Fateh

تطور الفكر السياسي الفتحوي

(36)

تنص المادة الرابعة في النظام الاساسي لحركة فتح تحت عنوان المبادىء على ان (نضال الشعب الفلسطيني جزء من النضال المشترك لشعوب العالم ضد الصهيونية والاستعمار والامبريالية العالمية)(1)

ولقد حرصت حركة فتح ان تجعل ضمن اهدافها الرئيسية ترابطا جدليا مع اهداف شعوب العالم في الحرية وبناء صرح السلام العالمي. فكانت المادة السادسة عشرة من النظام الاساسي تحت عنوان الاهداف تنص على (مساندة الشعوب المضطهدة في كفاحها لتحرير اوطانها وتعزيز مصيرها من اجل بناء صرح السلام العالمي على اسس عادلة)(2)

كما اكدت الحركة من الناحية العملية تحت عنوان الاسلوب في المادة (24) من النظام الاساسي على (اقامة اوثق الصلات مع القوى التحررية في العالم لمناهضة الصهيونية والامبريالية والتي تدعم كفاحنا المسلح العادل)(3)

وفيما يلي نص الموقف الفتحوي الذي يربط بين الثورة الفلسطينية والثورة العالمية:

يحتل وطننا العربي بثروته النفطية الهائلة وموقعه الاستراتيجي الهام هدفا اساسيا من اهداف الامبريالية الشرسة. كما تشكل المستعمرة الصهيونية في فلسطين مخفرا اماميا للامبريالية من اجل سحق أي تحرك معاد للامبريالية في المنطقة والمحافظة على تقسيم الوطن العربي وتخلفه ليتسنى للامبريالية والصهيونية الاستمرار في نهب ثروات شعبنا واستغلال جماهيرنا. وثورتنا بتصديها المباشر للقاعدة الصهيونية الامبريالية في فلسطين وبسعيها لتجميع القوى الوطنية العربية ضد هذا العدو تمثل طليعة النضال العربي ضد الامبريالية والصهيونية وجزءا اساسيا في الجبهة العالمية المعادية للامبريالية.

ومن هذا الموقع فان ثورتنا تسهم اسهاما فعالا في حسم التناقض الرئيسي في هذا العصر لمصلحة الشعوب. ان نضال شعبنا ضد الامبريالية والصهيونية والقوى العميلة المتواطئة معها نضال طويل وعريق. وما انطلاقة ثورتنا المسلحة في الفاتح من يناير عام 1965، الا الحلقة الاخيرة في سلسلة النضالات البطولية لشعبنا العربي في فلسطين. ولقد كانت انطلاقة مدروسة استفادت من تراث شعبنا النضالي وارتقت به إلى مرحلة اعلى. وهذه حقيقة اساسية قد نميل إلى نسيانها في فترات الانحسار التي قد نمر بها والتي نركز فيها على السلبيات في مسيرتنا الثورية.

ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بطرحها القضية الفلسطينية كحركة تحرر وطني صححت المفاهيم الخاطئة والمعكوسة التي روج لها الكثيرون قبل انطلاقة الثورة وبعدها. ولقد صححت فتح هذه المفاهيم ليس فقط ببلاغة حجتها وصلابة منطقها، بل والاهم من ذلك بممارستها وبحملها السلاح في وجه العدو المحتل، وبدفعها الآلاف من خيرة ابنائها الذين نالوا شرف الشهادة وهم يكيلون الضربات للصهاينة والمستعمرين او يدافعون عن الثورة امام خيارات القوى العربية العميلة.

بعد ان راح العالم طوال عقدين من الزمن ينظر إلى الفلسطينيين كلاجئين، والى النزاع في منطقتنا كصراع على خطوط بين اسرائيل والدول العربية، غيرت فتح هذه المفاهيم الخاطئة وطرحت قضيتنا كقضية شعب اغتصبت ارضه وشرد من وطنه من قبل غزاة مستعمرين مرتبطين عضويا بالامبريالية العالمية، ومتسلحين بايديولوجية رجعية شوفينية عنصرية تستهدف اقامة مستعمرة لا محل فيها لاي فلسطيني سوى القلة اليهودية القليلة من شعبنا العربي الفلسطيني. لقد نبذت ثورتنا التعصب القومي وانطلقت من منطلق انساني هادفة ليس فقط إلى تحرير الانسان العربي بل ايضا إلى تحرير الانسان اليهودي من نير الصهيونية. فبالرغم مما فعله الصهاينة بشعبنا من ذبح وتشريد فاننا لم نطرح في المقابل طرد اليهود وتشريدهم في تصورنا لفلسطين المحررة. ولكننا بطرحنا الدولة الديمقراطية فتحنا الباب امام اليهود في فلسطين ان ينبذوا الصهيونية والقاعدة الاستعمارية المسماة "باسرائيل" وان يناضلوا معنا من اجل مجتمع تقدمي عربي يعيش فيه الجميع بغض النظر عن دياناتهم متمتعين بحقوق وواجبات متساوية. ولقد لاقى هذا المفهوم الذي تضمنه شعارنا لدولة ديمقراطية في فلسطين تفهما وقبولا واسعين من جانب القوى التقدمية العالمية بما فيها قوى يهودية غير صهيونية.

ان ثورتنا بطرحها السليم لقضيتنا قد ادت إلى فضح المستعمرين الصهاينة وادعاءات بعضهم باليسارية والديمقراطية امام الرأي العام العالمي، ووضعتهم في موقع الدفاع بالنسبة لهجوم الثورة في المجالين السياسي والفكري. فان الصهاينة الذين يدعون اليسار بالرغم من تغيير حججهم وابتكار وسائل جديدة للتضليل، لم يعد من السهل عليهم التأثير على الاوساط التقدمية التي اخذت تتفهم بشكل متزايد عدالة قضيتنا. اننا لا نستطيع ان نتجاهل بعض القوى التي ترفع الراية اليسارية في اسرائيل والتي لها قدر من النضال ضد سياسات الدولة الصهيونية الامبريالية. ولكننا نرى ان هذه القوى لا يزال امامها ان تراجع مواقفها بالنسبة لعديد من القضايا الاساسية حتى تصبح جزءا حيويا في النضال ضد الصهيونية والامبريالية، واهم هذه القضايا احتلال وطن واقامة دولة عنصرية على حساب شعب اخر، واستيطان ارض واستثمار ثروات هي ملك لهذا الشعب.

ان حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بطرحها القضية الفلسطينية كحركة تحرر وطني، ربطتها بشكل ثابت وواع بحركات التحرر الوطني وبالثورة العالمية على الصعيدين النظري والعملي. ففي برنامج العمل الذي قدمته حركتنا إلى المجلس الفلسطيني في دورته الثانية جاء ما يلي: "ان معركة الحرية واحدة لا تتجزأ وان هزيمة الاستعمار والامبريالية العالمية في أي مكان من آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية انما يعتبر انتصارا لمعركة الحرية في فلسطين العربية، وبالتالي فان شعبنا يقف إلى جانب جميع الشعوب في نضالها من اجل حريتها واستقلالها وتحقيق التعاون الوثيق مع جميع قوى التحرر في العالم". وفي نظامها الداخلي تقر حركتنا من بين اهدافها "مساندة الشعوب المضطهدة في كفاحها لتحرير اوطانها وتقرير مصيرها من اجل بناء صرح السلام العالمي على اسس عادلة" وتدعو الحركة إلى "اقامة اوثق الصلات مع القوى التحررية في العالم المناهضة للامبريالية والصهيونية والتي تدعم كفاحنا المسلح العادل". وفي برنامج الثورة الفلسطينية تؤكد ثورتنا على ان احد المحاور الاستراتيجية الرئيسية الاربعة التي يرتكز عليها برنامجنا السياسي هي "التلاحم مع حركة النضال العالمية ضد الامبريالية والصهيونية ومن اجل التحرر الوطني".

هذا على الصعيد النظري. وقبل ان نتطرق إلى الصعيد العملي لعلاقاتنا مع القوى العالمية عامة وقوى الثورة العالمية خاصة، سنستعرض العناصر الاساسية لمنهجنا في التعامل مع هذه القوى والمقاييس التي ينبغي الالتزام بها في تحديد من وما هو الثوري في مثل هذه المقاييس ضرورة لا بد منها في مواجهة بعض مظاهر الانحراف التي تبرز في فترات الانحسار.

1- الاهتمام باحداث النتائج وليس بمجرد طرح الافكار وتسجيل المواقف: كما انه يهمنا في العلم ان يرشدنا إلى عمل لمصلحة جماهيرنا، وفي الفكر ان نحوله إلى حركة في الواقع. يهمنا في المواقف ليس مجرد تسجيلها بل احداث نتائج ملموسة مهما كانت متواضعة. فاننا نرى ان الثوري هو ليس من يتكلم عن الثورة بل من يصنع الثورة. ومع التركيز على الممارسة يجب ادراك العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة بحيث ننبذ القوالب الفكرية الجامدة والمعادلات الجاهزة ونحاول اغناء فكرنا على ضوء ممارساتنا وتطويره عن طريق تنظير تجاربنا.

2- التحديد الواضح للتناقض الرئيسي: لقد حددت حركتنا التناقض الرئيسي بشكل واضح على الساحات الثلاث، الفلسطينية والعربية والعالمية، فالتناقض على الساحة الفلسطينية هو بين شعبنا المتشرد او الرازح تحت الاحتلال وبين الاحتلال الصهيوني الامبريالي. وانطلاقا من ذلك ومن حقيقة ان المعركة الفلسطينية والمعركة العربية وجهان لعملة واحدة فان التناقض الرئيسي على الساحة العربية هو بين قوى الثورة الفلسطينية وحركة التحرر العربية وبين الامبريالية والصهيونية واشكال الاستعمار الجديد واية قوى عربية متواطئة معها. اما على الصعيد العالمي فالتناقض الرئيسي بين قوى الثورة العالمية والقوى الامبريالية بكل ما تمثله من استغلال وعنصرية واستعمار قديم او جديد.

3- التمييز بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية: وينعكس هذا الفهم لطبيعة التناقض الرئيسي على الساحات الفلسطينية والعربية والعالمية على ممارسات الثورة. فالثورة تحرص على عدم خلط التناقضات الثانوية والتناقض الرئيسي وتحرص من خلال اخضاع التناقضات الثانوية للتناقض الرئيسي على جذب قوى جديدة إلى معسكر الثورة، وعلى تنشيط قوى قد تكون خاملة برغم ان مصلحتها هي في النضال ضد الصهيونية والامبريالية، او تجنيد قوى اخرى قد يسعى العدو الصهيوني والامبريالي إلى جذبها لمعسكره عن طريق مناورات القوى ومدى قابليتها للتغيير سلبا او ايجابا. هذا هو المنهج الذي يضمن التطبيق الواعي للشعار "اوسع الاصدقاء واضيق الاعداء" وهو الشعار الذي يشكل شرطا رئيسيا لانتصار اية ثورة.

4- التصنيف الدقيق للقوى من اجل توسيع جبهة الاصدقاء وتضييق جبهة الاعداء: ان حركتنا تحكم على كافة القوى وهي تصنفها صداقة او عداء بممارسات هذه القوى وليس فقط بأقوالها، ليس في ظرف محدده فحسب ولكن من خلال رؤية تاريخية لحركة هذه القوى ومدى قابليتها للتغيير سلبا او ايجابا. هذا هو المنهج الذي يضمن التطبيق الواعي للشعار "اوسع الاصدقاء وأضيق الاعداء" وهو الشعار الذي يشكل شرطا رئيسيا لانتصار اية ثورة.

5- الصلابة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية: ان استراتيجيتنا هي التحالف مع قوى الثورة العالمية ولا يخل بذلك بعض الممارسات التكتيكية التي قد تتخذ بعض الاحيان شكل علاقات مع قوى خارج اطار الثورة العالمية. مثل هذه العلاقات تفرضها احيانا ضرورة اقامة نوع من التوازن يخفف من الضغوط العربية التي تتعرض لها الثورة، ولكن يظل الحكم النهائي على هذا النوع من الممارسات التكتيكية مشروطا بالنتائج العملية التي يحققها من ناحية، وعدم الاخلال بعلاقات الثورة بالقوى التقدمية العربية وقوى الثورة العالمية من ناحية اخرى. ان ثورتنا وهي مرحلة الدفاع الاستراتيجي ما زالت تتعرض لمحاولات التصفية والاحتواء والترويض، وعلنيا امام الهجمة الامبريالية الصهيونية الرجعية الشرسة، التي نتعرض لها، وامام ضعف القوى الوطنية العربية ان نضاعف من نشاطنا الثوري وان نزيد من التحامنا بالجماهير الفلسطينية والعربية كما علينا ان نبحث عن المزيد من الاصدقاء والحلفاء. وفي محاولتنا لتوسيع جبهة اصدقائنا علينا ان نميز بين التحالفات الاستراتيجية والتحالفات التكتيكية. ويظل اعتمادنا الاساسي على قوانا الذاتية، ونمو قوتنا يتطلب اتخاذ خطوات عاجلة وحاسمة لرسم خط سياسي واضح وخط عسكري وتنظيمي يتناسبان مع الخط السياسي ومع ظروف المرحلة ضمن الرؤية الاستراتيجية العامة. لقد حرصنا منذ انطلاقة ثورتنا على استقلاليتنا ولكننا مهددون اليوم اكثر من أي وقت مضى بفقدان هذه الاستقلالية ان لم نتخذ الاجراءات الحاسمة ونناضل النضالات الجادة من اجل اعادة ترتيب اوضاعنا الذاتية.

6- الاستفادة من التناقضات في معسكر الاعداء: اننا ندرك ان ثمة تناقضات في معسكر الامبريالية، ولقد وصلت هذه التناقضات في الماضي من الحدة إلى الحد الذي فجرت فيه حروبا عالمية طاحنة بين الدول الامبريالية. ولكننا ندرك ايضا ان كل هذه القوى تقف صفا واحدا ضد مصلحة شعبنا الاساسية، وان اختلفت فهي لا تختلف الا على كيفية اجهاض ثورتنا، وسحق تحرك جماهيرنا ونهب ثرواتنا وتوزيع الغنائم بينها. اما بالنسبة لكل دولة من الدول المعادية فثمة قوى تقدمية في داخلها يهمنا كثيرا ان نتعاون معها. وبالنسبة للمستعمرة الصهيونية في فلسطين نرى ان التناقضات بين اليهود يمكن ان تتزايد حدتها ليس عن طريق الاستسلام العربي (الذي يصر البعض على تسميته السلام) ولكن عن طريق تصعيد نضالنا السياسي المسلح. وفي نضالنا في الاعوام الماضية الدليل الواضح على صحة مقولتنا هذه.

7- الاستفادة من تجارب الشعوب: ان حركتنا ترى في تجاوب الشعوب المناضلة التي كافحت ضد استغلال الانسان للانسان واضطهاد شعب لشعب دروسا مهمة لنا. ان افكار هذه الثورات وممارساتها قد اغنت تجربتنا ولكننا في استفادتنا هذه يجب الا نهمل ظروف نضالنا وخصوصية واقعنا، وعلينا ان نحذر من التقليد الميكانيكي لتجارب الاصدقاء. علينا ان نبتكر اساليبنا الخاصة ونبتدع طرقنا الملائمة ونطبق ما نستعيره او ننقله تطبيقا خلاقا.

8- الاهتمام بتراثنا النضالي العربي: مع انفتاحنا على العالم ومحاولتنا استيعاب تجارب الثورات الاخرى فان الامساك بالتراث النضالي لشعبنا وللامة العربية بشكل عام شرط اساسي لكي نستطيع ان نطبق ما يجد في التجارب الثورية تطبيقا خلاقا ومبدعا على واقعنا الخاص، يجب ان نعترف اننا ما زلنا مقصرين في دراسة تراثنا النضالي دراسة علمية. اننا على يقين ان شعبا يفقد ماضيه لا يمكن ان يصنع مستقبله، فعلينا الا نهرب من الماضي او نلجأ اليه بروح دفاعية معتمدين التبرير، كما علينا الا نقف عند الاعتزاز العاطفي بماضينا، بل علينا ان نحول اعتزازنا إلى دراسة الثورة الفلسطينية راية النضال المستمر من الثورة الفيتنامية، الثورة معمقة تستخلص وتطور ما في هذا التراث مما يغذي نضالنا الحالي ويغني تراث الشعوب النضالي.

9- الحرص على السلام العالمي: اننا نقدر خطورة نشوب حرب نووية ولكننا نرى في ثورات الشعوب المسحوقة ليس تهديدا للسلام العالمي، بل الطريق لتحقيق السلام الحقيقي القائم على العدل. ان المخطط الامبريالي المستعين بالحركة الصهيونية المستعمرة الصهيونية في فلسطين لفرض السيطرة الامبريالية على المنطقة وادخالها ضمن الاستراتيجية الامبريالية العالمية، يهدد في حالة نجاحه بخلل كبير في ميزان القوى الدولي لصالح الامبريالية، مما يشجعها على المضي في مغامراتها العدوانية التي يمكن ان تدفع العالم إلى حافة هذه الحرب النووية. لذلك فان نضال شعبنا ونضال حركة التحرر العربي ضد الامبريالية والصهيونية ولاحباط هذا المخطط الامبريالي ليس ضرورة بالنسبة لصالح شعبنا فحسب ولكنه ضرورة حيوية ايضا لصيانة السلام العالمي.

ولقد اثبتت التجربة الملموسة ان غياب الثورة المسلحة ضد الكيان الصهيوني قد شجعه اكثر من مرة على اقتراف عدوان دولي هدد العالم بانفجار حرب عالمية، كما حدث في عام 65 و 67. ان النضال المسلح الذي تشنه الشعوب ضد الامبريالية والصهيونية هو الطريق الوحيد لحفظ السلام العالمي من اندلاع حرب عالمية لان اطمئنان الامبريالية والصهيونية من خمود الانتفاضات المسلحة وثورات الشعوب يعتبر تشجيعا لهما لاقتراف العدوان العسكري وتطبيق سياسات التوسع وضم اراضي الغير. اما وقد استعرضنا العناصر الاساسية للمنهج الذي يحكم علاقاتنا على الصعيد الدولي فلنعد إلى ايجاز علاقاتنا بقوى الثورة العالمية:

1. حركة التحرير العربي: ففي المجال العربي احدث طرحنا ثورة في مفهوم القضية الفلسطينية ومواجهة العدو الصهيوني. لقد ابتدأت القوى العربية الوطنية والتقدمية تدرك محورية القضية الفلسطينية، وان الساحة الفلسطينية هي الساحة الاساسية في مواجهة الامبريالية، وان التناقض الرئيسي في وطننا لا يمكن ان يحل الا عن طريق توجيه نضالنا ضد اسرائيل التي تجسد تسلط الامبريالية والصهيونية بشكل واضح ومكشوف.

ان طرح الثورة الفلسطينية لاستراتيجية هجومية بدلاً من استراتيجية الانظمة الدفاعية غيرت مفهوم المواجهة مع العدو الصهيوني. كما ان طرح حرب الشعب طويلة الامد بدأ يرسخ هذه الفكرة لدى الجماهير العربية، ومع ان البعض اخذ يشكك بجدوى استراتيجية حرب الشعب اذ ينظر الى الارض ويرى ان البذرة لم تنبت بعد، يدرك شعبنا بشكل متزايد ان هذه البذرة التي غرستها الثورة الفلسطينية لابد وان تنمو في ارضنا الخصبة وتمتد جذورها وتنبت وتثمر اذا ما وجدت من يهتم بها ويعمل دون كلل او ملل للعناية بها.

ولاول مرة في تاريخ امتنا تمكنت الثورة الفلسطينية من جمع القوى الوطنية والتقدمية العربية كافة في "جبهة عربية مشاركة للثورة الفلسطينية" (نوفمبر 1972). وفي مثل هذا الحدث دلالة هامة بالرغم من ضعف الثورة والقوى التقدمية في هذه المرحلة.

ولقد استطاعت القوى الوطنية والتقدمية في الساحة اللبنانية ان تتجاوز هذا الضعف وان تقف الى جانب الثورة، تشاركها النضال المرير من اجل الحفاظ عليها وعلى مكتسباتها معطية الدرس الاكبر لكافة القوى في الوطن العربي كيف تكون المشاركة وكيف يكون الانتماء.

2. حركات التحرر الوطني: ان حركتنا جزءاً لا يتجزأ من حركة التحرر الوطني في العالم. فان كل برامجنا ومواثيق ثورتنا وتصريحاتنا في المؤتمرات العالمية لتؤكد هذه الحقيقة الاساسية. ولم يقتصر هذا الترابط على التصريحات او الخطب والبيانات بل عبرنا عنه بتبادل الخبرات وتوثيق العلاقات مادياً وسياسياً مع حركات التحرر في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. لقد وجدنا في تجارب حركات التحرر لا سيما تجربة الرفاق الفيتناميين اكبر الهام، وخير معلم ومثال. لقد ادركت القوى الثورية في العالم محورية فيتنام وفلسطين في النضال ضد الامبريالية، فقامت بتشكيل لجان مناصرة فيتنام وفلسطين في كثير من بلدان العالم. ولقد تسلمت الثورة الفلسطينية راية النضال المستمر من الثورة الفيتنامية المظفرة، واصبحت فلسطين بذلك محور الصراع بين الامبريالية وحركة التحرر العالمي. وعلينا ان نؤكد بالنضال العنيد اننا اهل لمثل هذا الدور الجسيم فنتعلم من رفاقنا الفيتناميين حسن التعبئة والتنظيم لجماهير شعبنا من اجل شن الحرب الطويلة الامد، لالحاق الهزيمة بالامبريالية والصهيونية على ارض فلسطين وفي وطننا العربي الكبير.

ولقد كانت علاقتنا المتينة والمبدئية مع حركات التحرر منسجمة مع مبادئنا ومنطلقة اساساً من موقفنا المبدئي من معسكر الامبريالية التي تناضل شعوب العالم ضدها. ومع انتصار فيتنام كان انتصار كمبوديا. وبعدها كان انتصار انجولا.. وهكذا تتسع دائرة الصراع ضد الامبريالية لتؤكد المصير المحتوم لها والذي عليه ستشاد حريات الشعوب واستقلالها.

3. المعسكر الاشتراكي: منذ ان انطلقت ثورتنا كنا حريصين على الحوار المستمر مع قوى المعسكر الاشتراكي من اجل تفهم قضيتنا ونضالنا وعلاقاته بالنضال من اجل التحرر والاستقلال والتقدم. ولقد وجدنا في الصين الشعبية تفهماً كاملاً لقضيتنا وتعاوناً وثيقاً في نضالنا، كما وجدنا في الاتحاد السوفياتي والحركة العالمية في العالم تفهماً متزايداً. ان علاقتنا بالاصدقاء لم تقتصر على الدعم السياسي والزيارات المتبادلة بل تخطته الى المساعدات المادية. واننا اذ نقدر هذا الدعم المتزايد واذ ندرك الاختلافات مع بعض الاصدقاء مثل الاتحاد السوفياتي حول وجود الكيان الصهيوني وطبيعة التناقض في منطقتنا وطريقة حله، الا اننا متأكدون انه عبر نمو قوانا الذاتية وتصاعد نضالنا والتفاف الجماهير حولنا وعبر الحوار الديمقراطي مع الاصدقاء سنحقق تفهماً متزايداً لوجهة نظرنا. اننا نعلم انه لا يجوز ان نحمل الاصدقاء عبء نضالنا بل علينا ان نتكل اساساً على انفسنا. اننا نعلم ان مساندة الاصدقاء ليست بديلاً لنضالنا، كما ان مواقفهم رهن بالحقائق التي نصنعها نحن هنا في وطننا.

4. القوى التقدمية في البلدان الامبريالية: لقد نجحت حركتنا في اقامة العلاقات الوثيقة مع الكثير من القوى التقدمية في البلدان الرأسمالية. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر العلاقات الوثيقة مع الحزب الشيوعي الايطالي والحزب الشيوعي الفرنسي، ولقد نجحنا في معظم الحالات في الا ندع اختلاف القوى اليسارية يؤثر على علاقتنا معها. فاننا ننطلق من ضرورة التعاون مع أي فئة تقدمية او وطنية تؤازرنا ولا نرضى ان يكون تعاوننا مع فئة على حساب علاقتنا مع فئة اخرى، ونحرص ان يكون النضال الفلسطيني نقطة تجمع لكافة القوى التقدمية بالرغم من الخلافات التي بينها. ويجدر بنا ان نخص بالذكر من بين الحركات العديدة التي تؤيدنا حركة الفهود السود التي تناضل في ظروف صعبة جداً ضد العنصرية والاستغلال في قلب الولايات المتحدة وفي تعاملنا مع مختلف البلدان نميز بين الحكومات والشعوب، فبينما نضع الحكومات الامبريالية في صف الاعداء نحاول انشاء العلاقات مع كافة الفئات الشريفة التي يمكن ان تؤيدنا، ويمكننا ان نذكر الشبيبة الاحرار في بريطانيا الذين تبنوا فكرة الدولة الديمقراطية وقطعوا علاقاتهم مع حزب الاحرار الاسرائيلي نتيجة حوارهم معنا وتفهمهم لقضيتنا، كما اننا حظينا بتأييد (المسيحيين من اجل فلسطين) لنضالنا واهدافنا فقد عقدت ندوات عالمية وكونوا لجاناً في كثير من بلدان العالم لتقوم بالاعلام عن قضيتنا العادلة.

بعد هذا الاستعراض الموجز، يمكننا القول ان استمرارية الثورة الفلسطينية يجب ان تكون هدف كل القوى الثورية في العالم، وان انتصار الثورة في فلسطين هو اكبر هزيمة يمكن ان تلحق بالامبريالية في هذا العصر على يد الشعوب المسحوقة.

ان برنامج ثورتنا السياسي ينص على "ان توثيق علاقات التضامن والنضال المشترك بين الثورة الفلسطينية والنضال العربي وبين حركة التحرر العالمية والقوى التقدمية والمعادية للامبريالية في العالم والذي يرتكز اساساً على الايمان بأن الثورة الفلسطينية والنضال العربي جزء من النضال التحرري العالمي، سوف يسهم ايجابياً في نضال الشعوب المشترك ضد الامبريالية والصهيونية والعنصرية والرجعية".

ان مساهمتنا في الثورة العالمية هي في المحل الاول عن طريق القيام بمهمات نضالنا ونجاحنا في معالجة التحديات التي تواجهنا. ولدعم نضالنا ونضال الشعوب ضد الامبريالية والاستغلال، علينا ان نسعى لقيام جبهة متحدة من كل القوى المعادية للامبريالية على نطاق العالم. ان نضال قوى الثورة العالمية ضد الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية لا بد وان ينتصر. وان نضالات شعوب العالم المختلفة ويقظتها وتعاونها وتعلمها من بعضها البعض لكفيل بأن يصد الهجمة الامبريالية المضادة ويحرز النصر.

لقد خطا شعبنا خطوات مظفرة على طريق حرب الشعب الطويلة الامد، وعبر كفاحه المسلح. ففرض شخصيته الوطنية، واصبحت منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا. واصبح الوجود الفلسطيني المستقل كحق مشروع له محور نضال الاصدقاء الكثيرين في الامم المتحدة. لقد استطاعت ثورتنا عبر نضالها المرير وعلى اساس خطها السياسي الصحيح ان تفرض شرعية وجودها، وان تطعن في الشرعية الدولية التي حققها الصهاينة. لقد كان انتزاع الثورة لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 3236 بداية انتقال اغلبية الامم في هذا العصر جذرياً الى جانب الشعب الفلسطيني.(5)

هوامش:

1. النظام الاساسي ص 12.

2. المصدر السابق ص 14.

3. المصدر السابق ص 16.

4. دراسات ثورية - الثورة الفلسطينية والثورة العالمية ص 114- 126.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست