تطور الفكر السياسي الفتحوي
(22)
اصبحت الظروف مواتية جداً لحركة فتح لتقوم بتنفيذ مخططها للسيطرة على منظمة التحرير ولفرض خصوصياتها فكراً وممارسة على المنظمة. فانتهاء مرحلة الاخ الشقيري جعل المرحلة الانتقالية تصب في صالح سيطرة المقاتلين على المنظمة وامساكهم بزمام أمرها. وعلى الرغم من محاولة الاخ يحيى حموده اقحام المنظمة في مجال العمل الفدائي عبر تشكيل قوات التحرير الشعبية الا ان الشعور بغياب الاستقلالية لدى المنظمة جعل من حركة فتح الاكثر تأهيلاً وقدرة على القيادة. فالحجم العسكري المقاتل لفتح هو الاكبر والاكثر تأثيراً، وهو الاكثر استقلالية إلى جانب البروز السياسي الذي اظهره قادة حركة فتح في مجال فك الفراغ الذي تركه غياب الاخ الشقيري. وكان للدعوة التي وجهتها الحركة لجميع الفصائل في مطلع عام 1968 وقبل معركة الكرامة من اجل تحقيق وحدة العمل الفدائي دوره في استقطاب عدة قوى مقاتلة تشارك مع الحركة في اطار المكتب الدائم لمؤتمر المنظمات، من خلال تشكيل مجلس عسكري للمنظمات المجتمعية يشرف على جميع الشؤون العسكرية تخطيطاً وتنسيقاً إلى جانب توحيد عدد من الاجنحة العسكرية للمنظمات المقاتلة مع قوات العاصفة والتي كانت مقدمة منطقية لاندماج هذه الفصائل تنظيمياً وسياسياً وعسكرياً في حركة الفتح، كما جرى لاحقاً مع جبهة التحرير الفلسطينية ج.ت.ف والهيئة العاملة لدعم الثورة. وقد كان غياب منظمة التحرير عن حضور المؤتمر مؤشراً يوحي باستمرار النزعة الابوية لقادة المنظمة السياسيين مما جعل قيادة حركة فتح تدفع باتجاه التنسيق مع جيش التحرير الفلسطيني، فدعت الجيش إلى تكوين لجنة للتنسيق فوراً مع المجلس العسكري المنبثق عن المؤتمر.
بعد معركة الكرامة.. وبعد ان اختلت الموازين لصالح حركة فتح تم التأكيد على القرار بالتنسيق الكامل مع جيش التحرير الفلسطيني، ولكن فتح رأت ان يتم تأجيل التنسيق إلى مابعد المجلس الوطني.
كانت الحركة تسعى إلى الفصل بين الدور السياسي والدعاوي والدعم المالي للمنظمة وبين الدور العسكري القتالي. فالمنظمة من وجهة نظر الحركة لم تعد قادرة على ان تكون الناطق الرسمي باسم الشعب الفلسطيني. واعتبرت انه من حق المنظمات الفدائية ان تحافظ على استقلاليتها خارج ارض الوطن. اما اللقاء فسيكون على ارض المعركة وليس خارجها.
كانت فتح تدرك ان السيطرة على المنظمة لا تتم الا من خلال الشرعية التي يمثلها المجلس الوطني الفلسطيني، وترى ان ذلك يتطلب حشداً يمثل المقاتلين بحيث يتحتم ان يصبح الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيكاً ولن تكون الاستقلالية هي طابع العمل الوطني الفلسطيني.
وتم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر من واحد وعشرين عضواً موزعين على الشكل التالي: 6 اعضاء يمثلون فتح. 6 اعضاء يمثلون منظمة التحرير الفلسطينية. عضوان يمثلان الجبهة. عضو واحد يمثل جيش التحرير الفلسطيني عضو واحد يمثل الصندوق القومي. 5 اعضاء يمثلون الضباط المستقلين. وقد استطاعت فتح ان تلعب دوراً حاسماً في تشكيل المجلس من مئة عضو يشكل 70% منهم المنظمات الفدائية.
وقد تم عقد المجلس الوطني في العاشر من تموز واستمر حتى السابع عشر من تموز. واستطاعت حركة فتح في هذا المجلس ان تحدث التعديلات التي تحول الميثاق القومي إلى ميثاق وطني، هو صورة اخرى عن المبادئ والاهداف والاساليب التي طرحتها الحركة والتي اصبحت جزءا من نظامها الاساسي .
ولم يصل الاتفاق داخل المجلس الوطني إلى حد تشكيل لجنة تنفيذية جديدة فتم التجديد للجنة السابقة لمدة ستة اشهر .
كان على الحركة ان تقوم بدورها لتعزيز الثقة مع جيش التحرير وقوات العاصفة . وقد عبر الحديث الصحفي الذي اجراه الاخ ابو عمار الناطق الرسمي باسم الحركة عن صورة الوضع في الساحة الفلسطينية بعد المجلس الوطني. وقد نشرته جريدة الانوار اللبنانية في 2\8\1968 وجاء فيه :
س : على هذا الاساس ، لا بد ان يكون هناك تنسيق بينهم وتكامل لقواهم اذا لم يكن من الممكن توحيد قياداتهم؟
ج : هناك تنسيق قائم بالفعل بيت قوات العاصفة وقوات التحرير الشعبية، هناك عمليات مشتركة بينهما داخل اسرائيل ، ومعظم الضربات التي وجهت إلى العدو خلال الفترة الاخيرة ، وكان لها اثرها البالغ ورد الفعل العنيف، تمت بوحدات متكاملة من العاصفة والتحرير ، ولكن هناك نقطة هامة في هذه المسألة بالذات حتى يكون كل شيء واضحا وظاهرا للعيون .
هذه الارض راحت بارخص الاثمان ، ولكننا لن نستطيع استردادها الا باغلى الاثمان وباعظم التضحيات. وكلما ازداد رصيد الدماء، زاد ارتباطنا بالقسم الذي نأخذه على انفسنا . ولذلك يجب ان يكون التنسيق والتكامل قائمين على هذا الاساس ونابعين من العمل الحقيقي على ارض المعركة .
س: هل هذا هو الطريق إلى وحدة العمل الفدائي الفلسطيني في اخر الامر؟
ج : لا نريد وحدة المكاتب ، ولا وحدة المناورات السياسية، ولكننا نريدها وحدة حقيقية تستمد نبضها من ميدان النضال، نريدها وحدة بسيطة وواضحة ، وحدة الموت . نريد الاضواء فقط على الشهداء الذين يصنعون الاسطورة ويعزفون الملحمة من فوهات مدافعهم وبرصاص بنادقهم . الاستشهاد في رأيي يمثل ذروة البطولة، واكتمال الاسطورة لا يكون الا باستنفاد كل الطاقات حتى الموت، وقد تكون الحياة في بعض الاحيان وفي مواجهة بعض الظروف نوعا من التقصير، وقد يكون الموت نهاية بحكم المألوف والطبيعة ولكنه بداية عند الشعوب المناضلة.
وقد احببت الاستشهاد حين سقطت يافا، ووضعت حياتي وديعة عنده حين سقطت غزة، وسعيت وطلبته مع رفاقي عندما سقطت القدس، وعلى حد تعبير الرئيس عبد الناصر : ليست القاهرة اغلى من القدس، وما من مدينة عربية عندي افضل من صفد او عكا او رام الله لانها ارضي وموطني وكياني وسوف استرجعها واستعيد بيوتها وترابها، واذا لم استطع ذلك فسوف يستطيعه ابنائي واحفادي.
واجيال وراء اجيال سوف تمر على الطريق حتى تصل الى الغاية وتحقق الهدف، وتدفع الثمن ايضا.
س : لكن هناك وجهة نظر ترى ان طبيعة فلسطين تختلف عن طبيعة فيتنام وعن طبيعة الجزائر؟
ج : انها وجهة نظر سليمة من الناحية الاستراتيجية، والذين يبدونها على حق، ولكن هل اسرائيل مثل اميركا؟ وهل في امكانها احتمال المقاومة طويلا؟ وهل عندها القدرات والامكانات المتوفرة في اميركا مثلا؟ ومع ذلك فان اميركا غارقة حتى اذنيها في فيتنام، والحصيلة الاخيرة لكل ذلك ان كل نضال له ظروفه وله طبيعته وله رجاله. والثورات لا تقلد بعضها ولكن روحها واحدة ولها ان تستفيد من التجارب الاخرى وتربط ما بين اساليبها.
س : وهناك وجهة نظر اخرى ترى ان العمل الفدائي محدود الابعاد وينتهي بتحقيق مهمته؟
ج : من قال ان عملنا يقتصر على الفداء وحده، انه جزء من مهمتنا الشاملة، ولا بد ان يكون مفهوما ان "فتح" حركة ثورية قبل ان تكون منظمة فدائية، ولكن التركيز على العمل الفدائي - في الظروف الراهنة - يعود الى اعتقادنا بان القتال والمقاومة يدفعان الى الثورة الشعبية الشاملة، ولا بد ان يكون مفهوماً ايضاً، ان فلسطين راحت بالحديد والنار، ولن تعود الا بالحديد والنار، وليس للحديد فلسفة وليس للنار نظريات. لسنا حفنة من الفدائيين - كما يتصور الاعداء - ولكننا طلائع شعب ثائر على الخيام وعلى البطالة وعلى الضياع خلال عشرين سنة.
س : اليس الشعب الفلسطيني مسؤولا، الى حد ما، عن ذلك، وعن الركود الذي اصاب قضيته طوال هذا المدى؟
ج : ابدا، ابدا ان الشعب الفلسطيني لم يهمل قضيته على الاطلاق، واذا كانت المقاومة المسلحة قد برزت اثناء السنوات الثلاث السابقة لاحداث الخامس من حزيران (يونيو)، ثم اتخذت مبادرتها الايجابية للعمل بعد النكسة، فليس معنى ذلك انها لم تكن موجودة من قبل او انها توقفت عن الحركة، بل على العكس كانت المقاومة مستمرة بين العرب الفلسطينيين داخل اسرائيل، ولكن بشكل منظم. ثم يجب ان يوضع في الحساب قسوة التشتيت وضرورة النكبة، ولم يكن جمع الشمل المعنوي للآلاف المتناثرة هنا وهناك بالامر البسيط او السهل، وعلى كل حال فقد اثبتت النكسة صحوة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، وبرز، في مواجهة جيل الصبر والصمود الذي يعيش تحت الاحتلال الاسرائيلي، جيل آخر، جيل الفداء والتضحية.
س : اليست خسائر المقاومة ملحوظة بالنسبة الى المدى الطويل للنضال، ثم الى أي حد يمكن تعويضها.
ج : اقولها بصرحة، اننا نخجل حتى الآن من ذكر رقم شهدائنا ونعتبر اننا لم نقدم شيئا للقضية. اننا نتوقع المزيد من التضحيات والشهداء وبدون ذلك لا يمكن ان تتحرر الارض. واذا كانت ظروف النضال تحتم اقليمية القضية في مرحلة معينة، فاننا لسنا وحدنا في الميدان ولكننا امتداد لمائة مليون عربي، ونعتبر انفسنا طلائع النضال العربي من اجل التحرير.
ومهما كانت ارقام الخسائر المحتملة والمتوقعة فانها لا تكون شيئا بجانب الهدف الكبير. وخذوا نموذجا، فقد وضعنا في موجة استئناف العمل الفدائي بعد 5 حزيران (يونيو) خيرة العناصر القيادية من المقاتلين، ولكن التنظيم السليم للحركة افرز بعدها الكوادر الجديدة والصالحة لاستمرار النضال ولاتساع المقاومة الفلسطينية.
س : لقد سمعت مضمون البلاغ رقم 113 يتردد بين صفوف المقاتلين في العاصفة وعلى السنتهم، فهل هناك مفهوم معين له بالذات؟
ج : هذا البلاغ، بالتحديد، يكاد يكون نقطة تحول بارزة في العمل الفدائي الفلسطيني - بلاغ استشهاد الفدائي اللبناني خليل الجمل - لانه كان يعني المشاركة العربية في مسؤولية النضال، وفتح الباب امام الشباب العربي للعمل الفدائي، وان كانت الظروف القائمة تستلزم اقتصار هذا العمل الان على الفلسطينيين فقط حتى لا تتخذ منه اسرائيل ذريعة للعدوان على الدول العربية المحيطة بها وتنفذ مخططاتها تحت قناع ضرب قواعد المقاومة الفلسطينية.
ومن هنا يهمني ان اشير الى نقطة هامة اخرى، فان معظم العمليات الجريئة التي تتم داخل الارض المحتلة يقوم بها رجال المقاومة الداخلية. فعملية نسف معمل دودج للسيارات - مثلا - نفذها فلسطينيون لم يتركوا ارض فلسطين لحظة واحدة، وبعد عملية ضرب مؤخرة العرض العسكري في 2 ايار (مايو) عوقبت رام الله لان الفدائيين الذين قاموا بها كانوا من هناك. وهذا هو الهدف المتصاعد الذي ينبغي الوصول اليه حتى تنتقل جميع قواعد المقاومة الى الداخل وتتحول شيئاً فشيئاً الى ثورة شعبية مسلحة. وقد طرح البعض امامي وجهة نظر ترى اننا حينما ننسف مصنعاً اسرائيليا فإنهم ينسفون في مقابله قرية عربية بكاملها ويضطر اهلها الى النزوح والخروج من اراضيهم، وبالتالي يقع ذلك تحت قائمة الخسائر، وان جوابي المحدد انه في ثورات الشعوب ميزان للخسائر والارباح، ولكن المهم يتمثل في البقاء والكيان واستعادة الحقوق، وامام ذلك تهون جميع الاثمان. واذا كنا نقدم وندفع بالدم فما ارخص ان نضحي بالمال والممتلكات في احيان اخرى.
س : كيف تبدو صورة العمل القادمة امام رجال المقاومة، وما هي ملامح المستقبل؟
ج : الفدائيون، أي انهم هم الذين يقررون ذلك انطلاقا من مسيرة الكرامة في مستقبل الدولة، لان المناضلين في رأيي المصدر الحقيقي لقوة الوطن وكيانه الثوري، والتركيز على الاشخاص لا يفيد في مرحلة النضال حتى لا تفقد الثورة فعاليتها وتجددها وصوتها الحقيقي. اما من ناحية العمل الفدائي، فلا بد من تصاعد المقاومة المسلحة في الارض المحتلة حتى لا تستقر اسرائيل، ولا يهدأ كيانها، ولا يطمئن سكانها. والمقاومة عمل مشروع مارسته جميع الشعوب - من قبل - ضد الاحتلال النازي والفاشي.
س : ما هو موقف الحركة من المشروعات للقضية؟
ج : الرفض بالطبع لكل المشروعات الاستسلام، لاننا لم نخسر الحرب خسرنا مجرد معركة من معاركنا في 5 حزيران (يونيو). ولو عدنا الى تاريخ نضالنا في هذه البقعة - بالذات - ما هي الرؤية؟ لقد ظل اجدادنا يقاتلون الصليبيين مائة سنة، وبعدهم وقف آباؤنا يكافحون الاستعمار العثماني ثم الانجليزي والفرنسي سنوات وسنوات، وعلينا ان نحمل علم النضال منهم، ونسلمه نظيفاً ومرفوعاً لاجيال قادمة من بعدنا. ولكننا لن نرتكب هذه الجريمة في حقهم، جريمة وجود دولة عنصرية في قلب العرب.
هل هذا العار ما نسلمه لاولادنا؟ ابدا، لن يكون. (1)
كان انتشار القواعد الارتكازية في المرتفعات وعلى السفوح المطلة على الاغوار يشكل المحرك الذي يفعل تطوير العمليات العسكرية ضد جيش الاحتلال، وكانت مدينة السلط والمناطق المحيطة بها قد تحولت الى مركز عملي للنشاطات العسكرية الفلسطينية، ولم يكن بامكان النظام الاردني ان يجازف بالاشتباك مع هذه القوات. بعد ذلك الالتفاف الجماهيري والشعبي الداعم للعمل الفدائي كان على اسرائيل ان تتحرك وان تقوم بعمل من شأنه ان يصفي العمل الفدائي دون ان يحقق هزيمة بالجيش الاسرائيلي. ولم تكن هناك وسيلة الا القصف بالطيران.
في الرابع من آب قامت الطائرات الاسرائيلية بقصف مركز على منطقة السلط ومواقع القواعد الارتكازية لمدة ثلاث ساعات. وقال الناطق الاسرائيلي ان المراكز السكنية للفدائيين ومستودعات الذخيرة كانت هي اهداف الهجوم الذي تم ردا على عمليات التسلل المتزايد للفدائيين الى اسرائيل. وقال ان الفدائيين يتصرفون في المنطقة وكأنهم سادتها، وان الحال في هذه المناطق هي الحال نفسها التي كانت في الكرامة قبل ان نغزوها. (2)
كانت ردة الفعل الجماهيرية الشعبية مزيدا من الالتفاف والدعم للعمل الفدائي. واصبح واضحاً ان هذا العمل يستمد قوته وعنفوانه من تصديه للعدوان الصهيوني من جهة ومن كل الاعمال العدوانية التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي ضد قواعد الفدائيين وامكان تواجدهم.
اصبح الوجود الفدائي عبئاً حقيقيا على الكيان الصهيوني، وبدأت الافكار تتوارد حول كيفية الخلاص من هذه الورطة فالسياج الجماهيري يحمي الفدائيين من أي محاولة. ولذلك عمدت امريكا إلى فكرة حماية اسرائيل من خلال قوات الطوارئ الدولية التي يمكن وضعها على خطوط وقف القتال، وقد عبرت حركة فتح عن رفضها لهذه المؤامرة التي تستهدف تحويل العمل الفدائي إلى خصم للامم المتحدة. والشرعية الدولية ولذلك اصدرت بياناً بتاريخ 18/8/68 جاء فيه:
"تلمح بعض مصادر الاستعمار الاميركية بضرورة وضع قوات دولية على خطوط القتال وخاصة على الجبهة الشرقية. وهذه المؤامرة الاميركية الجديدة هي ككل المؤامرات السابقة التي نفذتها اميركا من اجل حماية القاعدة الاستعمارية الصهيونية في ارضنا المحتلة. ان اميركا، وبعد شعورها بخطورة الثورة الفلسطينية التي تخوضها حركة "فتح"، تفتش عن كل وسيلة تضمن بها حماية قاعدتها الاستعمارية الصهيونية في فلسطيننا، فلقد ارسلت الاسلحة بكل انواعها إلى الصهاينة ولكنهم، وامام تصاعد الثورة الفلسطينية، عرفوا انهم في خطر لان الثورة تهدد وجودهم، وشرعت اميركا ترسل الطائرات بكل انواعها والصورايخ بكل انواعها واسلحة القتل والدمار بكل انواعها، ولكن هذه الاسلحة ايضاً لن تغني القاعدة الاستعمارية الصهيونية شيئاً امام اتساع الثورة وشمولها، فزاد صراخ قادة الاحتلال الصهيوني في تل ابيب وتفتق العقل الاستعماري عن هذه اللعبة الجديدة بوضع قوات دولية على جبهات القتال وخاصة على الجبهة الشرقية. فلقد طرحت اميركا هذه الفكرة الحديثة التآمرية بعد ان فهمت من قادة الصهاينة ان كل الطائرات والدبابات والاسلحة التي قدمتها اميركا لهم لا يمكن ان توقف الحرب الشعبية التي يخوضها شعب فلسطين ومن ورائه الامة العربية بقيادة حركة "فتح"، وبعد ان اعلن قادة الاحتلال، الصهيوني في تل ابيب للاميركيين انهم ليسوا على استعداد لخوض حرب طويلة المدى يخسرون فيها كل يوم عشرات القتلى والجرحى، وعندما يشتد ساعد الثورة اكثر سترتفع الخسارة إلى المئات من القتلى والجرحى في اليوم الواحد. هذا يعني، من وجهة نظر قادة الصهاينة، انه سيأتي اليوم الذي سينتهي فيه الكيان الصهيوني برمته من ارض فلسطين. ولقد اقضت هذه الحقيقة المسؤولين الاميركين الذين زينت لهم عقولهم الاستعمارية فكرة ارسال قوات الطوارئ الدولية إلى خطوط القتال وخاصة الجبهة الشرقية. وهذه القوات ستقوم اميركا بالصرف عليها وتزويدها بالمعدات والاسلحة والمهمات اللازمة.
ايها الاخوة المقاتلون،
يا كل من حمل السلاح ثائراً على ارض الوطن، يا كل جنود الامة العربية المرابطين على جبهات القتال، امام هذه المؤامرة الاميركية الرهيبة، التي تهدف فيها اميركا إلى اقامة حاجز دولي يحمي قاعدتها من قوى الثورة الفلسطينية، امام هذه المؤامرة، يقفز سؤال هام هذا السؤال هو: ما هو موقف الثوار الفلسطينيين وكل جنود الامة العربية من هذه المؤامرة الاميركية التي تطبخ في مطابخ الاستعمار الاميركي؟ ان موقف الثورة الفلسطينية من هذه المؤامرة هو نفس موقفها من كل المشاريع الاستعمارية التي ترتدي ثوب الامم المتحدة المزيف. ان موقفها من هذه المؤامرة هو جزء من موقفها من المشروع البريطاني والمبعوث الدولي. الرفض كل الرفض. لا صلح، ولا استسلام، ولا قوات دولية، بل ثورة فلسطينية عربية صامدة حتى النصر. وان الثورة، وكل القوى المقاتلة الشريفة، سترفض هذه المؤامرة الجديدة بالعنف المسلح. وان الثورة ستعتبر كل جندي دولي يصل إلى الحدود هو قوة معادية للثورة ستعامله معاملة جنود الاحتلال الصهيوني. وان كل دولة تغامر بارسال جنودها إلى فلسطين، ستعتبر دولة معادية للشعب الفلسطيني وللثورة الفلسطينية، وستعتبر الثورة نفسها في حالة حرب مع هذه الدولة لان جنودها سيشكلون جنود احتلال جديدة قادمة لحماية الكيان الصهيوني، وانه لمن الغباء ان تفكر اية دولة في زج نفسها في اتون هذه المعركة الا اذا كانت دولة استعمارية تريد ان تدخل في معركة سافرة ضد ثورتنا وشعبنا وامتنا. واذا حدث ذلك، فان الثورة الفلسطينية ستفتح باب التطوع لجماهير الامة العربية على مصراعيه لتحويلها إلى معركة عربية شاملة تواجه كل قوى الاستعمار ومؤامراته ومخططاته، والنتيجة الحتمية والمنطقية ان تشتعل المنطقة العربية بأسرها في ثورة عارمة ضد كل ما هو استعماري صهيوني غاز لارضنا واوطاننا.
ايها الاخوة المقاتلون،
يا كل من حمل السلاح على ارض الوطن، يا كل جنود الامة العربية المرابطين على جبهات القتال، لتتحد كل قوى الثورة فوق ارض المعركة، لتتوحد كل الجبهات العربية لمواجهة العدو. فالمعركة تزداد ضراوة يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، والاستعمار يكشف عن نواياه وتتساقط عن وجهه الاقنعة ليبدأوا استعماراً شرساً متآمراً يريد ان يجهز على كل امتنا وشعبنا. لتسحق، وبكل قوة وبالعنف المسلح وبالحديد والنار، كل المؤامرات الاستعمارية والصهيونية والاميركية، فلا صلح ولا استسلام ولا مفاوضات ولا قرارات دولية وغير دولية، ولكن ثورة فلسطينية عربية مشتعلة صامدة تلتحم معها كل الجماهير الفلسطينية والعربية.(3)
هوامش
1. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1968 ص 573 - 1975.
2.جريدة النهار بتاريخ 2/8/1968.
3. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1968 ص 613 - 615.
يتبع