"الاسس القانونية لقيام الدولة الفلسطينية"
عضوية اسرائيل في الامم المتحدة هي الوحيدة المشروطة بين عضوية باقي الدول. الجمعية العامة لم تلغ ولم توقف شرعية قرارها رقم (181) لعام 1947 الذي يعتمد مفهوم اقامة دولة فلسطين العربية على اساس جوهري هو حق تقرير المصير، المعترف به كمبدأ يعني حق كل شعب من الشعوب في تقرير مصيره كما يشاء، بما في ذلك اقامة دولته المستقلة . وبالطبع، فان هذا الحق ينطوي على ضرورة عدم التمتع به على حساب حق مماثل لشعب اخر، فضلا عن ضرورة حيازة هذا الحق على اعتراف الدول والشعوب الكامل بل وبذل ما يمكن لتحقيقه .
انطلاقا من هذا المبدأ اقرت هيئة الامم المتحدة عام 1947 قرارها (181) المعروف، الذي نص على اقامة دولتين على الارض الفلسطينية عربية ويهودية . ويرسي هذا القرار الاساس القانوني الدولي لاقامة الدولة العربية في فلسطين . وهو يحمل، من وجهة نظر الشرعية الدولية، طابعا ملزما لتنفيذه بحذافيره، ويتوجب على جميع الدول اعضاء المنظمة الدولية، أو غير الاعضاء فيها، لا ان تراعيه وتحترمه فحسب، بل أن تبذل كل ما بوسعها كي تساعد على تنفيذه .
وكما هو معلوم، فقد اشترط لقبول دولة اسرائيل في عضوية هيئة الامم تنفيذها لقرارات الامم المتحدة ، بشأن مسالة اللاجئين، وحل مسالة وضع مدينة القدس القانوني وحين تقدمت اسرائيل في 29 نوفمبر 1948، الى هيئة الامم المتحدة، بطلب لقبول عضويتها في هذه المنظمة الدولية، قامت الامم المتحدة في ديسمبر باصدار قرارها (194) الذي يطالب اسرائيل، بالسماح بعودة الفلسطينيين الى وطنهم وبما ان اسرائيل رفضت هذا القرار، فقد امتنعت الامم المتحدة، بدورها، من قبول اسرائيل في عضويتها وذلك بتاريخ 17 ديسمبر 1948 .
وفي 24 فبراير 1949 تقدمت اسرائيل، مجددا، الى هيئة الامم المتحدة، بطلب الالتحاق بها، عندئذ طالبت الجمعية العامة من مندوب اسرائيل الحضور، وشرح استعداد اسرائيل لتنفيذ قرارات الامم المتحدة بشان مدينة القدس ووضعها القانوني وكذلك بالنسبة لموضوع اللاجئين . فقد اعلن المندوب الاسرائيلي بان اسرائيل ما ان تصبح عضوا في هيئة الامم المتحدة فهي ستلتزم بتنفيذ القرارات المطلوبة منها، وبالطبع، فان الحوار في اروقة الامم المتحدة دار حول ذلك الجزء من القرار (181) الذي تم اعلان دولة اسرائيل على اساسه، دون ان تقام الدولة العربية الفلسطينية في الوقت نفسه .
ان عدم تنفيذ القرار بفحواه الكامل، ولا سيما الحؤول دون تنفيذه احدث خللا في شرعية التنفيذ الجزئي، أي شرعية اقامة دولة اسرائيل، مما يترتب عليه مضاعفات سلبية للغاية على صعيد العلاقات الدولية .
بعبارة اخرى، قرار الجمعية العامة ينص على اقامة دولة يهودية في فلسطين الى جانب الدولة العربية . وهذا ما يشكل الاساس القانوني لاقامة دولة اسرائيل ذاتها بشرط تنفيذ هذا القرار بشقيه . اما الوثائق الاخرى التي سبقت اصدار هذا القرار فلا يمكن اعتبارها ملزمة من الناحية القانونية .
وهنا، مثلا، رأى الحقوقي المعروف (سول لينوفيتس) بهذا الصدد، وبخاصة عند تطرقه لوعد بلفور (ان وعد بلفور ليست له اي قوة قانونية اطلاقا، لان بريطانيا العظمى ليست لها الاحقية في السيادة على فلسطين، وفلسطين ليست ملكا لها وليس لها حق التصرف بها . ان وعد بلفور يتضمن نوايا بريطانية لا اكثر) .
ويتمسك عدد اخر من علماء القانون بوجهة النظر نفسها، لا سيما حين يجري الحديث عن توسيع اراضي دولة اسرائيل باستعمال القوة خلافا للقانون الدولي .
كتب الباحث الفرنسي أ.كارس في كتابه المعنون (الشرق الاوسط بين الحرب والسلام) ان كل مراحل الاستعمار الصهيوني لفلسطين بما في ذلك اقامة الدولة الاسرائيلية، وعلى حدود اوسع مما نص عليه القرار (181) جرت في ظل ونتيجة المشتريات المكثفة والواسعة للسلاح الغربي وتجنيد المتطوعين او المرتزقة اي ما جرى من خلال التشكيلات المسلحة اليهودية لمنظمة (الهاغاناه) .
اما الان، وحيث عقدت الدورة غير العادية للمجلس الوطني الفلسطيني ـ الجزائر 15 نوفمبر 1988، وحيث تم اعلان قيام دولة فلسطين المستقلة . واقرار وثيقتين بهذا الخصوص . هما (اعلان الاستقلال) و (البيان السياسي) فان من المفيد ان ندقق في المبادئ الاساسية التي حددها اعلان الاستقلال لدى بناء هذه الدولة : ان دولة فلسطين هي للفلسطينيين اينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق . وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية، وكرامتهم الانسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني، يقوم على اساس حرية الرأي، وحرية تكوين الاحزاب، ورعاية الاغلبية حقوق الاقلية، واحترام الاقلية قرار الاغلبية . وعلى العدل الاجتماعي، والمساواة، وعدم التمييز في الحقوق العامة على اساس العرق او الدين، او اللون، او بين المرأة والرجل : في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل : وعلى اساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الاديان عبر القرون).
بكلمة اخرى، حددت هذه الاحكام الواردة في اعلان الاستقلال اسسا للتطور الداخلي لدولة فلسطين كدولة ديمقراطية ذات طابع تعددي يطورها الجميع .
كما اعلنت هذه الوثيقة المبادئ الاساسية لسياسة دولة فلسطين الخارجية . وتلتزم هذه الدولة على الاخص بمبادئ التعايش السلمي، وبمبادئ هيئة الامم المتحدة . واهدافها . وبالاعلان العالمي لحقوق الانسان، وبمبادئ حركة عدم الانحياز وبرنامجها السياسي .
وتهيب دولة فلسطين بالامم المتحدة التي تتحمل مسؤولية خاصة تجاه الشعب العربي الفلسطيني ووطنه ـ كما تهيب بشعوب العالم ودوله المحبة للسلام والحرية، ان تساعدها على تحقيق اهداف الشعب العربي الفلسطيني، ووضع حد لمأساة هذا الشعب، لتوفير الامن له وبالعمل على انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية .
وتعلن دولة فلسطين، في هذا المجال، انها تؤمن بتسوية المشاكل الدولية والاقليمية بالطرق السلمية، ووفقا لميثاق الامم المتحدة وقراراتها . وانها ترفض العنف، او التهديد بالقوة ضد سلامة اراضيها، او سلامة اراضي اي دولة اخرى، وذلك دون المساس بحقها الطبيعي في الدفاع عن اراضيها واستقلالها .
وجاء في وثيقة اعلان الاستقلال، ايضا (انه، من الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب العربي الفلسطيني بتشريده وبحرمانه من حق تقرير المصير، اثر قرار الجمعية العامة رقم (181) بتاريخ 29 - 11 - 1947، فان هذا القرار ما زال يوفر شروطا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني واقامة دولته) .
اما المهام السياسية لدولة فلسطين فجاءت صياغتها في البيان السياسي الذي اولى اهتماما رئيسيا بحل القضية الفلسطينية بصفتها جوهر الصراع العربي الاسرائيلي . وفي هذا السياق اقترح المجلس الوطني الفلسطيني انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الاوسط تحت اشراف الامم المتحدة، ورعاية الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي، وبمشاركة جميع اطراف الصراع في المنطقة، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني .
وتناول البيان السياسي مجموعة من المسائل المتعلقة باحقاق الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وفي مقدمتها :
1. انسحاب اسرائيل من جميع الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها منذ العام 1967 .
2. الغاء جميع اجراءات الالحاق والضم وازالة المستعمرات التي اقامتها اسرائيل في الاراضي الفلسطينية والعربية منذ العام 1967 .
3. وضع الاراضي الفلسطينية المحتلة ـ بما فيها القدس العربية ـ تحت اشراف الامم المتحدة، لتوفير مناخ مناسب لانجاح اعمال المؤتمر الدولي .
4. حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الامم المتحدة الخاصة بهذا الشأن .
وينبغي الاشارة الى ان اعلان قيام دولة فلسطين العربية استند الى (الحكم) الوطني الناشئ في الاراضي المحتلة للدولة الفلسطينية، وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في اراضي البلدان الاخرى، والذي تحقق عن طريق الهيئات الشعبية، وغيرها من هيئات الانتفاضة والادارة الذاتية، تسييرا فعالا لكافة جوانب حياة الشعب العربي الفلسطيني .
ولابد من التركيز، ايضا، على ان كل هذا النشاط الاداري يجري تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية . بوصفها الحكومة في المنفى وفقا لمبادئ واحكام القانون الدولي .
لقد اعترفت الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة بتاريخ 15 ديسمبر 1988 في دورتها الثالثة والاربعين المنعقدة في جنيف، بقيام دولة فلسطين، مشيرة الى ان اعلان هذه الدولة جاء تنفيذا مكملا لقرار الجمعية العامة رقم (181) الصادر يوم 29 نوفمبر 1947 .
ومن، هنا فان الشعب العربي الفلسطيني يعتبر نفسه ـ وعملا بالقانون الدولي ـ يمارس حقه في تقرير المصير، الامر الذي تشير اليه من حيث الاساس، نظرية القانون الدولي بخصوص الاصالة والهوية بالنسبة للشعب العربي الفلسطيني ذي الخصائص الاثنية المتميزة . وبموجب القانون الدولي يتمتع هذا الشعب بحقوقه، ويؤدي واجباته، بصرف النظر عن دوره في العلاقات الدولية . ويشهد التاريخ ان الشعب العربي الفلسطيني كان دائما يمارس دوره النشيط في سعيه الى احداث تأثير ايجابي على العلاقات الدولية .
ويجب القول انه، رغم حقيقة وجود الشعب العربي في فلسطين وممارسات هذا ممارسات هذا الشعب في العلاقات الدولية، فان مواقف الزعماء الصهاينة لم تكن موجهة الى عدم الاعتراف بهذا الشعب فحسب، بل والى ابعاده الجسدي عن كل صور التعايش الدولي . وحول هذا ذكر احد منظري الصهيونية الايديولوجية فلاديمير جابوتينسكي بان (فلسطين يجب ان تكون لليهود وحدهم . وسيكون تطبيق الاساليب المناسبة بهدف اقامة دولة يهودية قومية عنصرا الزاميا وحيويا في سياستنا على الدوام . والعرب يعرفون جيدا من اليوم ماذا سنفعل بهم ؟ وماذا سنطلب منهم ؟ وفي هذا السياق يجب خلق جو من (الامور الواقعية) وافهام العرب انهم يجب ان يتركوا اراضينا ويتصرفوا الى الصحراء) .
وفي 28 اكتوبر 1958 قال مناحيم بيغن عضو الكنيست الاسرائيلي في ذلك الحين، واحد اقطاب الصهيونية موجها حديثه الى ممثلي الجيش الاسرائيلي :
ـ ايها الاسرائيليون، لا يجب ان تكونوا رؤوفين عندما تقتلون اعداءكم . لا تعطفوا عليهم ويجب ان نستمر في ذلك . نقضي على الثقافة العربية المزعومة، ونبني على انقاضها حضارتنا الخاصة .
غير ان شعبنا العربي الفلسطيني، رغم هذه المعاناة وخلافا لها، يعيش ويتطور متمتعا بحقوقه الوطنية المشروعة، المعترف بها في القانون الدولي . ويخوض نضاله من اجل احقاق هذه الحقوق بالرغم من كل العراقيل التي تعترض طريقه، حائزا على الدعم الدولي الواسع من جانب الدول والرأي العام .
حول اي حقوق يدور الحديث في الوقت الراهن ؟ من وجهة نظر القانون الدولي ينبغي عزو الحقوق المشروعة لشعبنا العربي الفلسطيني بالدرجة الاولى بحقه في تقرير المصير، وحقه في اقامة دولته المستقلة، وحق اللاجئين في العودة الى ديارهم، او حقهم في التعويض . واخيرا حق شعبنا في استخدام كل السبل والوسائل من اجل تحقيق هذه الحقوق، حتى اللجوء الى اعمال عسكرية ضد المعتدي والمحتل .
ولابد من التنويه في هذا الصدد بان جموعا ضخمة من المواطنين العرب، وجدت نفسها في مخيمات اللاجئين، او هاجرت الى البلدان الاخرى على اثر الارهاب والعنف والبطش التي مارسها المتطرفون الاسرائيليون في سنتي 1948 - 1949 حتى وصل عدد اللاجئين الاجمالي في عام 1949 الى 800 الف فرد . واقدمت السلطات الاسرائيلية على التشبت بالاراضي العربية المتروكة .
ووضعت الاراضي العربية الملاصقة لحدود اسرائيل (منطقة الجليل الاعلى، والمنطقة العربية وسط البلد، وقطاع غزة) تحت الادارة العسكرية . واخذت السلطات العسكرية في هذه المناطق تطبق قانون ملكية املاك الغائبين على نحو ضمن اعادة توزيع الارض لصالح المستوطنين اليهود .
ومنحت السلطات المدنية حق التصرف في اعلان اية مدينة او قرية مسكونة بالعرب (منطقة متروكة) واعلان ممتلكاتهم (متروكة) ايضا (وبالتعبير الاسرائيلي :املاك الغائبين) .
وبموجب القانون الصادر في 10 ـ 3 ـ 1953 في اسرائيل، فان(جميع الاراضي التي تم الاستيلاء عليها، او الحفاظ عليها، او توزيعها، او الانتفاع بها، لسد حاجيات ما بعد 14 مايو 1948 لغرض تامين متطلبات التنمية او الاستيطان او الامن والتي لم يقدم ملاكها اية شكاوي بصددها، تم وضعها في ملكية ادارة التنمية) .
وعلى اساس هذا القانون تمت مصادرة زهاء 16 الف هكتار من الاراضي التابعة للعرب .
وفي الفترة ما بين السنوات 1947 - 1966 جرى ادراج قضية اللاجئين الفلسطينيين 35 مرة على جدول اعمال الهيئات والاجهزة الرئيسية لهيئة الامم المتحدة ولجانها الاساسية . وكانت الجمعية العامة تهيب على الدوام بالحل العادل لمشكلة اللاجئين معترفة بشكل مباشر بحقهم غير المنزوع في العودة او الحصول على التعويض .
من المعلوم ان الجمعية العامة اصدرت في ديسمبر (كانون الاول) 1948 القرار رقم (194 / 3) الذي نصت فقرته الثانية على ما يلي :-
( يجب السماح لاولئك اللاجئين، الذين يودون العودة الى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم، بان يقوموا بذلك باسرع ما يمكن . اما اولئك الذي لا يرغبون في العودة، فيجب ان يدفع لهم التعويض لقاء ممتلكاتهم، او اتلافها، او خسارتها، او ضياعها) . ومنذ ذلك الوقت فالجمعية العامة وغيرها من هيئات الامم المتحدة اكدت هذا الحكم مرارا . من المعلوم ان احد شروط قبول اسرائيل في عضوية هيئة الامم المتحدة تمثل في طلب تسوية مشكلة اللاجئين وفقا لاحكام القرار(194/3) .
وجاء في قرار الجمعية العامة رقم (273/3) الصادر في 11 مايو 1949 على وجه الخصوص ما يلي :-
(اخذاً بعين الاعتبار بيان دولة اسرائيل بشأن قبولها الالتزامات الناجمة عن ميثاق الامم المتحدة، وتعهدها بتنفيذ هذه الالتزامات منذ ان تصبح عضوا في هيئة الامم المتحدة) . وبناء على القرارين بتاريخ 29 نوفمبر 1947 وبتاريخ 11 ديسمبر 1948 ونظرا للبينات والتفسيرات التي قدمها مندوب حكومة اسرائيل في اللجنة السياسية بصدد تنفيذ القرارين المذكورين .
وفي ضوء ذلك، قررت الجمعية العامة قبول اسرائيل في عضوية هيئة الامم المتحدة .
ولم تفعل الحكومة الاسرائيلية شيئا لتنفيذ هذا القرار، والقرار الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 1948 . واثناء حرب حزيران (يونيو) 1967 اصبح حوالي 350 الف لاجئ فلسطيني في قطاع غزة وزهاء 300 الف في الضفة الغربية لنهر الاردن وقرابة 200 الف منهم في سوريا من جديد، عرضة للتصرفات الوحشية للقوات الاسرائيلية . وتبين معطيات الامين العام للامم المتحدة ان حوالي 10% من سكان الاردن تم تهجيرهم من مكان اقامتهم.