أضواء في الضباب
الكتاب من تأليف الجنرال اوري ساغي،ومن اعداد رامي تال. اصدار يديعوت احرونوت، كتب
حمد. صدر باللغة العبرية 1998 وهو مكون من 320 ص.
اضواء في الضباب الكتاب الاول من نوعه لرئيس سابق لجهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي ( 1991-1995 ) . والذي اثارت قضية نشره ضجة كبيرة في اوساط القيادات العسكرية والسياسية في ظل وجود خلاف قومي حاد بين اقطاب السياسة الاسرائيلية تجاه السياسة القومية التي من المفترض على اسرائيل اتباعها، وداخل المجتمع الاسرائيلي المنقسم بين فرص السلام ومخاطر الحرب. وهو اول كتاب يتحدث عن ازمات قطاعات الامن القومي
وعلى رأسها القطاع العسكري الاستخباراتي " تقدير الموقف القومي" وصراع المصالح والقوى التاريخي بين مؤسسات الامن الاسرائيلي لسبق في التوقعات وتقدير الموقف المناسب والنقاش المستمر بين الواقع والمتوقع، بين المؤسسات السياسية والقيم الديمقراطية، بين الدولة والنظام العالمي الجديد . وصعوبة التوصل الى تعريف مشترك للامن القومي ومتطلباته وشروط تنفيذه في ظل الشعارات التقليدية للايديولوجيا الصهيونية "الوطن القومي لليهود " ارض اسرائيل الكبرى" "كل شيء مقابل لا شيء " مواجهة مخاطر "الارض مقابل السلام" .
الاعتراض على نشر الكتاب كان تحت حجة ان ذلك قد يضر بأمن الدولة، ووسيلة المنع اعتمدت على اقتباس حول هذا الموضوع على لسان يعقوب عميدور السكرتير العسكري السابق لوزير الدفاع حول ضرورة تطويل فترة قانون الرقابة بالنسبة لحق القيادات العسكرية بنشر المواد التي تتعلق بمجالات عملها من خمس سنوات الى سبع سنوات . قبل حوالي عامين تم تسليم الكتاب الى الرقابة العسكرية من اجل انهاء الفحص النهائي، وبعد ذلك تم نقله الى رئيس الاستخبارات العسكرية موشي يعلون الذي اعترض على الحديث فيه عن خمسة مواضيع اساسية، اضافة الى المواد التي شطبتها الرقابة العسكرية والتي من الممنوع نشرها بأي حال من الاحوال حسب رأيه نذكر منها ما تم شطبه بالفعل :
اللقاء السري الذي جرى بين رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ورئيس جهاز مخابرات عربي يظهر اسمه وبلده في النسخة الاصلية .
منع نشر اي معلومات تتعلق بارقام وتركيبة الجيش الاسرائيلي .
في المرحلة الثانية تم نقل الكتاب الى لجنة وزارء خاصة برئاسة وزير القضاء ووزير الدفاع ووزير الامن الداخلي، والتي لا يظهر بها الوزراء عادة، وانما ممثلين عنهم، فوزير الامن الداخلي يمثله عامي غلوسكا بينما يمثل وزير الدفاع رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس دائرة الامن الداخلي في الجيش الاسرائيلي . من اجل حل المشكلة اقترح حاييم يسرائيل وهو من كبار العاملين في وزارة الدفاع بأن تقام لجنة من ممثلي الجماهير مع خلفية امنية من اجل فحص الكتاب . هذه اللجنة تكونت من الجنرال "احتياط" رفائيلي وردي، الجنرال احتياط بن تسيون فرحي رئيس محكمة الاستئناف سابقا، وعزرائيلي نابو و القيت عليها مسؤولية تقديم التوصيات خلال شهرين .
القرار الاولي كان بان اللجنة ستفحص الكتاب فقط بعد الحصول على موافقة وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان، الامر الذي استمر عدة اشهر اخرى . بشكل عام يتم التوصل في النهاية الى تسوية سلمية مشروطة ليس فقط امنية وانما سياسية، بعد ارهاق وضغط مستمرين على المؤلفين، وهذا ما حدث مع اوري ساغي الذي وافق بدون اي استئناف على كل ما شطبته الرقابة العسكرية وما اعترض عليه رئيس الاستخبارات واقتصر احتجاجه على ذلك بوصف عملية ولادة كتابه الاول بولادة قيصرية .
على مدى 28 فصلا يروي الجنرال اوري ساغي العديد من المقتطفات العامة والخاصة من حياته السابقة في المؤسسة العسكرية والامنية الاسرائيلية وينهيه "بالوصية" الاستخبارية وهي بمثابة تقدير موقف سياسي تمهيدا لعمله القادم في المؤسسة السياسية . ويمكن تفصيل بعض المقتطفات العامة بمجموعة من اختصارات تقديرات الموقف السنوية التي صدرت عن قسم الابحاث في الاستخبارات العسكرية على مدى اربع سنوات لا اقل ولا اكثر.
بدأ اوري ساغي حياته العسكرية جنديا في وحدة "غولاني" حتى ترأس السلاح البري ومن ثم ترأس جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية "أمان"، بناء على توصية وطلب رسمي من رئيس الاركان آنذاك ايهود باراك وبضغط من وزير الدفاع موشيه ارنس في نهاية العام 1991. وانهى حياته العسكرية التي استمرت 33 عاماً في يونيو 1995 اثر خلاف مع رئيس الاركان امنون شاحاك وفي ظل وجود ازمة ثقة بين رئيس الحكومة رابين الذي لم يفي بوعوده لساغي من اجل التنافس على منصب رئاسة الاركان العسكرية .
ويعتبر جهاز الاستخبارات العسكرية الجهاز المسؤول الاول والاخير عن "تقدير الموقف القومي"، والجهاز الامني المركزي والاكبر والمطلوب منه استخلاص العبر من المعلومات وتحليلها ومن ثم تحويلها الى اصحاب القرار، وهم في هذه الحالة المجلس الامني المصغر" الكابينت" .
المعارضة الحقيقية لنشر هذا الكتاب جاءت لمنع المؤلف من الحديث عن ثلاثة مواضيع اساسية ترتبط بإمكانيات وحجم التهديد العسكري على اسرائيل :
1. العراق .
بعد خمسة اشهر فقط من استلامه لمنصبه ارتبط تقدير الموقف القومي الاول له باستخلاص العبر من حرب الخليج وأبعادها العسكرية والسياسية بعيدة المدى، فقد وجه المؤلف الانتقاد للخطة التنفيذية التي اعدها الجيش عام 1991 ابان حرب الخليج من اجل مهاجمة العراق، هذه الخطة التي اعترض عليها رئيس الحكومة اسحاق شامير ورئيس الاركان دان شمرون، وتم منع المؤلف في النهاية من الحديث والتطرق الى المعيقات والضوابط الحقيقية التي تحكمت في قدرة استعمال اسرائيل للقوة العسكرية للرد على الهجوم العراقي .
يعتقد المؤلف على اثر حرب الخليج وعلى المدى القريب بان هناك انخفاض في مخاطر التهديد العسكري العربي على اسرائيل بسبب هزيمة العراق وتدمير الامكانيات العسكرية لهذه الدولة . الا انه على الرغم من ذلك فهو يحذر بان التهديد العربي لاسرائيل لم يصل الى حد الغاء هذه المخاطر بل ادى من جهة اخرى الى سباق رهيب في التسليح الذي يعتمد بشكل اساسي على صواريخ ارض - ارض بعيدة المدى والمزودة برؤوس غير تقليدية . في نفس الوقت يتساءل المؤلف عن الجدوى من سياسة الردع الاسرائيلية اذ يقول " من غير الواضح كيف اثرت حرب الخليج على فعالية السياسة الاسرائيلية الرادعة و لان صدام حسين كانت له الجرأة في اطلاق الصواريخ تجاه اسرائيل"؟ فهذا يدل على ان هذه السياسة في النهاية لم تردعه من القيام بذلك ؟ .
ايران :
الدعوة الى مواجهة اربع مشاكل رئيسية تؤثر على الامن القومي لاسرائيل :
اعلان ايران بضرورة تدمير دولة اسرائيل تحت شعار الايديولوجيا الاسلامية ومن اجل نشر مبادىء الثورة الاسلامية حتى اعادة السيطرة الاسلامية على القدس .
اعلان ايران العلني كدولة، بشرعية استخدام سلاح الارهاب وتطبيق ذلك عمليا من خلال دعم حزب الله ومن خلال دعم الخلايا "الارهابية" في اوروبا وامريكا الجنوبية ومصر والاردن .
ايران تطمح وتعمل بصورة منظمة وقوية الى تطوير قوة استراتيجية عسكرية وخصوصا في مجال الذرة وصواريخ ارض-ارض . وعلى الرغم من ان ذلك معد في سبيل مواجهة التهديد العراقي الا ان ذلك لن يمنعها من توجيه هذه القدرات تجاه اسرائيل .
ايران تحاول الوصول الى درجة الدولة ذات القدرات العسكرية التقليدية الاستراتيجية من اجل السيادة في منطقة الخليج .
الامن الداخلي :
قضية تساليم- ب- في 5 نوفمبر 1992 ومقتل خمسة جنود من "وحدة الاركان" الوحدة الافضل في الجيش الاسرائيلي، وجرح ستة آخرين وذلك خلال تمرين عسكري لعملية سرية والسؤال المركزي الذي يحاول اوري ساغي الاجابة علية يتعلق مباشرة بما حصل على اثر الحادث، وهو سؤال قيمي اخلاقي على حد تعبيره الا انه يحمل بين طياته اتهامات خطيرة بالتقصير لقيادات عسكرية على مستوى كبير مثل رئيس الاركان آنذاك ايهود باراك ونائبه امنون ليفكين شاحاك، الذي تم تعيينه مسؤولا عن العملية . ويحمل ايضا في نفس الوقت غزل وتقدير لجهود ونشاطات عميرام لفين وشموليك اراد رئيس وحدة العمليات في هيئة الاركان وعدد قليل من الضباط الذين لم يعلن عن اسمائهم .
يقول اوري ساغي "ان من بادر بقضية تساليم- ب- يعاني من مرض نفسي في طريقة التفكير على الصعيد الاستراتيجي، ففي كل المجالات التي تعلقت بهذه العملية السرية كان الفشل كبيرا على مستوى هيئة الاركان، الاستخبارات، تسلسل الاوامر العسكرية للمسؤولين، الجهاز القضائي في الجيش الاسرائيلي، صلاحيات ومؤهلات القيادات التي ارتبطت يالتحقيق في هذه القضية، مجال الامن الداخلي لمنفذي العملية، ويصل الامر في معرض انتقاداته وتساؤلاته العلنية : "هل فعلنا ما باستطاعتنا كل على حدة من اجل معالجة الجرحى ومساعدتهم" ؟ . الجواب هو لا طبعا، وفي هذا كارثة كبرى، بمعنى آخر يقول ساغي ان الفشل الكبير كان في انهيار الجهاز التنفيذي للعملية .
4. العملية السياسية :
كيفية التوجه للعملية السياسية التي كانت نتائجها بمثابة فرصة لاسرائيل وفي نفس الوقت حملت داخلها مخاطر . فالجمود في العملية السلمية من الممكن ان يؤدي الى زرع بذور المواجهة العسكرية القادمة ان لم يؤدي الى ذلك في المستقبل القريب . وأي اهمال او تراجع من قبل الولايات المتحدة للعملية السلمية او فشلها من الممكن ان يؤدي الى زيادة التحضيرات في المستقبل لحرب اخرى مع اسرائيل . من ناحية اخرى فهو يقول بانه وعلى الرغم من نشوء نظام دولي جديد يحتل العرب فيه اهمية كبرى تجاه الولايات المتحدة، لذلك فان اهمية التقدم في العملية السلمية بالنسبة للولايات المتحدة كبيرة لذلك من المحتمل حدوث مواجهة سياسية مع اسرائيل . وما يتضح حتى الآن فان الولايات المتحدة غير مستعدة اليوم لاتخاذ موقف وضغط جدي على الاطراف من اجل التوصل الى اتفاق نهائي .
تقف العملية السياسية اليوم على مفترق طرق مهم جدا ومجمل الاحداث التي ترتبط بهذا المفترق ستؤثر على ظروف استمرارها، فعلى المجال السوري مثلا نجح الاسد في تحقيق انجازات عديدة ،خصوصا على صعيد التحسن الملحوظ في العلاقات السورية الامريكية والغرب وشرعية التواجد السوري في لبنان. والتقدير الذي يرجحه ساغي بالنسبة لهذا الموضوع هو ان السوريين سيبدؤون في المفاوضات في المستقبل القريب بمواقف صلبة على الاقل في المراحل الاولى، بناء على الدروس التي تعلموها في المفاوضات السابقة وسيواصلون في الضغط من اجل الحصول على التزام اسرائيلي بانسحاب كامل من الجولان. الا ان الدور الامريكي سيكون فعالا في تقريب وجهات النظر بين السوريين واسرائيل بالنسبة للحدود والامن .
اما على المجال الفلسطيني فهو يركز على ان رئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات هو فنان في استغلال الفرص وقوته تنبع من قوة "الضعيف"، والهدف الاستراتيجي له هو اعلان الدولة الفلسطينية في مايو 1999 . الا انه في نفس الوقت غير مستعد لمواجهة شاملة او للمساهمة في انتاج اي حدث قد يؤدي الى انهيار جدي في العملية السلمية .
في يونيو 1995 اعلن اوري ساغي عن رغبته بالاستقالة مباشرة بعد ان ابلغه رئيس الاركان شاحاك عن رغبته بذلك وخلال فترة قصيرة. ويقول ساغي في معرض تعليقة على ذلك " لست متأكدا بان رغبة شاحاك بذلك نبعت من كوني غير قادر على فهم الواقع في الشرق الاوسط، لانه قبل ذلك بشهرين طلب مني البقاء في هذا الموقع" الا انه وكما يتضح فان السبب الحقيقي وراء ذلك كان في صعوبة فهمي ما يدور ويحصل داخل الخط الاخضر وبشكل خاص في منطقة "الكرياه" وتل ابيب " عاصمة الدولة العسكرية والامنية " وليس دمشق او عمان او القاهرة .
ليس من الصدفة اختيار المؤلف عنوان "اضواء في الضباب" لكتابه، فلهذا الضباب اكثر من معنى حسب رأي المؤلف الذي يلخصه :
السياسة العدائية للجهات المعادية لاسرائيل والتي تحاول جهدها من اجل اخفاء قدراتها ونواياها .
الدول الصديقة التي لا تشارك اسرائيل في اسرارها، والخلل الذي قد ينتج عن عدم التنسيق الامني بينها وبين اسرائيل .
المجلس الامني المصغر في اسرائيل وتوجهاته نحو تقدير الموقف القومي الخاص الصادر عن الاستخبارات العسكرية، بالاضافة الى العادة المتبعة لديهم في الحفاظ على الاوراق بسرية تامه . الامر الذي ادى الى عدم تبني هذه التقديرات في كثير من الاحيان، بل وصل الامر الى التصرف واتخاذ المواقف بالاعتماد على الرؤيا السياسية والايديولوجية السائدة داخل هذا المجلس، ويصل الامر عند ساغي الى مهاجمة ظاهرة المستشارين السياسيين الخصوصيين ويشبههم بالفئران التي تهرب من السفينة عند اول خطر بالغرق .