اوجلان
الدور الاسرائيلي
تحتل مسألة استغلال الاقليات العرقية في العالم العربي والاسلامي قدرا كبيرا على رأس سلم أولويات الامن والمصالح القومية الاستراتيجية في إسرائيل، ويشهد التاريخ على الجهود الكبيرة التي بذلتها إسرائيل من خلال مؤسساتها الأمنية من اجل التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، ابتداء من التورط الأمني والعسكري في جنوب السودان مرورا بدعم المارونيين في لبنان، وانتهاء بالترويج للنزعات الانفصالية بين صفوف الدروز في جبل الدروز، والأكراد في العراق، الامر الذي يخدم المصلحة الإسرائيلية في خلخلة وزعزعة المشاعر القومية العربية الموحدة في العالم العربي.
آخر معالم هذه المصلحة في التورط الإسرائيلي في اتخاذ القرار والتدخل المباشر في المساعدة بالقبض على الزعيم الكردي عبد الله اوجلان المتهم بالخيانة القومية للدولة التركية، هذا القرار الذي اعتمد منذ البداية على أكثر من وجهة نظر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والتي تراوحت بين مؤيد ومعارض لهذا النوع من التدخل المباشر وفي هذه المرحلة بالذات، والتي حذرت من الأضرار التي قد تتعرض لها اسرائيل في حال الانتقال من مرحلة المتابعة الى مرحلة التدخل المباشر، من ناحية أخرى ترأس مؤيدو شعار المصالح القومية اليهودية فوق كل اعتبار قومي انساني آخر، هذه المصالح التي تتجسد في المصالح الأمنية والعسكرية لإسرائيل في تعميق التحالف الأمني والعسكري مع الدولة التركية، والتي تساوي في قيمتها الأهداف المجزئة التي تسعى اليها إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وهذا يتناقض تماما مع الادعاءات الإسرائيلية السابقة في دعمها للأكراد في العراق بأن الهدف النهائي من هذه التدخلات هو تقديم المساعدات الإنسانية الطبية لشعب يواجه مخاطر الإبادة من محيط عربي مسلم معادي. لذلك فالعنوان النهائي لهذه التدخلات وهو العنوان الأكثر دقة هو "التجزئة" والتخريب قدر الإمكان. تجزئة الشعوب، وتجزئة المصالح ومحاولة تخريب كل العناصر الموحدة والمشتركة للقوميات والشعوب.
من ناحية أخرى فان إسرائيل معنية جدا بإثارة قضية الأكراد كقضية أقلية قومية تبحث عن وطن على المستوى الغربي بشكل عام وعلى المستوى الأوروبي بشكل خاص، على أمل تشتيت الدور السياسي الأوروبي في مواقفه من مسألة الصراع العربي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، فأي مساحة تحتلها هذه القضية في البرامج السياسية لهذه الحكومات وفي وسائل الإعلام الغربية لمواجهة المواقف الحكومية التركية بهذا الشأن وما يترتب عنه من تصعيد المواجهة والصراع بين الأتراك والأكراد هي مصلحة إسرائيلية بحتة. وبالتالي زيادة حدة التوتر الإقليمي الذي قد تواجهه تركيا مع الدول المجاورة لها مثل سوريا والعراق واليونان، وهنا يأمل الإسرائيليون بزيادة الأصوات التركية الداعية الى توثيق التعاون الامني مع إسرائيل، وقد سبق لتركيا ان قامت بالتهديد العسكري لسوريا، ومؤخرا بدأت فعلا بهجومها الإعلامي على لسان الخارجية التركية وتهديداتها لجارتها اليونان من خلال الادعاء بأن عبد الله اوجلان قد حصل على ملجأ في بيت السفير اليوناني في نيروبي، وبان حزب العمال الكردي قد حصل على مساعدات عسكرية من اليونان. في حين لم تسلم اليونان من اتهامها بالخيانة للأكراد وبمساعدتها لتسليم القائد الكردي الى السلطات التركية.
فإسرائيل معنية وضمن إطار التطبيق العملي للتعاون الأمني الاستراتيجي بين إسرائيل وتركيا بمساعدتها مباشرة في محاربة حزب العمال الكردستاني، كونه يحتل قائمة الحركات الإرهابية كحزب راديكالي متطرف حسب القاموس الأمريكي الإسرائيلي التركي، وكل ذلك في النهاية يخدم المصلحة القومية الإسرائيلية في هذه المنطقة التي لا تبتعد كثيرا عن الموقف الحقيقي من مسألة ضرب مثلث العراق وقدراته غير التقليدية، ايران وحزب الله، سوريا المثلث الذي ما زال يقلق المحللين الاستراتيجيين الإسرائيليين والأمريكيين في العقد القادم.
والحل المرحلي يتجسد في زيادة التعاون الأمني الإسرائيلي التركي الذي يسمح لإسرائيل بالتدخل المباشر في سلم أولويات الأمن القومي التركي، ففي حين تصر تركيا على أنها حصلت على مساعدة من دولة أجنبية صديقة، تتبجح الولايات المتحدة بمساعدتها للحكومة التركية، وتستمر الحكومة الإسرائيلية في إنكار تورطها في هذا الشأن وفي حادث إلقاء القبض على اوجلان، الا انه من الأكيد بأن الفترة القادمة ستشهد مرحلة جديدة من العلاقات الكردية الإسرائيلية والتي بالتأكيد سيحاول مبعوثو الموساد حلها من خلال معادلة: عدو عدوي صديقي وصديق عدوي عدوي، وهذا سينطبق بالطبع على التوجهات الأمنية المستقبلية للدول الأوروبية تجاه الصراع في الشرق الأوسط. والسؤال إن لم تساعد إسرائيل تركيا في مجالات التجسس على الدول المجاورة وفي القبض على أعداء تركيا في المجال الأمني العسكري فهل ستساعده في الترويج للأفلام التركية؟.
أما لماذا قرر افرايم هليفي في سابقة جديدة الإعلان أمام وسائل الإعلام والكشف عن رسالته الخاصة الى عملاء الموساد والتي ينفي فيها أي تدخل للموساد بالعملية، وهو المعروف منذ استلام منصبه الجديد باتباع سياسة الابتعاد قدر الإمكان عن الصحافة ووسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية، وهو من المعارضين الشديدين لاطلاع الجماهير في إسرائيل على أمور ونشاطات جهاز الموساد الخاصة، فقد كشفت المصادر الإعلامية عن معلومات تشير الى ان رئيس الموساد افرايم هليفي كان من المعارضين لهذا الاعلان وانه تلقى أوامر مباشرة من رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو بتسريب هذا الخبر للصحافة خوفا من استغلال المعارضة الاسرائيلية لذلك الامر واتهام حكومة الليكود بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع الأمنية.