تعبيراً عن تردي الواقع العربي الرسمي، وعن مدى التدمير الذي لحق بمفهوم الامن القومي العربي. ان العصابة الصهيونية التي تحاول ان تورط الرئيس كلينتون بتوجيه ضربة سريعة واحادية الجانب للعراق تدرك جيداً ان هذه الضربة قد تحول بينه وبين رحلتة الهامة الى فلسطين. حيث تعبر هذه الرحلة وما تحتويه من موقف لدعم الحق الفلسطيني تعبيراً لا يرضى عنه صهاينة البيت الابيض ولا يرضى عنه اعداء السلام في حكومة نتنياهو.
لقد اصبح مخطط نتنياهو والحكومة الاسرائيلية واضحاً تجاه التعامل مع مذكرة واي واستحقاقات المرحلة الانتقالية والدخول في قضايا الحل النهائي. فالانسحابات التي تمت وما تتطلبه من تبادلية من الجانب الفلسطيني بدأت بتعقيدات انتقاد صيغة المرسوم بشأن التحريض في وقت يقوم به الجانب الاسرائيلي بكل اشخاصه وفئاته بالتحريض السافر على القتل والاستيطان والمصادرة دون رقيب او حسيب.
اما المطار الذي كان افتتاحه يعبر عن بهجة لم تعمر طويلاً، حيث القت حالة الاسرى والمعتقلين وتصاعد النقمة الشعبية ظلالها الكئيبة والمحبطة على فرحة المطار. ناهيك عن الشعور بان مفتاح هذا المطار يظل في ايدي الصهاينة الذين لم يتورعوا عن اغلاق ممر بيت حانون (ايرز) في وجه المسؤولين رداً على منع شاحنة تحمل اسمنت بهدف توسيع الاستيطان في مستوطنة نتساريم، التي يرفض المنطق بقاءها ووجودها حتى الان. ان فتح المطار او اغلاقه سيظل ورقة ضغط تستخدم لتدجين الموقف الفلسطيني وليس العكس كما يعتقد حسنو النوايا.
اما الاستيطان واستفحاله بصورة فاقت كل وصف فقد جاء ليؤكد ان الحديث عن النبضة الثالثة او المرحلة الثالثة لاعادة الانتشار والتي تشكلت لها لجنة خاصة لبحث موضوعها انما هي امر مفروغ منه بالنسبة للاسرائيليين. فالوزير الذي يتعامل مع هذه القضية هو شارون. وهو صاحب فكرة ان لا يتجاوز الانسحاب في المرحلة الثالثة عن 1% وهو يتصرف على هذا الاساس حيث تم فرز المفاوضين من الجانب الاسرائيلي من مستويات ادارية متدنية لا تتجاوز صلاحياتهم 1% من صلاحيات شارون. وهؤلاء هم الذي سيتفاوضون حول اعادة الانتشار للمرحلة الثالثة مع المستويات الاعلى من المفاوضين الفلسطينيين.
وتأتي قضايا الحل النهائي التي يصدر الاسرائيليون يومياً الاحكام بشأنها من طرف واحد، وهو امر نقوم نحن من جانبنا بنفس الشيء، ولكن التساؤل حول من يمتلك موازين القوى التي تؤهله من فرص استحقاقاته. قد يقول البعض ان الجانب الاسرائيلي هو الاقوى وهو القادر على ان يفرض ارادته. ولكننا في حركة فتح نرى غير ذلك تماماً. نرى الارادة الفلسطينية والاستعداد للمواجهة بالعناد والصمود والصلابة المعهودة في الانسان الفلسطيني. بكل ذلك تكون ادارتنا التفاوضية وادارتنا للمواجهة ليست قادرة فقط على التصدي وانما تتجاوز ذلك بتحقيق اهدافنا شرط ان تكون طاقاتنا، وطاقات شعبنا موجهة جميعها باتجاه واحد.
ان قوة نتنياهو وحكومته لا تأتي بسبب ما يمتلكه من اسلحة ومن آاليات وصواريخ وترسانة نووية. هذه قوة العبء التي تضع على اكتافه عبء القوة. ان مصدر قوته هو التشتت والتبعثر في الموقف الفلسطيني. في محاولته اضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال معارضات لمحاولة السلطة تطوير انجازاتها وتراكم ايجابياتها. وفي محاولة تضخيم الاخطاء بدل وضعها في سياق حجمها لمعالجتها.. فالموقف الفلسطيني الموحد في مواجهة الاستيطان يعني الموقف لتحرير الوطن. والموقف الموحد تجاه الافراج عن جميع الاسرى المناضلين هو موقف لتحرير الانسان الفلسطيني. والموقف الفلسطيني الموحد من اجل تجسيد السيادة الوطنية هو موقف استكمال عناصر بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة.
ان الموقف الفلسطيني الموحد لا يتشكل ضمن ارادة واحدة لطرف يريد فرضها. فالسلطة الوطنية هي سلطة كل الشعب، كل القوى سواء كانت ضمن تشكيلها او معارضة لها. انها سلطة الجميع ويجب ان نأخذ بعين الاعتبار ارادة الجميع لتكون سلطة محصلة الارادات في اطار سيادة القانون. وان الدعوة الموجهة من اللجنة التنفيذية الى جميع القوى للمشاركة في التخطيط والممارسة العملية لمفاوضات الحل النهائي تتطلب مجموعة اجراءات ضرورية لتأكيد مصداقية هذه الدعوة وعدم استخدامها كسابقاتها من اجل رفع العتب. فالمشاركة الفعلية في مفاوضات الحل النهائي تتطلب المشاركة في خلق الجو الديمقراطي الشامل الذي يمكن ان يتحقق من خلال فتح باب المشاركة في الانتخابات المحلية للمجالس البلدية. وبفتح المجال امام الحريات الديمقراطية والافراج عن جميع المعتقلين السياسيين في سجون السلطة الذين لم يخالفوا قانون التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير.
ان المعركة الشرسة التي يفرضها نتنياهو على السلطة الوطنية تبلغ اوجها الان في تفاقم الحالة التي وصل اليها المعتقلون الابطال ممن كانوا سيف الثورة ودرع الانتفاضة. والذين قدموا زهرة شبابهم وعمرهم يدافعون عن الوطن من اجل حريته، وقد حرموا هم من حريتهم. هؤلاء الابطال الذين وصلت بهم حال الاستياءات درجة الاحباط والى حالة فقدان الثقة بسلطتهم الوطنية وبمنظمتهم وحركتهم لدرجة صاحبها (التهديد بأن الاسرى سيحرقون انفسهم اذا ما تم تجاهل قضيتهم لتسجيل وصمة عار على جبين كل القيادات) كما جاء في مذكرتهم الداعية الى فعاليات وخطوات مشروع الحرية والكرامة.
ونحن اذ نقول لهم لكل اخوتنا الصامدين الابطال بكل انتماءاتهم. باسم حركتكم فتح. باسم سلطتكم الوطنية وباسم ممثلتكم منظمة التحرير الفلسطينية نؤكد ان اكثر ما يشغل بالناويقض مضاجعنا هو الحال الذي وصلنا معكم فيه الى درجة الاستعداد الكامل لمواجهة حكومة نتنياهو وعصابة المتطرفين الصهاينة الذين يحاولون ان يضغطوا على عنق السلطة الوطنية من خلال احكام قبضتهم الظالمة على اعناقكم. فانتم الرئة التي بدونها لن يصل الاوكسجين الى دم الثورة والسلطة والمنظمة، وانتم النبراس الذي يضيء دامس الظلام ليفتح آفاق الحرية والاستقلال الوطني. ونحن اذ نتبنى كل ما جاء في مذكرتكم من مواقف لمواجهة العدوان الصهيوني الظالم، نعدكم بانه لا بديل عن الحرية الكرامة لكل واحد منكم اياً كان انتماؤه واياً كان فصيله. وللاخوة الذين تضمخت ايديهم بعطر الكرامة وبلسم الفداء. الذين يحاول العنصريون الصهاينة ان يصفوا ايديهم بأنها ملطخة بالدماء. نقول لكم واحداً واحداً.. انكم انتم فخر هذه الثورة وفخر الانتفاضة وانكم حين اخترتم طريق الفداء والحرية كنتم قد وضعتم ارواحكم على اكفكم. ولم تكونوا تتطلعون الى الحياة والنجاة بديلاً للاستشهاد. واما وقد كتبت لكم الحياة. وكتب لكم ان تعيشوا لتروا نتاج وحصاد ما زرعته قلوبكم الجريئة، فانكم لابد ستشاركون كما شارك اخوة لكم في استثمار الخصب الفلسطيني الذي سيتجسد قريباً دولة مستقلة وحرة بكل ارضها وانسانها. ويومها لن يكون هناك لهذه الدولة اسرى او معتقلين عند اي جهة. ويومها ستكون التبادلية متكافئة. ويومها سيكون للحرية معناها.
نحن معكم على موعد والفرحة الكبرى في الرابع من ايار عام 1999، وسيكون العرس الفلسطيني طاغياً جامعاً ومانعاً بحيث يبدأ فيه العالم كل العالم يستعد لدخول القرن الحادي والعشرين وهو يتكئ على جبل الزيتون، وينظر الى الاقصى المبارك وتسكن في عينيه القيامة بعد الفي عام من الصعود. وسيكون القرن الحادي والعشرون بوابة العصر الفلسطيني منطلقاً من فلسطين من القدس المباركة مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومهد المسيح عليه السلام.
لكم الحرية والكرامة .. وعلى طريق المجد والنصر الاكيد.


وانها لثورة حتى النصر.

 

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست