المسؤولية الجنائية

يزداد الحديث في الآونة الاخيرة عن الخطورة الظاهرة والكامنة للجرائم الدولية والجرائم ذات الطابع الدولي، والتي اصبحت تهدد الامن والسلام والاستقرار لكافة شعوب العالم بشكل عام والمناطق الساخنة بشكل خاص،حيث قامت جمهورية مصر العربة مؤخرا بطرح قضية اسراها الذين قتلوا في حربي عام 6591 و 7691 على الجانب الاسرائيلي لايجاد حلول لهذه المسألة الحساسة... اخذين بعين الاعتبار بان هذه القضية اثيرت على مستوى عال بين الدولتين اي بعد مرور ستة عشر عاما منذ ابرام معاهدة السلام المصرية- الاسرائيلية عام 1979... باعتبارها ظاهرة قديمة جديدة او لكل ظاهرة جديدة، جوهرا جديدا ايضا، فان كشف او تعرية جذور هذا الجوهر وبيان اصول القضية (العوامل الموضوعية والذاتية) يشكل مهمة ملحة لا بد من انجازها. من اجل صيانة التعايش الدولي والحفاظ على الحريات وحقوق الانسان في الشرق الاوسط.

فالمجتمع الدولي لم يتبن فكرة المعاقبة على جرائم الحرب بسهولة، وانما مرت هذه الفكرة بعدة مراحل. ويمكن ان نعتبر النصوص الدولية التالية كنقاط وعلامات مميزة لهذا التطور مثل معاهدة فيرساي لعام 1919 اتفاق لندن لعام 1945، واتفاقيات جنيف لعام 1949.

وقد اصبحت جرائم الحرب في وقتنا، تستلزم ملاحقة فاعليها والحكم عليهم باشد العقوبات، كما كتب البروفيسور تونكين بهذا الخصوص "عندما يطلق على حرب عدوانية تستهدف انتهاك الاعراف الدولية، صفة جريمة، فهذا يعني، بالنسبة للدولة انها ارتكبت جنحة ذات طابع خطر للغاية، اما الاشخاص الطبيعين الذين نفذوا هذه الافعال، فيطبق عليهم القانون الدولي الحديث، مبدأ اقتراف الجريمة الدولي وما يسفر عنه من تحميلهم المسؤولية الجنائية".

ومن وجهة نظرنا يمكن القول: "بان القانون الدولي الجنائي يشكل فرعا متكاملا للقانون الدولي، وهي تنظم التعاون في مجال التحقيق والقبض على الاشخاص الطبيعيين ومعاقبتهم بغض النظر عن مناصبهم باعتبارهم الشخصيات المسؤولة عن ارتكاب الجرائم الدولية والجرائم ذات الطابع الدولي.

وفي هذا السياق لا بد من التركيز على الجرائم الدولية التالية:

1- جرائم ضد السلام: وهي كل عمل يتضمن التخطيط والتجهيز والاعداد لشن حرب عدوانية او البدء بمثل هذه الحرب، او اي حرب فيها خرق للمعاهدات والاتفاقيات الدولية او التعهدات المعطاة، او المشاركة في خطة او مؤامرة تهدف لاقتراف مثل هذه الاعمال. وتعتبر الجرائم ضد السلام- حسب اقتراح تراينين تعبيرا جديدا، تبناه اتفاق لندن عام 1945 وقد انشأ هذا الاتفاق المحكمة العسكرية الدولية التي عرفت باسم محكمة نورنبرغ ووضع لها شرعيتها الخاصة بها والتي تتكون من 30 مادة إضافة الى لائحة الاجراءات التي تطبق فيها، والعقوبات التي يمكن ان تصورها، بدلا من تعبير "جرائم الحرب".

2- جرائم ضد الانسانية: وتشمل جرائم القتل والابادة والتعذيب والتهجير والابعاد، الاستعباد والارهاب والاعتقال غير الشرعي والاضطهاد لاسباب سياسية او دينية او عرقية، سواء كانت فردية او جماعية، ويلحق بهذه الاعمال تلك الشبيهة بها التي تقترف ضد المدنيين في المناطق المحتلة.

3- جرائم الحرب بحد ذاتها: وهي الانتهاكات لقوانين الحرب من جهة، ولما تعارفت عليه الامم المتحدة في حروبها من جهة ثانية، بالاضافة الى اي جريمة اخرى غير هذه الجرائم تقترفها سلطات الاحتلال او افرادها ضد المدنيين في المناطق المحتلة.

فهيئة الامم المتحدة بموجب قرارها الصادر عن جمعيتها العامة تحت رقم 59/أ/ تاريخ 11/كانون اول/1946م- تبنت مبادئ محكمة نورنبرغ السنة التالية:

1- لكل شخص يرتكب، او يشترك في ارتكاب فعل يعد جريمة طبقا للقانون الدولي، يكون مسؤولا عنه ويستحق العقاب.

2- اذا كان القانون الوطني لا يعاقب على عمل يشكل جريمة حرب، فان هذا لا يعفي ما ارتكبه من المسؤولية بحسب احكام القانون الدولي.

3- اذا تصرف الشخص الذي ارتكب الجريمة بوصفه رئيسا للدولة، او مسؤولا فيها، فان هذا لا يعفيه من المسؤولية طبقا للقانون الدولي.

4- اذا تصرف الفاعل بأمر من حكومته، او من رئيسه الاعلى فان هذا لا يخليه من مسؤوليته حسب احكام القانون الدولي. ولكن من الممكن ان يساعده ذلك كأحد الظروف المخففة لصالحه حسب المادة الثامنة من شرعة المحكمة.

5- كل متهم بجريمة دولية له الحق بمحاكمة عادلة طبقا لاحكام القانون الدولي.

6- ان المبدأ الذي يقول لا جريمة ولا عقوبة الا بالنص المطبق في القوانين الداخلية يمكن التجاوز عن تطبيقه في القانون الدولي.

ومن هنا يتبين لنا بان هناك مبادئ القانون الدولي الحديث، مبدأ يقول بان المسؤولية عن ارتكاب الجرائم ضد السلم، وجرائم الحرب والجرائم ضد البشرية يتحملها (الى جانب الحكومات) الاشخاص الطبيعيون المتهمون باعداد الجرائم المذكورة وتخطيطها وتدبيرها وارتكابها، ويعتبر الشخص الطبيعي مقترفا جريمة جنائية دولية حيث يكون هذا الشخص، بما له من العلاقة القانونية بالدولة قد اقترف جرائم دولية بصفة شخصية وعن طريق اللجوء الى هيئة من هيئات الدولة.

ويكتسب نظام المسؤولية الجنائية الدولية للاشخاص الطبيعيين اهمية كبيرة للحيلولة دون هذه الجرائم، وضمان تنفيذ اصول القانون الدولي الحديث تنفيذا فعالا، وتعلق قضية رفع المسؤولية بموضوع الضمانات القانونية والسياسية لتطبيق المسؤولية الدولية على الاشخاص الطبيعيين.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست