تطور الفكر السياسي الفتحوي
(62)

عندما سأل الملك حسين الاخ ابو عمار عن رأيه في انه يريد المجيء بحكومة قوية، كان رد الاخ ابو عمار ان المهم ان تأتي بحكومة وطنية يرضى عنها الشعب، وتوحد الشعب ولا تفرقة، وتعمل من اجل المصلحة الوطنية العليا، فهذا هو الامر المهم والمطلوب تحقيقه. كان الاخ ابو عمار يدرك ان الملك يقصد بالحكومة القوية اسناد رئاستها إلى وصفي التل. ولم يكن سرا بالنسبة للاخ ابو عمار والقيادة الفلسطينية ان وصفي التل كان ركنا اساسيا من اركان المؤامرة في ايلول. وانه من اقنع الملك ان العملية لن تستغرق سوى ساعات وليس اياما. وكان الامر يتطلب تغيير رئيس الاركان، حيث لا يمكن اتمام العملية في ظل رئيس الاركان، بطل معركة الكرامة الاخ مشهور حديثة. وقد انزعج كثيرا عندما طلبوا منه تقديم استقالته. ولكن وصفي التل الذي حاول تهدئته قال له: لا تنزعج يا باشا، احنا عمال نلعب شدة (كوتشينة) والعملية لن تستغرق منا سوى ساعات، ومن هنا لم يكن الاخ ابو عمار مرتاحا لفكرة تعيين وصفي التل رئيسا لوزراء الحكومة الاردنية. كان يدرك ان المخطط الذي في رأس وصفي اكثر خطورة مما هو في رأس اجهزة المخابرات. وقد عبر حديث وصفي التل حول سياسة حكومته بعد تشكيلها عن رؤيته تجاه المستقبل وكيف يجب ان تكون المعركة هي العنوان والنظام الاردني هو الاساس في المعركة. وقد جاء في حديثه الذي ادلى به، في مؤتمر صحفي في السابع من نوفمبر/تشرين ثاني/ حضره مراسلو الصحف ووكالات الانباء العربية والاجنبية وغيرهم من رجال الاعمال ما يلي:

اما السلاح الثاني الذي يمنحنا ما نحتاجه من قوة دائمة، فهو القناعات والمرتكزات التي يستند اليها الوجود الاردني مباشرة، ولا سيما في هذه المرحلة التي يواجه فيها بلدنا، وامتنا، اعتى التحديات والاخطار، اما هذه القناعات والمرتكزات فهي:

اولا: ان الاردن هو المنطلق والسند والاصل. واذا كانت هذه الحقيقة، تجعل من القضية العربية بصورة عامة، هم الاردن وشغله الشاغل، فان تلك الحقيقة تجعل من القضية الفلسطينية للاردن بصورة خاصة، قضية حياة او موت. ومن هنا فان مأساة الشعب الفلسطيني بالنسبة للاردن ليست مأساة شعب شقيق، ولكنها مأساة الاردن وشعبه اولا واخيرا. وعندما تدخل هذه القناعة إلى كل ذهن، وتستقر في كل وجدان، يكون لنا منها الضوء الذي لا يكشف حقيقة الاخطاء الماضية فحسب، وانما الضوء الذي ينير امامنا طريق المستقبل، ويعصمنا عن الوقوع في الخطأ من جديد. ان الاردن للفلسطيني مثلما هو للاردني، وفلسطين للاردني مثلما هي للفلسطيني سواء بسواء.

ثانيا: ان النظام الاردني بكل معطياته ومرتكزاته ومؤسساته هو احدى الحتميات التي يفرضها دور الاردن الطليعي والنموذجي على صعيد البناء والاعداد من ناحية، وعلى صعيد العمل القومي وبلوغ الاهداف القومية من ناحية اخرى. ولعل الحاجة إلى هذا النظام، والحاجة إلى التمسك به والالتفاف من حوله تتضاعف وتزداد كلما ازداد ايمان الانسان بالتحرير هدفا وغاية.

وهاتان القناعتان، تقودان خطانا فورا إلى القناعة الرئيسية الثالثة، وهي ان الوجود الاردني مباشرة، ينبغي ان يصبح له عنوان واحد هو: المعركة. وهذا العنوان لا يميز الوجود الاردني عن غيره من انماط الوجود الاخرى فحسب، وانما هو الذي يحدد مضمون ذلك الوجود، ويكسبه حقيقته ومعناه. ان المعركة في قناعتي هي العنوان الصحيح والوحيد لكل وجودنا في هذا البلد.

وعندما تصبح المعركة عنوانا لحياة كل مواطن منا، مهما كان موقعه، عندها يصبح النصر في المعركة حتمية لا يستطيع الاعداء تغييرها والخلاص منها. وفي يقيني ان الطريق إلى الهدف المقدس، هدف التحرير، لا بد ان يمر بهذه القناعة وينطلق منها. ومن هنا فان في طليعة مرتكزات الحكم عندي هو الوصول بأنفسنا جميعا في هذا البلد إلى الحالة التي تصبح المعركة فيها عنوان الوجود، وعنوان الحياة، وعنوان العمل، وعنوان الانتاج، في كل ميدان، وعلى كل صعيد.

ولان المعركة طويلة، ولانها حاسمة حتى بالنسبة للوجود العربي برمته، وللمصير العربي المشترك كله، ولان عدونا في المعركة قد اعد لها منذ زمن طويل كل ما تحتاجه من عدة وسلاح، فان في طليعة ما ينبغي ان نعده للمعركة هو النظام والقانون من ناحية، والانتاج من ناحية اخرى. ان المواطن الذي يعيش في امن حقيقي، هو وحده الذي يعرف كيف يموت بشجاعة في سبيل بلده. اما المواطن الذي يعيش في الخوف والرعب والفوضى فهو لا يملك شيئا يعطيه، لا لبلده ولا لاحد من الناس. ومن غير النظام والقانون، لا يمكن لاي مجتمع في هذا العالم، ان يؤمن لمواطنيه امنا حقيقيا.

كذلك فان المواطن الذي يعيش في امن حقيقي، هو وحده القادر على المساهمة في تلك الذراع الكبير للقوة المسماة: الانتاج.

اما المواطن الذي يعيش في الفوضى والقلق والضياع، فلا يستطيع ان يسهم بذرة واحدة يضيفها إلى البناء من حوله.

ومن غير النظام والقانون، لا يمكن لاي شعب ان تبني انتاجه اية قوة حقيقية قادرة.

ومن هنا فان في طليعة مسؤوليات الحكم عندي تعميق معنى النظام وتجسيد سيادة القانون في حياتنا العامة.

وليست القوة هي العدة الوحيدة التي يتخذها الحكم لتحقيق تلك الغاية، انما العدة الحقيقية هي في وعي المواطن وادراكه، في ايمانه بنفسه وببلده وبقضيته، وفي تصميمه على ان يبني لا ان يهدم، وان يعطي لا ان يأخذ، وفي النهاية ان ينتصر لا ان ينهزم من جديد!

وعندما نفعل ذلك جميعا: الجندي، والفدائي، والمدني، فاننا نكون قد وضعنا اقدامنا على الطريق التي تؤدي بنا إلى اهدافنا في النصر والتحرير.

ثالثا- ان المعركة التي ينبغي ان تكون عنوان وجودنا وحياتنا في هذا البلد تحمل في طياتها حتميتين لا سبيل إلى تجاهلهما، او التنكر لهما، اذا اردنا ان نخرج من المعركة ظافرين.

اما الاولى فهي حتمية الوحدة الوطنية.

واما الثانية فهي حتمية التعاون العربي.

ان ابسط صيغة يمكن لي ان اعرف بها الوحدة الوطنية هي انها المسيرة المشتركة التي ينطلق فيها الجميع نحو اهداف واحدة، بحيث يكمل جهد المواطن منا جهد اخيه، ويضيف اليه ويعطيه. كذلك فان ابسط صيغة يمكن لي ان اعرف بها التعاون العربي هو انه المسيرة المشتركة التي تنطلق الدول الشقيقة جميعا فيها، نحو هدف التحرير، بحيث تكمل قوة الدولة، وقدراتها منها قوة شقيقتها وقدراتها، وتضيف اليها وتعطيها.

ان الوحدة الوطنية تفرضها المعركة وظروفها وطبيعتها، كما ان التعاون العربي حتمية تمليها المعركة بكل معطياتها وظروفها وابعادها.

واذا كان لا غنى لنا في الاردن عن وحدة وطنية تنظم صفوفنا وتوحد خطانا وتنسق جهودنا وتوصلنا إلى غاياتنا، فانه لا غنى لنا في العالم العربي عن تعاون صادق وشامل وتعاضد صحيح وثابت ينظم قوانا وطاقاتنا، ويوحد قدراتنا وامكاناتنا، وينتهي بنا في النهاية إلى بلوغ الاماني والاهداف.

ومن هنا احب ان اعلن عن عزم الحكومة على تحقيق الوحدة الوطنية الاردنية على امتن الاسس واقواها.

وهذا الغرض لا يتحقق بالطبع بقرار وزاري، ولا بأمر اداري، ولكنه يصبح حصيلة محتومة وثمرة مقدسة لجهد مشترك صادق تقوم الحكومة بقسطها منه بأمانة واخلاص، ويكمل المواطنون ما تبقى منه بطواعية ورغبة. وسيكون الميدان الاول والاكثر قداسة ونبلا، لتجسيد تلك الوحدة وتحقيقها الاخوة العميقة التي ينبغي ان تقوم بين الجيش والفداء. وهو ميدان ستوليه الحكومة كل عنايتها واهتمامها بل واكثر من ذلك، فان باستطاعتي القول ان اخوة الجيش والفداء في اطار الوحدة الوطنية الشاملة هي شغل الحكومة الشاغل وهمها الاقدس. فمن اجل تحقيق هذا الهدف وما يتصل به من اهداف جاءت هذه الحكومة. نعم، من اجل تحقيق وحدة وطنية عميقة ودائمة، عنوانها الاخوة المقدسة، جاءت هذه الحكومة، وستضع في خدمة هذا الهدف كل ما تملكه من قدرات وطاقات وامكانات.

اما التعاون العربي والتعاضد العربي والعمل العربي المشترك فهي كلها حتمية واحدة تفرضها المعركة كما قلت، ولا مجال عندنا في هذا البلد للتشكيك في ذلك او تجاهله والتقاعس عنه.

ان الايمان بتلك الحتمية، يستند إلى القناعات والمرتكزات التي يشتمل عليها الوجود الاردني برمته وينطوي عليها. وعندما اقول ذلك فانا اقول بوضوح، وعن قناعة وايمان، ولا اقول تظاهراً به، او لغرض الاستهلاك المحلي والعربي، كما جرت العادة.

ومن هنا اود ان اعلن عن عزم الحكومة على المضي بالتعاون العربي مع كل الاشقاء، والتعاضد العربي بين كل الاخوة، والعمل العربي المشترك إلى ابعد الحدود. وسيكون الميدان الاول والاكثر الحاحا على ضمائرنا لتجسيد ذلك العزم هو ميدان التعاون والتعاضد والعمل مع الشقيقة الكبرى الجمهورية العربية المتحدة. ولسوف نفعل ذلك تجاوبا منا اولا مع متطلبات المعركة ومقتضياتها، وتقديرا من الاردن كله ثانيا للدور الطليعي الذي قامت وتقوم به مصر في صراع العرب ضد اعدائهم والتضحيات الكبيرة التي قدمتها مصر على طول الطريق التي شهدها ذلك الصراع منذ البداية.

فلقد كانت تلك التضحيات الاساس المتين لوحدة كفاح البلدين الشقيقين ووحدة مسيرتهما على طريقه. وينبغي علينا ان نصون ذلك الاساس ونحميه اذا اردنا لكفاحنا المشترك ومسيرتنا الواحدة ان يصلا بنا إلى فجر النصر ومرابع التحرير.

اصل الآن إلى الاحداث المؤسفة التي وقعت في بلدنا قبل حوالي ستة اسابيع.

وبكلمة موجزة اقرر ان تلك الاحداث كانت شذوذا عن المحصلة التي تحققها القناعات والمرتكزات التي يشتمل عليها الوجود الاردني، ويقوم عليها.

ان الشيء الطبيعي هو ان يصبح الاردن اكثر واكثر، المنطلق والاصل والسند. والشيء الطبيعي ان يتضاعف الايمان بالنظام الاردني وقدرته على القيام بمسؤولياته في معركة التحرير، وان تتضاعف القناعة بضرورة هذا النظام وحتميته. والشيء الطبيعي ان ينتظم تحت عنوان المعركة كل انسان وكل قوة وكل شيء في الاردن. وتبعا لذلك، وانطلاقا من ان يزداد التمسك بالنظام والقانون حرصا على المعركة نفسها، لانه لا امل في الفوز في اية معركة الا بالنظام والتقيد المطلق به. وتبعا لذلك ايضا وانطلاقا منه ان يقوى الحرص على توفير الامن وحمايته في ربوع الوطن واحترام القانون وسيادته على الجميع. والشيء الطبيعي الاخر هو ان تتعمق الوحدة الوطنية وتقوى وتزدهر، وان يكون عنوان بهائها وجديتها عمق الاخوة المقدسة ما بين الجيش والشعب من ناحية، والعمل الفدائي من ناحية اخرى. واخيرا كان الشيء الطبيعي ان يتضاعف الايمان بين الاشقاء بحتمية التعاون العربي ووجوب المضي به إلى آخر الاشواط التي يمليها الصراع الرهيب الذي فرضته الصهيونية على الامة العربية جمعاء.

لكن تلك الاحداث وقعت ويا للاسف، وكانت هي الشيء الوحيد غير الطبيعي الذي لم يكن ينبغي له ان يحدث.

الا انه سرعان ما عاد منطق الامور والواقع إلى مجراه. وسرعان ما استعادت مرتكزات وقناعات الوجود الاردني مسارها الطبيعي، بكل ما يتصل بها وتتصل به في العالم العربي الكبير.

وكان ذلك في ميلاد اتفاقية القاهرة التي وقعها القادة العرب بتاريخ 27/9/1970.

فالاتفاقية لا تدعو إلى حقن الدماء ووقف الصدام بين الاخوة وازالة اسباب الخلاف بينهم فحسب، ولكنها ترد المسيرة الاردنية برمتها إلى طريقها الصحيح وتعيدها إلى مرتكزاتها وقناعاتها الاصلية الثابتة، وترسم لها وبالتالي من خلالها للمسيرة العربية المشتركة طريقها وتحدد اهدافها، بدقة ووضوح.

ومثل هذا القول منطبق عندي، وفي قناعتي، على اتفاقية عمان وما يتصل بها من اتفاقيات وبروتوكولات.

كل هذه الوثائق تشكل نقاط التحول الخطيرة التي تصوب الخطـأ وتقوم الاعوجاج وتطرد الانحراف وتسد نوافذ السوء والفرقة. وبمعنى آخر فان تلك الوثائق هي المنعطف الرئيس الذي ينبغي علينا ان ننطلق منه في المسيرة المباركة الموحدة نحو اهدافنا المباركة الموحدة.

ان نفسي مشحونة بالايمان بكل ذلك. ومن هنا فانني عازم ليس فقط على احترام تلك الاتفاقيات وانما على تنفيذها نصا وروحا. فبالاضافة إلى كل ما تشتمل عليه تلك الاتفاقيات من ايجابيات فهي عندي تمثل ذروة الرجوع الخير والمبارك إلى الحقائق والمعطيات المتمثلة في قناعات الوجود الاردني ومرتكزاته.

واكثر من ذلك فانني احب ان اعلن واؤكد بان حكومتي في حرصها المطلق والكامل على تنفيذ اتفاقية القاهرة واتفاقية عمان وكل ما يتعلق بهما، ستنظر دوما إلى تلك الاتفاقيات على اساس انها البداية، والارضية، لمزيد من الوحدة الوطنية التي تتوجها وحدة السلاح والنضال والتعاضد والمزيد من التعاون والتعاضد العربي اللذين يتوجهما البذل والتضحية من جانبنا بكل شيء من اجل المعركة وفي سبيل النصر.

ولئن كانت توكيداتي هذه ستسر الكثيرين وترضيهم كما انا واثق فانني اعلم انها ستسيء للبعض وتشقيهم، كما اعتقد. ان هناك اكثر من جهة جاهلة او معادية تتمنى وتعمل لاحباط كل امانينا والقضاء على كل اهدافنا وآمالنا. انها تسعى جاهدة لافشال اتفاقية القاهرة واتفاقية عمان وما تبعها، وهي تفعل المستحيل لتدفع بالاردن إلى احضان الفتنة من جديد.

واحب ان اؤكد لهذه الجهات بصورة حازمة لا تقبل الشك ولا الجدل، ان ابواب الصدام بين الجيش والفداء، قد سدت إلى الابد، وان الاخوة الحقيقية ما بين الفداء والجيش هي التي فتحت ابوابها على مصاريعها، وسيدخل الجيش والفداء جنبا إلى جنب، لينطلق من ورائها جنبا إلى جنب إلى حيث بلوغ الاماني وتحقيق الآمال.

بعد هذه المقدمة انتقل الان إلى التفصيل. ان الخطاب الجامع الذي وجهه جلالة الملك الحسين إلى المواطنين بتاريخ 14/10/1970 وكتاب التكليف السامي الذي شكلت على اساسه الوزارة يشكلان الملامح الرئيسية لعمل الحكومة.

وما دامت المعركة هي العنوان فهي ايضا المقياس والمبرر والمفسر. ما يصلح للمعركة يبقى ويزيد، وما لا يصلح لها يزول. على هذه الملامح وتحت هذا العنوان ستضع الحكومة خطة تفصيلية عسكرية وادارية واعمارية وسياسية واعلامية. لا انوي بالطبع ان اسرد عليكم برنامجا وزاريا ولكني اود ان اؤكد اهم تفاصيل الخطة الوزارية. المعركة هي العنوان، وعلى ذلك فان اهم واجبات الحكومة:

اولا: توكيد الاستقرار والطمأنينة وسيادة القانون والنظام.

ثانيا: الدعم الكامل للجيش والجيش الشعبي وبذل كل جهد ممكن لتعزيزها بالتخطيط والتدريب والخبرة والسلاح ومتطلبات القتال.

ثالثا: قطع دابر الرشوة والفساد والكسل والاهمال والتهرب من الضريبة والاستغلال والفوضى.

رابعا: اصلاح جذري شامل لجهاز الدولة.

خامسا: خطة انتاج شاملة تستغل كل الموارد والطاقات.

سادسا: سياسة حديثة للخدمات للمواطنين وللتأمين ولسياسة الاجور والاسعار.

هذه بعض الواجبات التي يجب ان تتولاها الحكومة. وعلى الرغم من انني لا اقلل من قيمة الصعاب والعقبات التي تواجهنا، وعلى الرغم من معرفتي بان هذه العقبات مذهلة، في حجمها وضخامتها، الا انني واثق من ان في وسعنا ان نضع انفسنا على الطريق الصحيح المطلوب، وليس بوسعي ان اعد بشيء سوى الوعد القاطع بأنني سأعمل وزملائي بوعي وعناد واصرار وببذل كل جهد بشري ممكن لنحول اقوالنا إلى افعال، واحب ان نقيَّم بما نفعل لا بما نقول.

واخيرا لي رجاء اطلبه من كل المواطنين وهو ان يأخذونا بالصبر المعقول. نحن نبدأ العمل في احوال مثقلة بالمتاعب والعقبات اورثتنا اياها الميوعة التي دامت وقتا ليس بالقصير. نحن لسنا صناع معجزات ولن يكون عملنا مسحة رسول تزيل الاخطاء بين يوم وليلة، وكذلك فان كل جهد هادف مصمم سيثير حفظ آلاف دكاكين الانتهاز والتشكيك والاشاعات. نحن لا نطلب تسويفا ولا حماية، وانما نطلب القليل من الصبر والكثير من الثقة، ونطلب ان نقيّم بالانجاز الملموس الواضح الذي لا يمكن ان تحجبه الاشاعات والتشكيك. وبنفس الوضوح الذي يمكننا من القول اننا نجحنا في انجاز هذه المهمة او تلك لدينا كذلك الشجاعة ان نقول علنا فشلنا في انجاز ما تعهدنا به لا سمح الله).(1)

لم تكن القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الاخ ابو عمار مرتاحة لتعيين وصفي التل رئيسا للوزراء في هذه المرحلة وخاصة مع القناعة بدوره المؤثر في الاحداث التي جرت. وقد كان رد وصفي التل على سؤال احد الصحفيين الذي اشار إلى ان وصفي التل متهم بانه اقليمي النزعة وانه كان وراء الاحداث الاخيرة. فاجاب نافيا عن اقليميته واما بالنسبة لاتهامه بانه كان وراء الاحداث الاخيرة فقال ان هذا الاتهام تصدره الذين يتحملون مسؤولية ايصال البلد إلى الفتنة او إلى الفوضى التي جرت البلاد إلى الفتنة الاخيرة، اولئك الذين اقحموا الفدائي في المزايدات السياسية. وقد حرص الاخ ابو عمار على مصارحة الجماهير بحقيقة التطورات الراهنة للموقف في الاردن ومستقبل العمل الفدائي. حيث جاء في حديثه الطويل ما يلي:

(ان منظمة "فتح" عثرت على بطاقة لجندي امريكي برتبة كوريورال وجدت في ساحة العمليات في جبل الاشرفية في ايلول (سبتمبر) الماضي.

والبطاقة تحمل اسم الكوريورال "انجلاند مارك لانزر" وهو من افراد القوات المسلحة الامريكية. وقد وجدت هذه البطاقة في الساحة القريبة من مستشفى الاشرفية وقت محاولة القوات الاردنية اقتحام المستشفى بهدف ابادة الفدائيين.

ومن الثابت ان حكومة الولايات المتحدة قد قدمت دعما عسكريا للاردن خلال ايام الازمة الماضية.

ان المراقبين لحركة الطيران الآن في مطارات عمان والمفرق H5. H4 قد سجلوا ان هناك جسرا جويا من الطائرات التي تحمل شعار القوات المسلحة الامريكية تأتي يوميا إلى عمان بواقع 15 إلى 20 طائرة تحمل السلاح والذخيرة والعتاد للجيش الاردني. بل ان الولايات المتحدة اعلنت انها ستعوض حكومة الاردن بنحو 140 مليون دولار عن خسائرها في معارك عمان.

(وفي حديثه عن الارقام الرسمية لضحايا الصدامات الدامية بين الاردن والمقاومة قال السيد ياسر عرفات) انها تقدر بعشرين الف قتل وجريح من الجانب الفلسطيني بينما تبلغ خسائر الجيش الاردني نحو 7000 جندي وضابط ما بين قتيل وجريح او هارب ومفقود. من بينهم كما قال لي الملك حسين شخصيا 2000 "حالتهم خطيرة" على حد تعبير الملك.

ان ما حدث في الاردن شيء مش طبيعي وفاق كل تصور. فكون ان يسخر الجيش الاردني بأكمله لعملية بوليسية ليس هدفها فحسب ردع المقاومة بل ابادتها وابادة الشعب الفلسطيني، فهذه عملية لم تكن في الحسبان، مثلا لم اكن اتصور ان الملك حسين يصدر قرارا بادخال الدبابات إلى عمان، لان دخولها إلى العاصمة معناه افناؤها. وهذه الدبابات لم تكن ابدا ملكا للسلطات الاردنية بل هي ذخيرة للامة العربية تستخدمها لمواجهة العدو. وبالفعل هناك 91 دبابة ما بين محطمة او مدمرة او معطبة، من بين القوات التي شاركت في الهجوم على عمان وهي الفرقة المدرعة الثالثة والفرقة الميكانيكية الرابعة (وهذه فرقة حديثة التكوين)، وفرقة المشاة الاولى، غير كتائب المدفعية.

وكانت خسائرهم 38 دبابة دمرت بالكامل و 53 دبابة اعطبت. وانا ناقشت الملك حسين في ذلك لما حضر مؤتمر القمة في القاهرة. سألته كم بلغت خسائرك. قال لي مش كثير حوالي 30 دبابة. قلت له ولكن هناك 40 دبابة باتون طلبتم لها موتورات جديدة. قال لي نعرف ان موتورات الباتون استهلكت! (هذه الدبابات اشتريت في عام 69 ولم تستخدم الا في مجزرة عمان).

منظر آخر شفته بعيني في مخيم الوحدات بعمان. هذا المخيم الصامد شن عليه 22 هجوما بقصف مدفعي وصواريخ فدمرت 75% من مساكن المخيم.

واذكر هنا انه لما بدأت المعارك تعطلت كل الاتصالات التليفونية فكان اللاسلكي هو وسيلة اتصالهم الوحيدة وهو ايضا وسيلتنا الوحيدة. فاحنا كنا نتسمع عليهم وهم كذلك. وفي احدى هجماتهم الشرسة على الوحدات استمعنا لحديث من قائد الهجوم إلى قائد الوحدات المهاجمة. قال له: اقذف بالمشاة لاحتلال الموقع. فرد عليه انا لا استطيع ان اقذف بمشاة، انا ماعنديش غطاء مدفعي، فرد عليه بحدة قائلا: اقذف بالمشاة. فقال له ماعنديش ذخيرة. فقال له: انا باقول لك وهذه تعليمات "عقل راجح" اقذف بالمشاة وبالفعل تدفقت المشاة على ثلاث موجات وبدون غطاء فأصبحت على مرمى نيراننا ورشاشاتنا.

(وعقل راجح هنا اسم شفري للشريف زيد بن شاكر احد مخططي المؤامرة).

وفي تعليقه على التغيرات السياسية الاخيرة التي جاءت بحكومة وصفي التل قال رئيس منظمة تحرير فلسطين): ويهمني ان اقرر ان الحكم بيننا وبين النظام في الاردن هو الاتفاقيات التي وقعتها الثورة الفلسطينية مع السلطات الاردنية.

فلقد وقع الملوك والرؤساء العرب اتفاقية القاهرة في 27 ايلول (سبتمبر) الماضي، ووقعت مع الملك حسين اتفاقية عمان، وما يهمنا الآن هو الالتزام نصا وروحا ببنود هذه الاتفاقيات لعدة اعتبارات:

الاول: ان حركة المقاومة الفلسطينية ملتزمة وستلتزم دائما بكل ما وقعت عليه.

الثاني: انه لم يكن ابدا من اهداف الثورة الفلسطينية اسقاط النظام في الاردن.

والثالث: تجنيب الشعب الاردني والفلسطيني ويلات اشتباكات وعمليات عسكرية لن يفيد منها بالتأكيد الا العدو الاسرائيلي.

رابعا: ثم هناك السبب الهام وهو احترام ذكرى ذلك الرئيس والقائد العظيم الذي سقط شهيدا من اجل قضية فلسطين.

(ويعود ياسر عرفات لكشف بعض اسرار الازمة الاخيرة فيقول): ان اجراءات اتخذت بالفعل في الضفة الغربية المحتلة خلال اشتداد الازمة باعلان انفصال الضفة الغربية عن المملكة الاردنية. ولقد جاءني بعد توقف القتال وفد من الشخصيات والعناصر الوطنية في الضفة الغربية واجتمعوا معي في عمان، وقالوا لي اننا قررنا اعلان فصل الضفة الغربية عن المملكة الاردنية.

ووقتها سألتهم من الذي سيشرف على هذا القرار، هل اتصلتم باحد من الدول العربية؟

فقالوا لي لا.

فقلت لهم انني مع احترامي وتقديري لمشاعركم الا انني ارفض هذا القرار. صحيح انكم تريدون الثأر مما حدث في الاردن ولكن الظروف لا توجب ذلك. بل انني قلت لهم ان يد الثورة الفلسطينية ستمتد بالعقاب نحو اية محاولة لتنفيذ هذا القرار.

ان الهجمة الامبريالية التي تنفذ الآن ضد الفدائيين طليعة الشعب الفلسطيني هجمة شرسة ومخططة. ان المخطط الامريكي الاسرائيلي يسعى الآن لاقامة "الدولة الفلسطينية المرتبطة باسرائيل".

هذه الاوقات ترتفع نغمة مشبوهة تقول، كفاكم معارك وكفاكم القتال. الحل الوحيد للمشكلة الفلسطينية هو اقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهذا هو اخطر المشاريع، وانني باسم الثورة الفلسطينية اعلن اننا سنقاوم انشاء هذه الدولة حتى آخر رجل في الشعب الفلسطيني، فيوم يتحقق انشاء هذه الدولة فهذا معناه انتهاء القضية الفلسطينية باكملها.

ان العمل الفدائي يواجه طريقين

اما التفرغ الكلي لاسرائيل ومحاربتها.

واما الالتفات إلى الخلف لتأمين مسيرة الثورة وحمايتها مع عدم فقدان فعاليته وحركته لمواجهة اسرائيل.

ان المقاومة ستظل تحترم كل ما وقعنا عليه نحن من اتفاقيات وسنظل نتجنب الصدام ما امكننا ذلك، ولكننا كذلك لن نتخلى عن هدفنا الاستراتيجي الاساسي وهو محاربة اسرائيل. فيوم نتخلى عن هذا الهدف فاننا نكون قد فقدنا مبررات قيام ثورتنا.

ان العمليات الفدائية سوف تستمر، بل انها عاودت نشاطها من جديد ولن نقبل ابدا ان تتحول بنادقنا إلى الصدور العربية.

واذكر هنا ان الملك حسين سألني رأيي في انه يريد المجيء بحكومة قوية (وكان هذا تلميحا منه لتعيين وصفي التل رئيسا للوزراء) ووقتها اذكر باني قلت له انه لا يهم ان تأتي بحكومة قوية او اية حكومة اخرى، وانما المهم هو ان تأتي بحكومة وطنية يرضى عنها الشعب، وتوحد الشعب ولا تفرقه، وتعمل من اجل المصلحة الوطنية العليا، فهذا هو الامر المهم والمطلوب تحقيقه.

(وفي اجابة على سؤال حول التغيرات المتوقعة في قيادات حركة المقاومة قال ياسر عرفات) : ان اللجنة المركزية ستظل باقية. واذا كان هناك من عمل يتم الآن فهو تطوير واعادة نظر في كل عملياتنا. وهذا كله من خلال الدروس المستفادة من الازمة.

ولم يحدد للآن أي موعد لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. فنحن لا نزال نواجه اخطار التصفية، وليس من المعقول ان ادعو إلى "مجلس وطني" قبل ان اوحد جهود وطاقات الجميع لمواجهة الخطر. ففكرة دعوة المجلس الوطني للانعقاد وما تردد عما يسمى بالتطهير داخل صفوف المقاومة غير مطروحة الآن.

ان هناك الآن داخل الساحة الاردنية قيادة عليا للعمل الفلسطيني وللثورة الفلسطينية. وهذه القيادة تمارس كافة صلاحياتها على جميع تنظيمات الثورة، اما لمن تكون هذه القيادة فهي لكل الثوار الذين صمدوا وقت المذبحة في عمان.

لقد صدرت القرارات الاخيرة بتعيين قائد عام للمقاومة في عمان وقائد عام في كل من اربد وجرش والزرقاء وبقية القطاعات، وهذه كلها هي قيادة الثورة الحقيقية.

(وفي اجابة على سؤال حول اوضاع المقاومة في لبنان ومعنى قرار اللجنة السياسية العليا للفلسطينيين باغلاق مكاتب المنظمات الفدائية في مدن لبنان قال ياسر عرفات): كل خطواتنا في لبنان اتخذناها من اجل توحيد قوى الثورة الفلسطينية. لقد اغلقنا "دكاكين الثورة" وما كان اكثرها كلاما ومزايدات وما كان اقلها فعلا وعملا.

واذا كانت لازمة الاردن الاخيرة من فوائد فان من اهم فوائدها هو انها اسقطت كل المزايدين وكل اصحاب الشعارات الفارغة. ان الكلمة الاولى والاخيرة الآن ستظل في يد الثوار الحقيقيين الذين حملوا سلاحهم في كل الازمات لحماية الثورة واستمرارها. ولن نسمح ابدا لاي طرف يخرج على قرارات قيادة الثورة العليا، ولن نسمح كذلك لاي طرف خارج الاردن ان يجرنا إلى معارك. اما الآخرون فعليهم ان يعتزلوا العمل ويتركوا الثورية ويتفرغوا لحملات الكلام وحلقات النقاش البعيدة تماما عن آمال الجماهير وتطلعاتها.

ان السلطة حشدت كل قواها على اساس الانتهاء من المقاومة خلال 6 ساعات، ولم يكن في حساباتهم ان المعارك ستستمر وان المقاومة ستصمد. الملك حسين نفسه قال "ان المخابرات غشتني". ان الخطة كانت على اساس البدء يوم الخميس وتطهير الجيوب يوم الجمعة ويوم السبت يعود الموظفون للعمل!

لقد جاءوا للفريق مشهور حديثة يطلبون منه كتابة خطاب استقالته فوجدوه منزعجا. وصفي التل قال له لا تنزعج يا باشا احنا عمال نلعب شدة (كوتشينة)، والعملية لن تستغرق منا سوى ساعات، ولكن الساعات امتدت إلى ايام.

لقد نبهت اللجنة المركزية ممثلي الجامعة العربية الذين جاءوا إلى عمان برئاسة السفير امين طاهر الشبلي بان هناك مؤامرة تدبر، وهذا الكلام مثبت في محاضر هذه اللجنة. كذلك كان عبد المنعم الرفاعي رئيس الوزراء في ذلك الوقت يستشعر ان هناك شيئا في الخفاء ولكننا لم نكن نتصور ان يبلغ التآمر إلى حد التصفية ليس للمقاومة فحسب بل للشعب الفلسطيني كله. ان ما حدث في الاردن لم يكن عقابا موجها للفدائيين بل كانت عملية ابادة للشعب.

حقيقة هناك اخطاء حدثت من جانب المقاومة، وهناك تصرفات شاذة اقدمت عليها بعض المنظمات وخاصة عمليات اختطاف الطائرات المدنية الاربع، ولكن هذه الاخطاء لا يمكن ان يصل اسلوب معالجتها إلى حد المجزرة والجريمة. امام وفد الملوك والرؤساء العرب قالوا انا تسلمنا عمان صحراء وخياما وعدد سكانها لا يتجاوز عشرة آلاف، وليس عندنا مانع من ان نعيد عمان إلى ما كانت عليه.

(وعن موقف سوريا قال ياسر عرفات): للحقيقة انه موقف طيب ولا باس به، موقف دعم وتأييد وقد ادعت البلاغات الاردنية ان الجيش السوري تدخل في المعركة ولكن الحقيقة ان الذي تدخل في المعركة هو قطاعات جيش التحرير الفلسطيني المتمركزة في سوريا، ومن حقي كقائد عام للثورة ان اصدر اوامر بتحريك قوات الجيش، لما فيه خدمة للثورة. ويضاف إلى ذلك انه من حقي ايضا في مواجهة عملية التصفية ان اطلب المساعدة من أي مكان.

(ثم تحدث في عدة نقاط اوضح فيها الآتي): العناصر الوطنية في الجيش الاردني اما وضعت تحت التحفظ او ارسلت في بعثات للخارج حتى لا يقفوا ضد عملية تصفية المقاومة.

اعتقلت المقاومة جواسيس ضمن بعض منظماتها.

تسربت بعض جلسات اللجنة المركزية إلى السلطة عن طريق جهاز داخل حائط غرفة اللجنة.

لن نسمح باي استفزاز يجرنا إلى معارك.

لدينا اكثر من الف ضابط وجندي اردني تركوا الجيش والتحقوا بالثورة.

علاقتنا بالحركة الوطنية الاردنية وثيقة.

(وعن موقف "فتح" من قضية الوحدة قال): لقد ساهمت المتناقضات العربية بقضية الوحدة في اكثر المنظمات التي نشأت بمساعدات عربية. وامامنا الان طريقان اما ان نستعمل اسلوب التجربة الجزائرية او نستعمل اسلوبا آخر. على أي الحالات فان الازمة اظهرت القوى الحقيقية في الساحة الفلسطينية. هناك الان قائد عام للثورة تخضع لامرته كافة التنظيمات الموجودة في الاردن. هناك ايضا قواد عسكريون لكافة القطاعات، ولن نسمح لاي تنظيم ان يخالف تعليمات الثورة.

وهنا قضية لا بد ان تناقش في الصحافة العربية وهي قضية خطف الطائرات. لقد وضع الاعلام العربي هالة حول عمليات اختطاف الطائرات. ما معنى ذلك؟ هناك في الاغوار عشرات ومئات المقاتلين يعبرون النهر كل يوم ويدخلون الاراضي المحتلة ولا يذكر حتى اسمهم في بلاغ عسكري الا حينما يستشهد، ثم تأتي الصحافة العربية وتبرز بالمانشيتات عملية خطف الطائرة. ان هذه العمليات تضر فعلا بنفسية مقاتلينا. ان الشهيد هو البطل في الثورة، واذا كانوا يريدون ان يقاتلوا فالقتال هناك في الاراضي المحتلة وليس في العواصم الاجنبية.

ان بعض المنظمات طرحت شعارات السلطة وكل السلطة للمقاتلين، لكن هذه الشعارات سقطت في التجربة الاخيرة.

واذكر انه في اليوم الاول للقتال جاءني قائد هذه المنظمة يطلب سلاحا من "فتح" فسألته سؤالا: كيف اذن كنت ستنفذ شعارك السلطة للمقاتلين وانت لم تستطع الصمود ليوم واحد؟ السلطة الاردنية نفسها كانت تغذي مثل هذه الاتجاهات. هل تصدقون ان السلطة في الاردن احتفلت 7 ايام متوالية بذكرى لينين؟ رفعوا الاعلام الحمراء على المساجد وخصصت البرامج في الاذاعة والتلفزيون لهذه المناسبة. ولما تساءل الناس عن السر في ذلك قالوا ان المقاومة سيطرت على السلطة، وكانوا يهدفون بذلك إلى احداث الفرقة بين الثورة والجماهير.

(وعن طرح شعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية قال قائد الثورة): اننا لم نطرح الشعار باعتباره مناورة ولكن استراتيجية للثورة، هناك بعض السياسيين يقولون ان قيام الدولة الديمقراطية غير ممكن الآن، فلا بأس ان تقوم دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. هذه الدولة تنهض وتأخذ زمام المبادرة وتقوى إلى حين وجود الظروف التي تحقق الشعار النهائي.

علينا ان نعرف تماما حقيقة الوجود الصهيوني. ان اسرائيل دولة توسعية لا تستهدف فقط الارض الفلسطينية ولكن تستهدف تحقيق شعارها من النيل إلى الفرات. وهنا نقطة هامة اقررها وقد توصلنا اليها مع القائد الخالد. قال لي عبد الناصر انه من حق المقاومة الفلسطينية ان ترفض أي مشروع لا يحقق مطلب الشعب الفلسطيني كاملا وهو تحرير كل الارض، كما انه من حق الدول العربية ان تستخدم جميع الاساليب التي تراها مناسبة عسكرية وسياسية للوصول إلى تحقيق اغراضها.

وعلى افتراض ان التسوية قد تمت، وهو افتراض صعب التحقيق وهو كما قال القائد الخالد جمال عبد الناصر لا يزيد امكانية تحقيقه عن 2/1/%، فان على الثورة ان تراجع حساباتها على ضوء الظروف، ولا استطيع ان اكشف اكثر من ذلك.

(وحول تفسير اندفاع الولايات المتحدة الامريكية في تأييد اسرائيل متجاهلة الامة العربية قال ابو عمار): ان امريكا لم تشعر ابدا ان مصالحها مهددة في المنطقة، ويوم تشعر بذلك حقيقة ستجد نفسها مضطرة إلى اعادة النظر في موقفها.

(وعن نشاط المقاومة ضد العدو الاسرائيلي قال قائد الثورة): اننا لم نتوقف ابد ا عن ممارسة عملياتنا. وحتى في هذه اللحظة فان هناك عمليات مؤثرة حدثت داخل العمق الاسرائيلي، واعني هنا عملية تل ابيب الاخيرة. لقد قدمنا هذه العملية في ذكرى الاربعين لوفاة القائد الخالد جمال عبد الناصر هدية من الثورة اليه في مثواه الاخير.

ان اسرائيل تستخدم التكتيك المرتفع، ونحن ايضا نواجه مثل هذه الاساليب بالمنطق العلمي، فليس هناك شيء مستحيل امام الثورة، انني اقول دائما اذا كانت - وهذا فرضا - اسرائيل تستخدم الخط المكهرب والاجهزة الالكترونية لاعاقة ثورتنا فمن غير المعقول ان نقف عاجزين امام ذلك، واذا عجزنا فلنعلنها مناقصة يشترك فيها الخبراء لمواجهة هذا الخطر. اقول اننا لم نعجز اطلاقا حتى الآن، يعني حين يستخدم العدو الاشعة الحمراء فهناك ايضا اجهزة تستطيع ان تواجه هذا النوع من الاجهزة.

اذكر هنا نقاشا دار بيني وبين بعض الاخوة المسؤولين في الصين الشعبية، كانوا يقولون ان البندقية تستطيع ان تحقق ما تريدون. قلت لهم الوضع هنا مختلف. البندقية مع 700 مليون نسمة تستطيع ان تفعل الكثير ولكن بالنسبة للواقع الفلسطيني فانني حينما اضع البندقية على كتف المقاتل الفلسطيني فلا بد ان اضع معه ايضا رشاشا أو صاروخا.

واعود إلى الخط المكهرب. فعلا لقد اكتشفنا طرق معالجة هذا الخط. لقد دمرنا عديدا من الخطوط الكهربائية التي وضعتها اسرائيل، كذلك نحن نستخدم ايضا بعض الاساليب التي تتفق مع البيئة الفلسطينية كالاجسام المتحركة لاكتشاف هذا الخط.

وليس سرا انه توجد لدى الثورة الفلسطينية لجنة علمية تضم مجموعة من الخبرات العربية لكي تستخدم العلم لخدمة الثورة.

(وقد اعلن ابو عمار في حديثه حول الوحدة العربية وحول توسيع قاعدة المقاتلين الفلسطينيين وتدعيمهم بالمقاتلين من الدول العربية): ان الثورة الفلسطينية تؤيد وتذكي من القلب اتفاق القاهرة الثلاثي الاخير بين ليبيا والسودان والجمهورية العربية، وبمجرد ان نقيم الدولة الفلسطينية الديمقراطية، اذا كنت بين الاحياء وعلى رأس اللجنة المركزية، سندعو إلى انضمام هذه الدول للاتحاد الثلاثي.

ان 72 الف متطوع من الجمهورية العربية المتحدة وحدها قد طلبوا الانضمام إلى صفوف الثورة، وان مجموع المتطوعين من البلاد العربية بلغ حتى الان 150 الف متطوع).(2)

الهوامش

1) جريدة الدستور - عمان 8/11/1970.

2) جريدة الاهرام - القاهرة 10/11/1970.

تغذية راجعة

الصفحة الرئيسة

الفهرست