تطور الفكر الفتحوي
(12)
بعد ان اصبح معروفا ان قوات العاصفة هي اليد الضاربة والجناح العسكري لحركة فتح بدأت الانتقادات والاتهامات التي انهالت على العاصفة وغموض حالتها تتجه نحو "فتح" وبدأت الاحزاب والقوى السياسية وبعض الانظمة العربية يركزون هجومهم على فتح والعاصفة . واتخذت لبنان موقفا واضحا من قوات العاصفة، اذ طلبت من نقابة الصحفيين اللبنانيين اصدار بيان حول خطر نشر اخبار العاصفة وذلك في مطلع ايلول 1965 . ينص كما يلي :
"بناء على طلب قيادة الجيش، المرجو اعتبار جميع الاخبار المتعلقة بمنظمة العاصفة اخبارا عسكرية . وبالتالي الامتناع عن نشرها ايا كان مصدرها . سواء كانت بلاغات من المنظمة نفسها ام انباء واردة عن نشاطاتها من اسرائيل" (1)
كانت حركة فتح قد استمرت في تجسيد سياسة الانطلاقة بالتركيز على تدمير مضخات المياه وخزانات وانابيب التحويل الى جانب ضرب البنية التحتية للكيان الصهيوني سواء الجسور او السكك الحديدية . وكانت ردود الفعل الاسرائيلية تنصب على مناطق الحدود في لبنان وسوريا والاردن و قد ركزت قوات العاصفة ضربتها في مطلع ايلول على منطقة الوسط حيث صدر البيان رقم (23) دون مقدمات لينص كما يلي :
بيان القيادة العامة لقوات العاصفة رقم 23
(تحركت قواتنا العاملة في الارض المحتلة بناء على الاوامر الصادرة اليها كما يلي :
1 ـ قامت قوة من المجموعة الثالثة والعشرين ليلة 1ـ9ـ 1965 بنسف مضخة المياه الرئيسية الواقعة بتل الشوك ببيسان وموزع المياه التابع لها، وكذلك مولدها الكهربائي، وقد دمرت المجموعة هذه المضخة وتوابعها تدميرا تاما، وقد عادت قواتنا الى قواعدها سالمة .
2ـ قامت قوة من المجموعة العشرين ليلة 2ـ 9 ـ 1965 بنسف خزان توزيع الغاز الواقع بين قلقيلية وطولكرم فدمرته ونتج عن الانفجار حريقا دام اكثر من عشر ساعات، وقد عادت قواتنا الى قواعدها سالمة .
3ـ قامت قوة من نفس المجموعة ليلة 2، 9ـ 1965 فنسفت مولد الكهرباء الذي يغذي عدة مستعمرات بجوار منطقة قلقيلية فدمرته تماما، وعادت قواتنا الى قواعدها سالمة .
4ـ قامت قوة من المجموعة الثامنة عشر ليلة 2ـ 9ـ 1965 بنسف مضخة المياه الكبيرة الواقعة بجوار كفر سابا جنوب طولكرم ، وهي احدى المضخات الكبيرة الواقعة على مشروع المياه القطري الذي اقامته العصابات الصهيونية لمشروع تحويل نهر الاردن . وقد نتج عن هذا النسف تدمير المضخة وغمرت المياه المنطقة، وقد عادت قواتنا الى قواعدها سالمة .) (2)
كانت ردة الفعل الصهيونية المباشرة هي الهجوم على قلقيلية ونسف احد عشر مضخة وبئرا مما اضطر الاردن الى قصف "كفارعمان" بالمدفعية الثقيلة وفي نفس الوقت ازداد الخناق على رجال العاصفة .
كانت التحضيرات لعقد مؤتمر القمة العربي الثالث على الابواب مما دفع حركة فتح الى ارسال مذكرة الى المؤتمر توضح فيها طبيعة دورها النضالي وتعبر عن رؤيتها لمستقبل الدور العربي في المعركة . ونصت المذكرة كما يلي :
(مذكرة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الى مؤتمر القمة العربي الثالث
ان حركة فتح ليست سوى مجموعة من الشباب عقدوا العزم على استرداد وطنهم، واخذ يلتف حولهم يوما بعد يوم مئات الشباب الفلسطيني الظامئ الى معركة شرف حقيقية وليس وراءها جيش جرار ولا ميزانيات ضخمة ولا امكانيات دولية . ان المنطلق الاساسي لوجود الحركة اصلا هو الايمان الجازم بأن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير الارض السليبة واعربت عن ايمانها بأن الشعب العربي الفلسطيني هو رأس الحربة وطليعة الكفاح، ومن هنا كانت مسؤوليته في شق طريق الكفاح امام الجماهير العربية ومواصلة القتال حتى النصر .وتجزم الحركة ان المعركة يجب ان تكون اليوم لا غدا وان تأجيلها المتلاحق لا يفوت على العرب فرص النصر فحسب بل يفوت عليهم فرص خوض المعركة اصلا لان التذرع المقبل باحتمال حصول اسرائيل على القنبلة الذرية او غيرها من الاسلحة ذات الطاقات فوق العادية سوف يشكل منطقا قائما بذاته لدى الانهزاميين الذين يتكاثر عددهم يوما بعد يوم مع تكاثر الفواجع وخيبات الامل في الوطن العربي .
وتقترح الحركة في مذكرتها تجمع قوى الوطن العربي في بوتقة نضالية واحدة لانها ستكون معركة مصيرية وحاسمة ورهيبة ومدمرة من شأنها ان تذيب الخلافات وتصهر التناقضات وتجند الشعب العربي . وهي تعتقد مع الذين يعتقدون ان الخلافات والانقسامات في الوطن العربي تكاد تصل الى حد الاستعصاء وان محاولة حلها بالطرق العادية طرق المؤتمرات والمفاوضات والصفقات السياسية اثبتت فشلا ذريعا المرة تلو المرة ومن هنا كانت العملية الكيمياوية ذات الحرارة العالية ونعني حرب التحرير، هي وحدها الكفيلة بتوحيد الامة واذابة الشقوق والصدوع في بنيانها .
اما الاحتجاج بمنظمة التحرير الفلسطينية من اجل تنفيذ المنطق السابق، منطق حركة التحرير ، فجوابنا عليه هو اننا حاولنا منذ البدء ان نكون ايجابيين مع المنظمة واشتركنا في اجهزتها، وعملنا على اعطائها دفعة الحياة المطلوبة، ولكن الايام اثبتت ان المنظمة وهي وليدة مؤتمر القمة شربت من هذا المؤتمر دمه ولحمه وسوف تنعكس عليه طبيعة التناقضات التي تكشف عنها فيما بعد . ان المنظمة بصرف النظر عن طبيعة اعدادها للمعركة المقبلة ، انما تهيء نفسها لمعركة بعيدة المدى وليس في طبيعة عمليات الاعداد الجارية فيها ما ينبئ بالاستعداد لمعركة قريبة. يضاف الى ذلك ان المنظمة اتت بديلاً لمنع التحويل الصهيوني لمياه الاردن وانتهت الى تحويل الانظار عن هذه المشكلة المصيرية التي اصبحت امراً واقعاً امام الروح الانهزامية التي سادت الصف العربي. ولم يتصد لها الا قواتنا باعمالها الفدائية داخل ارضنا المحتلة باعتراف العدو نفسه. على اننا دائماً نعلن استعدادنا للتنسيق والتعاون مع اية جهة فلسطينية او عربية تعمل او تنوي العمل من اجل التحرير بشرط ان يكون اللقاء التعاون في ارض المعركة وليس في المكاتب والمؤتمرات. وابقاء القيادة بين الشعب الفلسطيني بعيداً عن الخصومات والتيارات السياسية التي تتنازع العالم العربي.
وقد لاحظت حركتنا منذ انطلاقها ان موقف بعض الحكومات العربية من نشاطها لم يكن موقفاً سليماً. ومنذ الانطلاقة في شهر كانون الثاني 1956 سقط شهداء من حركة التحرير برصاص الجنود العرب في الارض المقدسة، وبدأت موجات من الاعتقالات والارهاب في مختلف القطاعات الفلسطينية التي تسيطر عليها الدول العربية واستعملت مخابرات بعض الدول العربية مع افراد الحركة شتى الاساليب التي تستعملها مع الجواسيس والمهربين والاشقياء واثبتت لنا هذه التجربة ان هناك عدداً من الحكام العرب لا يروق لهم ان يتولى الشعب الفلسطيني قيادة معركته بحيث بتنا نتساءل بأمر من ولمصلحة من تجري كل هذه الامور؟...
وقد فوجئنا خلال شهر ايلول الحالي ان دولة عربية مجاورة لاسرائيل حظرت على الصحف نشر بلاغات حركة التحرير وكل ما يتصل بعملها. ومن هنا ادركنا ان هناك حكومات عربية معينة لا تكتفي بالتخاذل والتخلي عن واجب التحرير بل تضطلع مع العدو في خطة لخنق الحركة اعلامياً بعد ان اخفقت اجهزتها في خنق الاعمال البطولية التي يقوم بها شباب حركة التحرير الذين حرموا من مرتكز للانطلاق ومن المواصلات ومن السلاح المكدس في مخازن الدول العربية. ومما يحز في نفوسنا ان نرى دولاً عربية معينة تقوم باجراءات تنسيق وتخطيط عملية مع العدو نفسه لمقاومة وملاحقة فدائيينا ولخنق ثورة شعبنا. لقد قررنا منذ اليوم عدم السكوت، ولا نقبل من الان فصاعداً سوى خطوات عملية للتدليل على حسن النوايا تجاه ثورة شعبنا.
وترى الحركة ازاء ذلك اتخاذ عدة خطوات من بينها، الكف عن ملاحقة قوات حركة التحرير في مختلف الدول العربية المجاورة او غير المجاورة لفلسطين واطلاق سراح المعتقلين دون تردد، والغاء الحظر المضروب حول نشر انباء حركة التحرير في كثير من الدول العربية، وعدم التعرض لرجالها اثناء قيامهم بعملياتهم الفدائية او اثناء اضطرار قوات الحركة في الارض المحتلة للالتجاء الى الدول العربية المجاورة. وان تقوم الدول العربية بالدفاع عن اسرى الحركة في اسرائيل بمختلف الوسائل المعروفة.
وهذه المطالب هي اقل من القليل، وان حركة التحرير بعد ان خطت الطريق السليم من اجل تحرير فلسطين لم تفقد الامل بعد بأن تقفوا الموقف الذي تمليه عليكم المسؤولية التاريخية الخطيرة بتقديم ما تتطلبه معركة التحرير من مساعدات وذلك بالافراج عن مخزونات الاسلحة المكدسة في الاراضي العربية ووضعها في متناول ايدي ثوار فلسطين اسوة بما تقدمه الحكومات العربية للحركات التحررية في آسيا وافريقيا، ونحن مستعدون لارسال وفد عنا لشرح موقف حركتنا امام مؤتمر القمة باسهاب.
اننا اذ نحيي مؤتمركم ونرجو له كل نجاح وتوفيق في خدمة القضية الكبرى قضية فلسطين لنرجو ان يكون لقاؤكم هذا مكللاً بانتصارات حقيقية على ارض فلسطين. (3)
لم تكن المشاكل التي تواجهها حركة فتح مقتصرة على بعض الانظمة العربية والقيادة الموحدة التي اصدرت اوامرها باعتقال رجال العاصفة اينما وجدوا. فالى جانب هؤلاء كانت حملة التنظيمات والقوى الفلسطينية وخاصة حركة القوميين العرب وبعض رموز منظمة التحرير تشن حملاتها التشكيلية ضد فتح وقوات العاصفة. وكان ملحق فلسطين لجريدة المحرر مثيراً حارقاً ضد فتح والتي ظلت حريصة على عدم الدخول في مشاحنات تنظيمية تنجرف بعملها عن الهدف.. وحين دعت منظمة التحرير الى تشكيل لجنة تحضيرية للعمل الفلسطيني اعتبرت حركة فتح ان هذا يهدف الى تعطيل العمل. وطرحت شعارها المعروف "البقاء على أرض المعركة" وقد وجهت جريدة المحرر من خلال ملحق فلسطين رسالة مفتوحة إلى حركة فتح تحت عنوان بعد عام من العمل، فتح تدعوا إلى النقاش بعيداً عن ضجيج البيانات ومع الحقيقة وحدها.. ولأهمية إغناء الفكر الوطني الثوري في تلك المرحلة نورد نص الرسالة ورد الحركة عليها.
"حركة تحرير فلسطين المعروفة باسم "فتح" هي المنظمة الفلسطينية الوحيدة بين المنظمات البارزة التي لم تشارك حتى الآن في أعمال "اللجنة التحضيرية للعمل الفلسطيني الموحد، هذا أولاً وثانياً، فإن "فتح" هي الجهة التي ترعى أعمال "العاصفة"، وبالتالي فهي الدماغ الذي ينبغي أن يخاطب، أو يحاسب، عند محاولة تقييم منجزات "العاصفة" بعد انقضاء عام كامل على بيانها الأول.
وثالثاً، وحيث أن شعب فلسطين يقف الآن على أبواب مرحلة حاسمة من نضاله الطويل، يستكشف آفاق مهماته الثورية، ويتلمس بحذر طريقه نحو تحرير فلسطين، فإن نداء الواجب والضمير يقضي بأن لا تترك وسيلة إلا وتسلك لجمع كافة القوى الفلسطينية تحت شعار تحرير فلسطين وفقاً لاستراتيجية موحدة يتفق عليها.
ورابعاً، فإن غياب "فتح" حتى الآن، عن اجتماعات اللجنة التحضيرية لوحدة العمل الفلسطيني قد يؤدي، إذا ما استمر، إلى احتمال حدوث ازدواج خطير في استراتيجية العمل الفلسطيني، وذلك من المحاذير التي يتوجب على كافة القوى تلافيها ومنع حدوثها.
وخامساً، فإنه بعد عام كامل من أعمال العاصفة، لا بد وأن تكون قيادة "فتح" قد باتت تمتلك خبرات وقناعات هامة ينبغي أن لا تبقى بعيدة عن اجتماعات اللجنة التحضيرية لوحدة العمل الفلسطيني.
لهذه الأسباب باتت هذه المناقشة مع "فتح" ضرورية ولازمة في هذا الظرف بالذات. ولا يبدو غير النقاش العلمي الهادئ طريقاً مأموناً لرص الصفوف والوصول إلى صيغة للعمل الفلسطيني الموحد.
بالإمكان تلخيص موقف "فتح" الراهن بالنقاط الرئيسية التالية:
1- المشروع الفعلي في معركة الكفاح المسلح، ضمن المتوفر من الإمكانات، كفيل بتجاوز الكثير من العقبات التي لجمت مسيرة شعب فلسطين حتى الآن.
2- اللقاء الحقيقي بين القوى الفلسطينية ينبغي أن يتم على ساحة المعركة وانطلاقاً من ضروراتها. ولذلك فإن "فتح" لا تؤمن بجدوى المباحثات النظرية، وتفضل الشروع بالكفاح المسلح حتى ولو كان معنى ذلك انفرادها من دون القوى الأخرى بتحمل أعبائه.
3- يترتب على شعب فلسطين أن يمسك بزمام قضيته وأن يخوض معركة الكفاح المسلح. وعلى الدول العربية تقع مسؤولية ترتيب أوضاعها تبعاً لذلك.
4- العمل الفدائي قادر على إيضاح خلل خطير في التركيب الاقتصادي والبشري لدولة إسرائيل، وهذا الخلل قد يشكل مقتلا حقيقياً لدولة العدو.
5- يبدو أن منظمة "فتح" ، بعد أن رعت أعمال العاصفة لعام كامل، باتت تشعر وتعتقد بأنها تقف في مواقع أكثر جدية وثورية من كل القوى الفلسطينية الأخرى، ولذا أمست تتوقع من هذه القوى أن تقتفي أثرها وأن تسندها دون أي نقاش.
نعود الآن لمناقشة موقف فتح بكل تفاصيله مع بعض الشروح التي يمكن أن تخدم هذا النقاش وتزيد في وضوحه.
* السؤال الأول الذي ينبغي أن يطرح هنا هو:
هل صحيح أن، مبادرة فتح للشروع في العمل الفدائي قد تمكنها من تجاوز العقبات السياسية التي أعاقت مسيرة شعب فلسطين وكبلتها حتى الآن؟
ألا تشعر فتح بأن الوصول إلى استراتيجية سياسية وعسكرية موحدة للعمل الفلسطيني كفيل بدفع قضية تحرير فلسطين خطوات بعيدة إلى الأمام؟
هل الشروع بالعمل الفدائي قد أعفى "فتح" من كافة مسؤولياتها السياسية تجاه شعب فلسطين. وفي طليعتها طرح استراتيجية واضحة ومتكاملة لمعركة التحرير؟
وإذا كانت "فتح" تعتقد بأن استراتيجيتها للعمل الفلسطيني هي الطريق الأفضل والأصوب، فلماذا لا تطرحها وتدافع عنها وتقنع الآخرين بها.
ثم ألا تعاني "فتح" الآن من الكثير من العقبات السياسية التي تتحكم بالوضع العربي؟ ألا تشعر هي بأن وحدة القوى الفلسطينية أقدر منها، منفردة، على التصدي لتلك العقبات؟
* وننتقل إلى النقطة الثانية وهي التي تقول بأن اللقاء الحقيقي بين القوى الفلسطينية ينبغي أن يتم على ساحة المعركة وانطلاقا من ضروراتها، وبالتالي فإن "فتح" لا تؤمن بجدوى المباحثات النظرية وتفضل الانفراد في الشروع بالكفاح المسلح.
لا ندري كيف يمكن أن يحصل لقاء بين القوى الفلسطينية على أرض المعركة إذا لم توجد لديها أولا وحدة في التصور لأبعاد المعركة وخطوطها الاستراتيجية. وإذا كان الخلاف النظري على استراتيجية أوله مخاطره البديهية فإن الخلاف على استراتيجية أثناء سير المعركة أمر قد يصل إلى مستوى الكارثة. فليس بإمكاننا أن نتصور حربا فدائية تقودها عدة قيادات متنافرة. وغير منسجمة في حين تتربص إسرائيل بنا جميعا وتتحين الفرص. ولو أن القوى الفلسطينية الأخرى اختارت ميدان المعركة مكاناً للحوار على استراتيجية (كما تقترح "فتح" لحلت الكارثة بنا جميعاً).
إن المكان الطبيعي للإقناع أو الاقتناع هو ضمن اجتماعات اللجنة التحضيرية للعمل الفلسطيني الموحد. وفي الأصل فإن الخلافات بين بعض القوى الفلسطينية (التي تتحاور داخل اللجنة التحضيرية الآن) لهي أضخم وأقدم من أي خلاف مفترض بين "فتح" وأي طرف آخر من أطراف اللجنة.
والنقطة الثالثة التي تثيرها "فتح" تقول بأن على شعب فلسطين أن يمسك بزمام قضيته وأن يخوض معركة الكفاح المسلح، وعلى الدول العربية تقع مسؤولية ترتيب أوضاعها تبعا لذلك.
لا خلاف، على الإطلاق، بأنه يتعين على شعب فلسطين أن يجمع صفوفه ويتصدى لقضيته على مستوى أكثر ثورية ونضالية من السنوات الماضية. ذلك أن تصدي شعب فلسطين لقضيته شرط أولي وبديهي من شروط حرب التحرير المسلحة. وما المحاولات الجدية والمخلصة الجارية الآن من أجل وحدة العمل الفلسطيني إلا الطريق العملي للوصول بشعب فلسطين إلى مرحلة التصدي الحاد لقضيته. إذن فلا خلاف مطلقا على هذه النقطة.
الخلاف، إن وجد أصلاً، ينحصر في نقطتين:
* أولاً: ما هي بالضبط قدرات شعب فلسطين منفردا على فرض النصر على العدو؟
* ثانياً: ما هي الصيغة التي ينبغي أن تقوم بين العمل الفلسطيني الموحد وبين القوى الثورية العربية التي تمتلك القدرة العسكرية لخوض حرب التحرير وصولاً بها إلى النصر؟
بالنسبة لقدرات شعب فلسطين فإنه من الخطر الوقوع في مبالغات غير منطقية والخروج بقناعة تقول بأن شعب فلسطين قادر بمفرده على تحرير فلسطين. إن معركة تحرير فلسطين هي، على وجه التحديد، معركة تحطيم القوات المسلحة الإسرائيلية ومعركة تمزيق الكيان الإسرائيلي.
وشعب فلسطين، بكل صراحة وإخلاص لا يمتلك بمفرده القدرة على خوض معركة رابحة إذا كانت هذه هي أهدافها، وان كان له دور طليعي ولربما انتحاري.
إذن فلا مفر من إيجاد صيغة معقولة لتنظيم العلاقة بين العمل الفلسطيني الموحد وبين القوى العربية المالكة للقدرة العسكرية. وإذا كان توحيد القوى الفلسطينية يحتاج كل هذه الجهود التي نراها الآن، فإن إقامة علاقة بين العمل الفلسطيني الموحد والقوى الثورية العربية يحتاج إلى جهود أكبر. ولا يجوز، ضميريا، أن تكون صيغة التوريط هي الصيغة التي تحكم هذه العلاقة.
ثم انه لو كان دور شعب فلسطين في معركة التحرير هو الدور الرئيسي والحاسم للمعركة، ولو أن دور القوى الثورية العربية كان في حدود التأييد المحدود وغير الحاسم، لكان هناك بعض المنطق في إتباع أسلوب "التوريط" بدلا من "التنسيق". أما ان نعمد إلى توريط القوى العربية المالكة للقوة العسكرية الحقيقية، مع كل ما يعنيه ذلك من مخاطر ونتائج، فإن ذلك أمر لا يمكن التسليم به على الإطلاق.
التجربة الجزائرية:
والنقطة الرابعة التي تثيرها "فتح" تقول بأن العمل الفدائي قادر على إيقاع خلل خطير في التركيب الاقتصادي والبشري لدولة إسرائيل، وأن هذا الخلل قد يشكل مقتلا حقيقيا لدولة العدو.
فما هو الأساس الذي بنت عليه "فتح" قناعتها حول طاقات العمل الفدائي الفلسطيني؟
إذا كانت الثورة الجزائرية هي المثل المستخدم لدعم هذا الرأي، فإن للتجربة الجزائرية ظروفها المختلفة التي لا تنطبق على ساحة فلسطين.. ولا نظن أن هذا هو مجال النقاش في التجربة الجزائرية وكيف نستفيد من دروسها في حرب التحرير القادمة.
إن هناك خطورة في إتباع أسلوب المبالغة في إمكانات العمل الفدائي، لأن ذلك يؤذي العمل بدلا من أن يدفعه.
إن حركات المقاومة الباسلة التي اجتاحت أوروبا أيام الغزو النازي، والتي شاركت فيها كل القوى الوطنية لم تكن قادرة لوحدها على دحر جيوش هتلر. وحتى يوغسلافيا، التي حررت نفسها عن طريق حرب الأنصار، ما كانت لتبلغ النصر لو أنها واجهت لوحدها قوات هتلر، ولو لم تكن قوات الحلفاء تنزل بالقوات النازية الضربات القاصمة في جبهات أخرى. من كان ينكر دور حركات المقاومة هذه، ومن تجرأ على الانتقاص من قدرها؟
النقطة الخامسة تتعلق بما يبدو أنه نوع من القناعة عند "فتح" من أنها، بعد عام من أعمال العاصفة، باتت تقف في مواقع أكثر جدية وثورية من كافة القوى الأخرى، وأنها تتوقع من هذه القوى أن تقتفي أثرها وأن تحتذي حذوها دون أي نقاش.
الشرط الوحيد الذي يسمح بقيام ظرف من هذا النوع هو حين تنجح "فتح" في شق طريق جديد للعمل الفدائي لا يكون محكوما بالضوابط التي تفرضها ظروف قضية فلسطين، والتي تجعل العمل الفدائي غير قادر على حسم المعركة.
هل أثبتت أعمال العاصفة وجود مثل هذا الطريق؟ كيف؟ لماذا لا تكشف "فتح" حصيلة قناعاتها؟
هل هي السرية التي تكبل "فتح" وتحول بينها وبين نشر قناعاتها؟
ولكننا لا نطلب قائمة بأسماء الفدائيين ولا نسأل عن الأهداف التي ستضرب خلال الشهر القادم، ولا نتساءل عن المسالك التي يسلكها الجناح الثالث من المجموعة الرابعة حين يذهب إلى الأرض المحتلة. هذه كلها أسرار ليس من حق أحد أن يطلبها في غياب القيادة العسكرية الواحدة للعمل الفلسطيني. فحين تقوم تلك القيادة يصبح من حقها أن تعرف أدق التفاصيل. أما غير تلك القيادة فليس له أن يسأل مثل تلك الأسئلة، وليس مطلوبا من "فتح" أن تجيب.
سؤالنا لا علاقة له بالأسرار المكتومة بل يتصل بالنتائج المتحققة. فالمهمة العسكرية لا تبقى سراً بعد تنفيذها. فهي إما أن تنجح تماماً، أو تنجح جزئياً، أو أن تفشل. وفي كل الأحوال لا يبقى سرا ما أسفرت عنه تلك العملية من نتائج. بل أن العدو نفسه هو أول العارفين بالنتائج، باعتبار أن الضرر واقع عليه.
مع ذلك، فنحن لا نطلب تفاصيل النتائج المحققة في كل واحدة من العمليات التي جرى الإعلان عنها. إننا نطلب فقط معرفة ما إذا كانت الحصيلة النهائية لهذه العمليات قد غيرت من الخطوط العامة لاستراتيجية العمل الفدائي الفلسطيني أم لا؟
هذا المقدار من الحديث العام عن نتائج أعمال العاصفة لا يدخل، منطقياً ضمن نطاق الأسرار المكتومة. وموقف "فتح" سيدعم كثيرا لو أنها جاءت إلى "اللجنة التحضيرية للعمل الفلسطيني الموحد" بتقييم صريح وأمين لحصيلة أعمال العاصفة خلال عام.
أما إذا لم تنج "العاصفة" في شق طريق جديد للعمل الفدائي، فلماذا تطلب "فتح" من القوى الأخرى أن تحذو حذوها ودون ما نقاش؟
هل العبرة في من يطلق الرصاصة الأولى، أم في كيف نستطيع أن نبلغ النصر؟
إن كافة ظروف القضية الفلسطينية ابتداء بشحنات السلاح الثقيل والخطر وانتهاء بشبح السلاح الذري الزاحف نحو الشرق الأوسط، تؤكد على أهمية عامل الزمن وخطورته.
فهل تحمل "فتح" حصيلة خبراتها وقناعاتها وتأتي إلى اجتماعات اللجنة التحضيرية للعمل الفلسطيني الموحد؟ ليتها تفعل ... لأنها لن تخسر شيء ولكن قضية تحرير فلسطين ستربح الكثير."
وجاء رد فتح على المقال المنشور في مجلة فلسطين الصادرة عن صحيفة المحرر بعنوان "فتح مدعوة للنقاش" تحت عنوان فتح تبدأ النقاش وسيتم عرضه في العدد القادم.
هوامش
1- الوثائق الفلسطينية العربية ص 467.
2- نفس المصدر ص 475.
3- نفس المصدر ص 481-483.
4- مجلة فلسطين عدد 25، شباط 1966، ص 3-4.