في ذكرى النكبة والكارثة
اتفاقيات الهدنة الدائمة
(15)
في 16/11/1948، اتخذ مجلس الامن الدولي قراراً، دعا فيه الجهات المشتركة في النزاع، الى عقد اتفاقية هدنة، تشمل جميع انحاء فلسطين، الا ان المعارك لم تتوقف، وخاصة على الجهة المصرية، حيث خاضت القوات المصرية معركة في دير البلح، في 25/12/1948، واستطاعت ان تلحق باليهود افدح الخسائر، وان تحتفظ بقطاع غزة الساحلي.
وكان المستربانشى، يواصل مساعيه من اجل اقناع اليهود والمصريين بوقف اطلاق النار، وبذلت امريكا وبريطانيا وساطتهما لدى الطرفين لوقف القتال، وتحددت الساعة الثانية من بعد ظهر يوم 8/1/1949 وعدا لتنفيذ وقف القتال.
وهذا ما مهد الى البدء في محادثات، بين وفدين عسكريين مصري واسرائيلي، بدأت في 13/1/1949، وانتهت في 24/2/1949، بتوقيع اتفاقية هدنة، عرفت بهدنة رودس. وتعهد فيها الفريقان بعدم القيام بأي عدوان ضد الآخر، ووافقا على اقامة خطوط للهدنة في البر والبحر، واتفق على انسحاب القوات المصرية المحاصرة في الفالوجة، مع عتادها، الى ماوراء الحدود المصرية باشراف مراقبي الامم المتحدة.
ثم وجهت الدعوة الى الحكومات الاخرى للدخول في مفاوضات مماثلة لتلك التي جرت مع مصر، فاستجابت الاردن، وارسلت وفدها الى رودس، وقررت حكومة لبنان اجراء هذه المفاوضات في رأس الناقورة، التي تقع على حدود فلسطين الشمالية، واعتذرت المملكة العربية السعودية عن الاشتراك في المفاوضات المفترحة، لان قواتها لم تكن تؤلف جبهة مستقلة. وامتنع العراق عن التفاوض المقترح، واتفق مع الاردن على سحب جيشه واحلال الجيش الاردني محله.
وكالعادة، لم ينتظر اليهود انتهاء المفاوضات، فراحوا يبذلون كل جهد ممكن لجني الفوائد العسكرية والجغرافية في المناطق التي تشرف عليها القوات الاردنية، مما ادى الى اصطدامات واشتباكات عسكرية في منطقة المثلث، التي تضم نابلس وجنين وطولكرم، وفي جنوب الخليل. وقد استولى اليهود على منطقة يبلغ عرضها تسعة اميال، تقع على البحر الاحمر، وانشأوا فيها ميناء عرف فيما بعد باسم ايلات.
ومع نهاية الشهر السابع من عام 1949، كانت اتفاقيات الهدنة بين اسرائيل والدول العربية الاخرى المحيطة بها قد وقعت. وكلها تنص على حظر القيام بأي عمل عدواني او تجاوز الحدود البرية والجوية والبحرية، وعدم المساس بحقوق الاطراف او مطالبهم او مواقعهم في التسوية النهائية للقضية الفلسطينية.
لقد املت الاعتبارات العسكرية كل احكام هذه الاتفاقيات، ولذلك فقد شكلت لجان هدنة مشتركة، تتألف من عدد من الضباط الاسرائيليين، والضباط العرب، ويرأسها مراقب اجنبي، وحددت مهامها وطريقة اتخاذ القرارات فيها، والاجراءات التي تتخذ تجاه الاعتراضات والشكاوى المتعلقة بعمل اللجان وتقاريرها. والحق بهذه الاتفاقيات ملاحق بخرائط تعين الحدود، واخرى لتعريف القوات المرابطة على جانبي الحدود.
بينما جعلت الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين خط الهدنة، قضت الاتفاقية مع مصر، بأن تحتفظ المصريون بالسيطرة على الممر الساحلي الممتد من رفح على الحدود المصرية الى نقطة تبعد ثمانية اميال من غزة. واعتبر خط الهدنة والمنطقة العزلاء من السلاح فاصلاً بين القوات السورية والاسرائيلية. اما الاتفاقية مع الاردن، فقد عينت خطوط الحدود في قطاع القدس والخليل والبحر الميت. وفي القطاع الذي كان تحت سيطرة القوات العراقية، اعطي الحق لسكان المثلث، في البقاء في مساكنهم مع المحافظة عليهم وصيانة ممتلكاتهم وحريتهم، ومنعت القوات الاسرائيلية من دخولها، واوكلت مهمة الامن الداخلي فيها الى شرطة من السكان الفلسطينيين المحليين. وقد بلغ خط الهدنة نحو 600كم، امتد من خليج العقبة جنوباً، حتى بحيرة طبرية شمالاً. وقد قسم القدس الى شطرين، كانت المدينة القديمة للعرب، والجديدة، بما فيها الاحياء العربية، لليهود.
وقد اشارت هذه الاتفاقيات في بنودها، الى نفاذها فور توقيعها، دون عرضها على الهيئات النيابية للموافقة عليها. والحق لكل من الفريقين الموقعين، ان يطلب، خلال مدة معينة، من الامين العام لهيئة الامم المتحدة، عقد اجتماع خاص لتعديل بعض احكام الاتفاق او الغاءها. وترفع اية قضية، يتعزز حلها الى مجلس الامن. وفي كل الاحوال، تبقى مدة الاتفاقية سنة، ولكنها تظل نافذة، اذا لم يطلب تعديلها بعد ذلك.
فتحت الباب امام اسرائيل، لدخول هيئة الامم المتحدة، فقدمت طلباً للانتساب الى تلك الهيئة. ولاقى هذا الطلب معارضة من مندوبي العرب، لانها تحترم قرارات الامم المتحدة، فطلبت الجمعية توكيداً من ممثلي الاسرائيليين، لتنفيذ قرارات الامم المتحدة، فاعطوا هذا التوكيد، وصدرت موافقة اكثرية الجمعية على قبول اسرائيل عضواً في الامم المتحدة، في 12/3/1949. وقد وقع الاسرائيليون على ميثاق لوزان، باشراف لجنة التوفيق الدولية، الذي تم ضمن الاعتراف بحدود التقسيم، مع بعض التعديلات التي تقتضيها اعتبارات فنية، وبتدويل القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في التعويض اذا لم يرغبوا في العودة.
تنكر اليهود لميثاق لوزان، وراحوا يضعون الشروط للعمل ببنوده، فقصروا التدويل في القدس على الاماكن الدينية، ورفضوا عودة اللاجئين، وعملوا على ربط هذه العودة، بعقد الصلح النهائي مع العرب، من خلال مفاوضات ثنائية مع كل دولة عربية على حده، ورأت في ميثاق لوزان قضية نظرية، فراحت بتشجيع من امريكا وانجلتره، تسن القوانين بشأن املاك الفلسطينيين، فاستحال التوفيق بين مزاعم اليهود وحقوق الفلسطينيين.
وقررت لجنة التوفيق امام اخفاقها، تشكيل لجنة فنية، تقوم بوضع التوصيات اللازمة لمساعدة الحكومات العربية في وضع برامج تعمير، تتطلبهااوضاع اللاجئين الفلسطينيين، بغية دمج هؤلاء اللاجئين في حياة المنطقة الاقتصادية وتمكينهم من اعالة انفسهم في اقصر وقت ممكن.
ثم اصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا في 25/5/1950، بمناسبة مرور سنة على اتفاقيات الهدنة العربية الاسرائيلية، البيان الثلاثي، الذي وقعه وزراء خارجية هذه الدول، جاء فيه التأكيد على اعادة السلام والاستقرار في المنطقة، ومعارضتها لاي استخدام للقوة، او اي تهديد باستخدامها. واعلنت في هذا البيان ان اي انتهاك للسلام في المنطقة، سيجعل هذه الدول، بصفتها اعضاء في هئية الامم المتحدة، مستعدة للتدخل باسم هيئة الامم وخارجها نطاقها، للحفاظ على السلام ومنع وقوع حروب جديدة.
وردت جامعة الدول العربية في 12/6/1950 على هذا البيان، باعلان موقف يؤكد حرصها على الدفاع عن نفسها، امام الاعتداءات الاسرائيلية عليها، وان افضل الطرق لضمان الامن والسلام في المنطقة، هي حل قضايا على اساس الحق والعدالة، وتطبيق قرارات الامم المتحدة.