تطور الفكر السياسي الفتحوي
(33)
كانت الاحداث في لبنان قد تفاقمت في نهاية شهر اكتوبر 1969 وقد اشرنا إلى ذلك في العدد الماضي من نشرة فتح تحت عنوان تطور الفكر السياسي الفتحوي (32) وقد وثقنا الرسالة الهامة التي وجهتها حركة فتح في 26/10/1969، إلى الشعب اللبناني : كما تم عرض المؤتمر الصحفي الذي عقده الاخ ابو عمار يوم 27/10/1969، في جامعة دمشق بصفته الناطق الرسمي لحركة فتح ورئيس اللجنة التنفيذية.
لقد لفت انتباهنا عدد من الاخوة إلى الاخطاء اللغوية والتداخلات في النص الذي ظهر مشوها وزاد الموضوع غموضا. ولذلك نرجو المعذرة من الاخوة ونعيد تصحيح هذا الجزء بدلا عما نشر في الصفحتين السابعة والثامنة من نشرة فتح العدد الخامس عشر، النصف الثاني من تموز.
(اجاب الاخ ابو عمار على تساؤلات مندوبي اجهزة الاعلام المحلية والعربية والدولية وكان الموقف الذي حدده من خلال الاجابات كما يلي:
س : (جريدة النهار) هناك قسم كبير من الشعب اللبناني قد يبلغ نصف لبنان تقريبا يؤيد العمل الفدائي، ولكنه يؤمن ان وجود الفدائيين في لبنان يشكل خطرا على حدوده من حملات الانتقام الاسرائيلية ويشكل خطرا على الداخل من اندفاع القسم الكبير المؤيد والخائف معا؟
ج: أي شيء تعني من اندفاع القسم الكبير المؤيد للفدائيين:
تقصد القسم الذي يؤيد طبعا. الحقيقة هذا السؤال اعتبره سؤالا مهما للمعركة بيننا وبين الوجود الاسرائيلي معركة ان نكون او لا نكون، ليست معركة القدس، وليست معركة اريحا وليست معركة عمان وليست معركة بيروت ولا معركة القاهرة ولا معركة دمشق. هذه غزوة بربرية تريد ان تجتاز امتنا العربية وهي ليست اول غزوة تجتاز امتنا العربية، يوجد قبلها غزوة تترية وبعدها صليبية، والآن يوجد غزوة اسمها الغزوة الصهيونية. موجود على الكنيست "هذه ارضك يا اسرائيل من النيل إلى الفرات". طبعا لبنان تقع بين النيل والفرات...
س: لماذا تطلب حركة الفدائيين حرية العمل في لبنان في وقت لم يسمح لها بحرية العمل في مصر وسوريا والعراق؟
ج: يبدو ان كاتب هذا السؤال غير مطلع على حقائق الامور. ولو انه لم يسمح لنا بذلك لما وجدنا هنا في دمشق.
س: (القنال الثاني في التلفزيون الالماني):
هل تصرون على حرية العمل للفدائيين في جميع الدول العربية وما هي مقومات حرية العمل؟
ج: بالنسبة لمقومات العمل ان تكون الثورة قادرة على التحرك لتحقيق اهدافها في النصر والعودة.
س: (مجلة جيش الشعب) هل يمكن ان تكون الشروط التي وضعتها حركة فتح واولها حرية العمل الفدائي مرنة او موضع نقاش في المفاوضات المرتقبة؟
ج: اولا ماذا يعني بالمفاوضات المرتقبة؟ هل هناك مفاوضات؟ اريد ان اقول كلمة ، قالها الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل: ان من يتهاون ولو مرة واحدة بحق من حقوق بلاده، يظل أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان. ولا اظن ان احدا في المنطقة العربية يقبل بأن يكون كذلك.
س: (المحرر): اعلن الرئيس اللبناني شارل حلو امام الوفود الاسلامية ان العمليات العسكرية قد توقفت في جنوب لبنان قبل خمسة ايام فهل هذا صحيح؟
ج: الرئيس شارل حلو هو حر ان يصرح بما يريد. ولكنني هنا اريد ان اقول الحقيقة والحقيقة فقط لانني انطق باسم الثورة الفلسطينية: سواء قالها امام وفود اسلامية او وفود مسيحية كل هذه الوفود في نظر الثورة الفلسطينية وفود لبنانية عربية. وانا اقول ان اليوم دارت معارك استخدمت فيها المدفعية والرشاشات في راشيا الوادي استمرت من الساعة الثالثة والنصف صباحا حتى الساعة العاشرة والربع. امس قصفت مجموعة اخرى في شبعا واول امس سقط لنا خمس شهداء في دير ميماس وابل السقي والخيام والجرحى موجودون وباستطاعة أي صحفي ان يراهم.
س: (التلفزيون الالماني القنال الاول): ان الحكومة اللبنانية تتهم الفدائيين باحتلالهم اراض لبنانية، ما هو رأيكم في هذا؟
ج: الزميل لازم يعرف اننا نحن شعب عربي واحد من المحيط إلى الخليج، معركة الجزائر كانت معركة الامة العربية والثوار الجزائريين كانوا يتمرنون ويتدربون في الارض العربية المحيطة بالجزائر، والثوار الفلسطينيين لهم الحق بالرغم من كل الفئات المشبوهة في لبنان وغير لبنان ان يقاتلوا في كل الارض العربية، قوة الثورة الفلسطينية هي هذا العمق الاستراتيجي الذي تملكه من خلال العمق العربي الكبير. انا اذكر ان الشعب اللبناني او شعبنا العربي في لبنان كان يستخدم ارضنا العربية في فلسطين قبل ان تكتسحها الصهيونية في الحرب ضد فرنسا. انا اريد ان اذكر القوى المشبوهة في لبنان هل وجود اخوانهم الفلسطينيين فوق ارضهم العربية في لبنان يدنس الارض اللبنانية ام وجود الاسطول السادس الاميركي.
س: (مراسل الاذاعة البريطانية): هل تنوي منظمة التحرير الفلسطينية ان ترسل ممثليها إلى القاهرة او إلى مكان آخر لقضية التوسط اذا كان الامر كذلك فهل لكم شروط مسبقة؟
س: هناك سؤال آخر مماثل هل ستشتركون شخصيا بمباحثات القاهرة اللبنانية الفلسطينية بعد الاعلان عن تسمية اللواء بستاني رئيسا للوفد العسكري اللبناني، واذا كان سلبا من هي الشخصية التي ستنوب عنكم؟
ج: السؤال هذا ارجع فيه إلى 23 نيسان (ابريل) لما كلفتني قيادتي، وانا آسف اقول انه في ذلك الحين وصلت إلى اتفاق مكتوب مع جنرال اميل بستاني من 15 نقطة بعضها تفاصيل ولكن في مجملها حرية العمل الفدائي في شمال فلسطين المحتلة. للاسف انه مرجع كبير فوق البستاني اوقف الاتفاقية بالتلفون، ثم مرت ستة شهور واذا بالعمل ودورياتنا المتجهة إلى ارضنا المحتلة للقيام بواجبها القومي. ليس لتحرير فلسطين فحسب انما دفاعا عن الامة العربية ودفاعا عن لبنان بالخصوص، هذه الدوريات يعترضها الجيش اللبناني ليمنعها من قتال عدو الامة العربية وهي الصهيونية انا سألتهم هذا السؤال: هل الجيش اللبناني بيدفع له الفلاح اللبناني من دمه وعرقه ومن اجل ان يدافع عن الحدود الشمالية لارضنا المحتلة ما وجدت جوابا للاسف.
اول امس حصلت بيننا معركة في اكثر من مكان شرق راشيا الوادي وفي دير ميماس وفي ابل السقي وفي الخيام، ثم وللاسف انهم استخدموا المدفعية في جميع هذه الاشتباكات خلافا لما ادعته تصريحات الناطق العسكري اللبناني وقد طلبوا ايقاف القتال عندما اضطر رفاقنا إلى استخدام اسلحتهم دفاعا عن انفسهم، وقد وافقنا على وقف القتال انا ورفاقي. ولكن للاسف هم لم يحفظوا كلامهم وقد حاولوا اليوم مرة اخرى ان يكتسحوا دورية لنا في راشيا الوادي واستمر الاشتباك من الساعة الثالثة والنصف صباحا حتى الساعة العاشرة والربع ودفعوا خلالها بدبابات ومصفحات. وقد خسرنا في هذه المعركة بعض القتلى والجرحى.
وبالرغم من انه كان الاتفاق بيننا وبينهم ان يتوقف القتال وكان هذا في اجتماع عسكري ضم بعض ثوارنا وقائد المنطقة الشرقية العميد نجيم ووافقنا ان نذهب إلى مقر قيادتهم في ابلح، ولكن الظاهر انهم طلبوا ايقاف القتال لتعزيز مواقعهم ودفع الدبابات والمصفحات حتى تكتسح ثوارنا. على كل اظن ان تسألوهم، اذا كانوا قد تلقوا درسا او لا.
هل يوجد احد منهم يضمن انه اذا وصلنا إلى اتفاق، يقدر ان يحافظ عليه؟ هذا الموقف حصل من 23 نيسان (ابريل) حتى الآن، ولذلك لا اظن انني استطيع ان اجيب، لانني لست اضمن ان احدا منهم سينفذ أي شيء او الاتفاق رجولة بينا وبينهم. ولذلك، فأنا حتى الان، ورفاقي كذلك نبحث عن الشخص الذي اذا القى كلمة شرف يمكن ان ينفذها)(1).
ولم تتوقف الاعتداءات اللبنانية حيث كان المخطط يستهدف تصفية الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. كانت مخططات كيسنجر تنطلق من ان الكفاح المسلح الفلسطيني لا يمكن تصفيته عن طريق شن غارات اسرائيلية على مواقع الفدائيين في الاقطار العربية المحيطة باسرائيل. حيث ثبت بالملموس ان الحالة النضالية الفلسطينية تكتسب بعدا قوميا ودوليا ودعما شاملا عندما تتصادم مع الجيش الاسرائيلي، او عندما يشن الجيش الاسرائيلي غارات على قواعدها. كانت استراتيجية كيسنجر تقوم على اساس ان الثورة الفلسطينية المسلحة يجب ان تتحول إلى عبء على الانظمة العربية التي تتواجد فيها. وان على هذه الانظمة القيام بتصفية الوجود العسكري الفلسطيني على ارضها. ومن الواضح ان التقاء مصلحة النظام العربي مع مصلحة اسرائيل يكفي لشن هجوم عربي على الوجود الفدائي الفلسطيني. هذا ما جرى بالفعل في نهاية اكتوبر 1969، حيث كانت الحملة اشرس من المتوقع. ولكن الصمود البطولي الفلسطيني للفدائيين والدعم والحماية التي عبر عنها الشعب اللبناني كانت كافية لوقف العدوان.
في 31/10/1969، اصدرت حركة فتح بيانا تفصيليا حول هجوم قوات من الجيش اللبناني على بعض المواقع في جنوب لبنان حيث كانت تتمركز قوات العاصفة. وجاء البيان كما يلي:
(قامت قوات ضخمة من الجيش اللبناني بش هجوم واسع النطاق، بالطائرات والدبابات والمدفعية، على مواقع رجالنا في كفر قوق في قضاء راشيا، وقد بدأ الجيش هجومه في الثانية والنصف صباحا، حيث بدأ باغارات من طائراته وبقصف من مدفعيته في محاولة لاقتحام مواقع رجالنا الذين تصدوا للحملة.
واستطاعت مجموعات الحماية ان تسدد ضرباتها إلى القوات المهاجمة، وامطروا عددا من الدبابات التي حاولت اقتحام المواقع التي تمركز فيها ثوارنا، واستمرت المعركة عنيفة ضاربة 6 ساعات عندما ارتدت القوات المهاجمة في الثامنة والنصف صباحا من غير ان تتمكن من اقتحام مواقع رجالنا. وقد قتل من ثوارنا في هذه المعركة 14 شهيدا وجرح 40 شخصا.(2)
كان اهتمام الرئيس جمال عبد الناصر بالثورة الفلسطينية منطلقا من مقولته المشهورة حولها "انها انبل ظاهرة في الامة العربية وانها وجدت لتبقى" ولكي تبقى في مواجهة المؤامرات كان لا بد من ان يتدخل الرئيس عبد الناصر شخصيا لوضع حد للاقتتال بين الفدائيين وبعض قوات الجيش اللبناني. كانت الدعوى قد وجهت للحكومة اللبنانية التي انتدبت قائد الجيش العماد اميل البستاني رئيسا لوفد لبنان كما شكل الاخ ابو عمار رئيس اللجنة التنفيذية وفدا برئاسته. وجرت مباحثات معمقة في القاهرة في 2/11/1969 بحضور السيد محمود رياض وزير الخارجية المصري والفريق اول محمد فوزي وزير الحربية. وقد تم الاتفاق على وقف جميع الاعمال العسكرية من جميع الاطراف اعتبارا من منتصف ليلة 2-3/11/1969. واتفق على مواصلة البحث من اجل تحقيق اتفاق كامل حول كافة القضايا المطروحة.. وقد تم الاجتماع الثاني في 3/11/69 وبحضور الوفدين الفلسطيني واللبناني والوزيرين محمود رياض ومحمد فوزي. وقد توصل المجتمعون إلى صيغة اتفاق ينص آخر بنوده ان يبقى سريا ولا يجوز الاطلاع عليه الا من قبل القيادات. ولم يعرض على مجلس النواب اللبناني او الهيئات التشريعية الفلسطينية. وجاء نص الاتفاق كما يلي:
(في يوم الاثنين 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1969، اجتمع اميل البستاني، ووفد منظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة السيد ياسر عرفات رئيس المنظمة، وحضر من الجمهورية العربية المتحدة السيد محمود رياض، وزير الخارجية، والسيد الفريق اول محمد فوزي، وزير الحربية.
انطلاقا من روابط الاخوة والمصير المشترك، فان علاقات لبنان والثورة الفلسطينية لا بد وان تتسم دوما بالثقة والصراحة والتعاون الايجابي لما فيه مصلحة لبنان والثورة الفلسطينية، وذلك ضمن سيادة لبنان وسلامته. واتفق الوفدان على المبادىء والاجراءات التالية:
الوجود الفلسطيني:
تم الاتفاق على اعادة تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان على اساس:
1- حق العمل والاقامة والتنقل للفلسطينيين المقيمين حاليا في لبنان.
2- انشاء لجان محلية من فلسطين في المخيمات لرعاية مصالح الفلسطينيين المقيمين فيها، وذلك بالتعاون مع السلطات المحلية، وضمن نطاق السيادة اللبنانية.
3- وجود نقاط الكفاح الفلسطيني المسلح داخل المخيمات تتعاون مع اللجان لتأمين حسن العلاقات مع السلطة، وتتولى هذه النقاط موضوع تنظيم وجود الاسلحة وتحديدها في المخيمات، وذلك ضمن نطاق الامن اللبناني ومصلحة الثورة الفلسطينية.
4- السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية من خلال الكفاح المسلح ضمن مبادىء سيادة لبنان وسلامته.
العمل الفدائي:
تم الاتفاق على تسهيل العمل الفدائي، وذلك عن طريق:
1- تسهيل المرور للفدائيين وتحديد نقاط مرور واستطلاع في مناطق الحدود.
2- تأمين الطريق إلى منطقة العرقوب.
3- تقوم قيادة الكفاح المسلح بضبط تصرفات كافة افراد منظماتها وعدم تدخلهم في الشؤون اللبنانية.
4- ايجاد انضباط مشترك بين الكفاح المسلح والجيش اللبناني.
5- ايقاف الحملات الاعلامية من الجانبين.
6- القيام باحصاء عدد عناصر الكفاح المسلح الموجودة في لبنان بواسطة قيادتها.
7- تعيين ممثلين عن الكفاح المسلح في الاركان اللبنانية يشتركون بحل جميع الامور الطارئة.
8- دراسة توزيع اماكن التمركز المناسبة في مناطق الحدود والتي يتم الاتفاق عليها مع الاركان اللبنانية.
9- تنظيم الدخول والخروج والتجول لعناصر الكفاح المسلح.
10- الغاء قاعدة جيرون.
11- يسهل الجيش اللبناني اعمال مراكز الطبابة والاخلاء والتموين للعمل الفدائي.
12- الافراج عن المعتقلين والاسلحة المصادرة.
13- ومن المسلم به ان السلطات اللبنانية من مدنية وعسكرية تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق وفي جميع الظروف.
14- يؤكد الوفدان ان الكفاح المسلح الفلسطيني عمل يعود لمصلحة لبنان، كما هو لمصلحة الثورة الفلسطينية والعرب جميعهم.
15- يبقى هذا الاتفاق سريا للغاية، ولا يجوز الاطلاع عليه الا من قبل القيادات فقط.
رئيس الوفد اللبناني الامضاء : اميل بستاني
رئيس الوفد الفلسطيني الامضاء : ياسر عرفات
3 تشرين ثاني (نوفمبر) 1969.(3)
كانت ردود الفعل حول ما جرى في اتفاق القاهرة متباينة بين الفرحة لدى القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية التي وجدت في الوجود المسلح الفلسطيني في اطار الاتفاق مع الحكومة اللبنانية وتحت رعاية الرئيس جمال عبد الناصر انتصارا لموقفها القومي والوطني المناضل. في حين رأت فيه القوى المعادية لوجود الفدائيين وحقهم بالانطلاق من جنوب لبنان مساسا بسيادة لبنان واستقلاله. وجاء تعبير "فتح لا ند" الذي استخدمه الاسرائيليون في محاولة لاعادة زرع الاسافين بين الشعب اللبناني وحركة فتح، وكان لا بد من مصارحة الجماهير بما جرى وما يجري في هذا الاطار، وقد اجرى صوت العاصفة، صوت فتح صوت الثورة الفلسطينية - الاذاعة التي كانت تنطلق من القاهرة لقاء مع الاخ ابو عمار يوم 10/11/1969، جاء على الشكل التالي:
س: اخ ابو عمار، في اذهان الجماهير هذه الايام سؤال ملح وهو ماذا تم في لقاء القاهرة مع الوفد اللبناني؟
ج: الحقيقة ان هذا سؤال انا اعتبره مهم، ويعتبر من واجبي ازاء جماهير الثورة ان اطلعهم على كل ما يدور، ايمانا من الثورة بأن الحقيقة من حق الجماهير.
احنا اهم شيء عملناه في القاهرة، في رأيي، هو اننا وقفنا اطلاق الرصاص. المؤامرة كانت كبيرة، ليست فقط مؤامرة لطعن الثورة من الخلف ولكن كان هنالك محاولة علشان الثورة هذه تغير طريقها وتصفي الثورة بأيد عربية وتحاول ان تقتلها بأيد عربية. وللاسف انه تمت العملية والمتآمرون استطاعوا ان يدفعوا الجيش اللبناني، هذا الجيش الذي كان مفروض انه انا ورفاقي نبقى احنا واياه في خندق واحد، نقاتل هذا العدو المشترك، وعندما تعرضت الثورة للخطر في 23 نسيان (ابريل) في لبنان وخرجت الجماهير اللبنانية والفلسطينية تدافع عنها واضطرت الثورة ان تدافع عن نفسها واختلط الدم الفلسطيني بالدم اللبناني. في تلك الايام احنا، كما تذكرون، حاولنا محاولة كبيرة في لبنان، محاولة لرأب الصدع، ولكن العدو الصهيوني مدعوما بالامبريالية الاميركية والاستعمار الغربي ظل يخطط لتصل المؤامرة إلى ما يراد لها، فمن ضرب مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالقنابل الصاروخية، إلى البيان الاميركي، إلى الاشاعات إلى المقالات ثم إلى مذبحة مجدل سلم التي قتل فيها رفاقنا وهم في طريقهم لتأدية عملهم داخل ارضنا المحتلة.
ثم تطورت الامور وتصاعدت وكان هنالك محاولة لانهاء الثورة في تلك المنطقة، فلذلك كان لا بد من واجبنا ان نمارس حق الدفاع عن ثورتنا، وهبت الجماهير العربية غاضبة وكذلك الجماهير العربية في لبنان هبت غاضبة، ونحن ثورانا اضطروا مجبرين على ان يحملوا السلاح ليحموا ثورتهم. كنا نشعر بالالم لما حدث، وكان واجبنا وواجب كل القوى الوطنية ان تعمل على ايقاف اطلاق النار، ولكن كان موضوع في اذهاننا نقطة هامة وهي عدم المساس بحقوق الثورة او وضع قيود عليها لان هذا شي لا يمكن ان نتهاون فيه، بأي حال من الاحوال.
احنا ابدينا حسن نية كاملة وانفتاح كامل ونشعر شعورا كاملا ان ما وصلنا اليه من خلال المباحثات مع اخواننا اللبنانيين لن تظهر آثاره من خلال ورقة، ولكن انا بقول انه العمل العسكري والعمل العسكري وحده هو اللي حيعطي الاجابة لكل ما حدث في خلال مباحثات القاهرة.
س: اخ ابو عمار، هناك من يحاول ان يصور ما حدث في لبنان بأنه عبارة عن موضوع كسب او خسارة، فما رأيكم في هذا الذي يقال؟
ج: الحقيقة مفيش واحد ممكن يكسب من اخوه. اذا كان المقصود هو الكسب او الخسارة بين الثورة الفلسطينية ولبنان فهذا السؤال مرفوض من الاساس، لان الثورة الفلسطينية تدعمها الجماهير اللبنانية بقلوبها وسواعدها، دعما كاملا. احنا لا يمكن ان ننسى كيف استقبلت الجماهير اللبنانية، بكل طوائفها بكل ميولها، جثمان رفيقنا الشهيد عز الدين الجمل. اما اذا كان المقصود بالسؤال الكسب او الخسارة بين الثورة الفلسطينية وبين القوى المضادة للثورة المتحركة كجزء من المؤامرة الاستعمارية الكبرى لتصفية الثورة الفلسطينية، فالجواب على ذلك هو ان الثورة الفلسطينية والجماهير اللبنانية حققت كسبا كبيرا في تثبيت اركان الثورة الفلسطينية، وارادة الجماهير الفلسطينية واللبنانية خاصة، والجماهير العربية عامة، ضاربة بذلك المؤامرة الاستعمارية الكبرى التي حاولت ان تطعن الثورة الفلسطينية من الخلف. الحقيقة كان هناك خلاف في المفاهيم بين السيادة اللبنانية والثورة الفلسطينية، انا بقول ان الثورة الفلسطينية هي حامية السيادة اللبنانية ما دمنا احنا مؤمنين انه عندما نقاتل في الارض المحتلة انما نقاتل عدوا مشتركا. هذا العدو ما بيفرق اطلاقا بين بيروت وبين القدس، بين تل ابيب وبين القاهرة، بين يافا وبين عمان، بين غزة وبين دمشق، بين نابلس وبين بغداد، بين جنين وبين الجزائر. اذا فهمنا هذه النقطة، واذا عرفنا ان هذا العدو يدعو إلى اقامة دولة كبرى في ارضنا العربية، وهذه العبارة اللي بتقول "هذه ارضك يا اسرائيل من النيل إلى الفرات"، وطبعا لبنان واقع ضمن هذه الارض لعرفنا ان الثورة الفلسطينية هي حامية للسيادة اللبنانية.
ونحن، انطلاقا من هذا في المناطق اللي دخلناها والمناطق الموجودين فيها، رفعنا العلم اللبناني وما زلنا نرفعه، وكنا نؤدي له التحية العسكرية.
س: اخ ابو عمار، هناك محاولات للدس والوقيعة والتشويش على الثورة الفلسطينية بعد اللقاء الاخير الذي تم في القاهرة بين قادة الثورة الفلسطينية والوفد اللبناني؟
ج: الحقيقة انا وصلني هذا التشويش على الثورة الفلسطينية، وسمعته وحتى قرأته في بعض الجرائد المشبوهة. في نقطة هامة جدا، اللي محملش سلاحه للدفاع عن الثورة ساعة الازمة لما كان هنالك من حاول طعن هذه الثورة من الخلف، لا يحق له ان يتلكم الان. هذه الافواه لن تسكت، هذه طبيعة الثورات. واحنا اذا فهمنا طبيعة المعركة اللي احنا بنخوضها، وطبيعة العدو اللي امامنا اللي هو متمثل بالصهيونية العالمية والاستعمار الاميركي والاستعمار الغربي كله، نقدر نفهم طبيعة العدو اللي احنا بنحاربه، هؤلاء لن يكفوا عن التشويش على الثورة. في مثل مصري بيقول "ما لقوش في الورد عيب، قالوا له يا احمر الخدين". الثورة الفلسطينية تؤمن ايمانا كاملا بان الجماهير هي مادتها الاساسية، وهذه الجماهير هي اللي بيهمها وهي اللي بيهمنا امرها. اما هؤلاء المندسين واللي بيشوشوا فلا مجال لهم بين الثوار الحقيقيين وبين الجماهير الشريفة. هذا الموقف الحقيقة انا بقول انه كان موقف جماهيرنا العربية في كل اقطارنا العربية كان موقفا رائعا وهذه الجماهير التي جسدت ارادتها في طليعتها الثورية الفلسطينية واللي ارادة الثورة من ارادتها هذه الارادة المجتمعة كفيلة برد عناصر التشويش وعناصر الدس وايقافها عند حدها.
س: اخ ابو عمار، هناك من يتساءل بقلق هل انتهت الازمات عند هذا الحد بين الثورة واعداء الثورة؟
ج- الحقيقة السؤال هذا لا يمكن ان يسأل هكذا بهذه السهولة، لانه احنا متأكدين ان المؤامرات لن تقف، طالما هنالك ثورة وطالما هنالك ثوار، حيحاولوا كما حاولوا في الماضي الطعن من الخلف، حيحاولوا يعرقلوا مسيرة الثورة، حيحاولوا يطعنوا الثورة. ولكن الثورة الفلسطينية التي هي جزء من الامة العربية وانتصارها هو انتصار للمصلحة الحقيقية لجماهيرنا العربية لان القضاء على الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة هو القضاء على الخطر الاساسي الذي يهدد الامة العربية وجودا ومصيرا. هذا الخطر السرطاني العدواني، يستهدف وجودنا وحضارتنا، لذلك فان اعداء الجماهير اللبنانية يبحثون باستمرار عن الوسائل لضرب الثورة الفلسطينية، لان الصراع بين الثورة الفلسطينية واعدائها لن يقف كما قلت. ومن ناحية اخرى، فان ارادة الثورة الفلسطينية من ارادة الجماهير العربية التي لا تعرف الا البذل والتضحية والفداء، لذلك سيستمر نضالها حتى يتحقق النصر النهائي ان شاء الله.
س: اخ ابو عمار، في سؤال بتسأله الجماهير ايضا، وهو يتعلق بالضمانات التي تعتقدون انها كفيلة بتأمين مسيرة الثورة ومطالب الجماهير؟
ج: الضمانة الوحيدة شيئان: جماهيرنا العربية من المحيط إلى الخليج وايماننا المطلق بان السياسة لا تنبع الا من ماسورة البندقية، طالما الجماهير تلتف حول هذه الثورة تؤيدها وتحميها وتدعمها، وطالما هنالك ثوار يحملون بنادقهم ويرابطون في كل مكان وفي كل بقعة من ارضنا المحتلة، طالما ان هذا موجود فهو الضمانة الوحيدة لكل شيء. احنا في 48 يا اخواننا غلطنا غلطة كبيرة، هذه الغلطة انه احنا بحق وبغير حق، بارادتنا وبغير ارادتنا، بالتآمر وبغير التآمر، تركنا السلاح. احنا لن نغلط هذه الغلطة هذه الايام، وضمانتنا الوحيدة هي معركة النصر، ضمانتنا امام هذا الاستفزاز الصهيوني وهذه الغزوة الصهيونية هي بنادقنا وبنادقنا فقط وسواعدنا.
س: طيب يا اخ ابو عمار، في ناس يتساءلون بالحاح شديد عن مصير الناس اللي اعتقلوا من الجماهير الشعبية في لبنان، الجماهير الفلسطينية واللبنانية، فماذا رأيكم؟
ج- والله شوف، لا يمكن الثوار بأي حال من الاحوال ان يتهاونوا في امر هؤلاء. اهم شيء امامنا كان لما كان في مباحثات بيننا وبين اخواننا اللبنانيين، اول شيء كنا نبحثه هو مصير هؤلاء الابطال الذين خرجوا وهبوا، خرجوا من ديارهم دفاعا عن الثورة وهبوا لنجدة اخوانهم الثوار. همنا الرئيسي هو اطلاق سراح هؤلاء، سواء كانوا داخل المعتقلات او ملاحقين. ولا يمكن ان نعتبر ان هنالك حسن نية من أي طرف من الاطراف، الا اذا اخرج هؤلاء الابطال من السجون واوقفت ملاحقتهم.
س: اخ ابو عمار، هل هناك من كلمة توجهونها إلى هذه الجماهير العربية بشكل عام، والجماهير اللبنانية بشكل خاص؟
ج: ان الثورة الفلسطينية، كما نقول دائما، في حاجة مستمرة إلى الجماهير. ان الثورة تؤمن، ايمانا كاملا، بأنها بدون هذه الجماهير لن تستمر، فواجب الثورة تجاه هذه الجماهير ان تحافظ على عهد الشرف الذي قطعناه على انفسنا، وهو عهد التزمنا به من خلال شعارنا الدائم : ثورة حتى النصر.
اننا نعاهد الجماهير، كل الجماهير الفلسطينية واللبنانية والجماهير العربية كلها، على اعطائها الحقيقة باستمرار. ولا شك ان الجماهير ستكون وفية لهدفها للثورة الفلسطينية، ولكن لا بد من اشارة إلى ان الثورة الفلسطينية تمثل نضالا طويلا وطويلا جدا، هذه نقطة هامة يجب ان نعيها، نحتاج إلى نضال طويل مرير مليء بالتضحيات، ولا بد من ان نعد انفسنا جميعا لهذا النضال لنثبت للتاريخ اننا امة لا تعيش الا في ظل الكرامة والحرية. ونقطة اخرى احب ان اسجلها هنا عن واجب الجماهير تجاه ثورتها، هذا الواجب هو واجب تلقائي تمارسه هذه الجماهير طالما بقيت الثورة على عهدها والتزامها بأهدافها. اننا نعرف وندرك ان الجماهير لا تعرف الغش والخداع، انها لا تعرف الا الحقيقة، لا تعرف الا النضال المستمر من اجل النصر، لا تعرف الا طريقا واحدا : طريق الالتفاف وحماية الثورة. ولي كلمة اخيرة احب ان اقولها، وهي تحية اكبار واعزاز لكل الجماهير في لبنان، لبنانية وفلسطينية بكل طوائفها، مسيحييها ومسلميها، التي وقفت بكل عزم لصد ودحر هذه المؤامرة التي خطط لها الاستعمار الاميركي لضرب الثورة الفلسطينية. والثورة الفلسطينية، التي استطاعت ان تقف موقفا صلبا حول ما حاول الاستعمار واذنابه من فرضه من خلال ما اسماه بالطائفية. اننا لا نعترف لا بالطائفية ولا بمشاكل الطائفية، نحن نعرف فقط جماهير عربية من المحيط إلى الخليج وتحية، تحية اخرى، تحية فخار إلى شعبنا الصامد في ارضنا المحتلة في فلسطيننا المغتصبة، هذه الجماهير التي خرجت غاضبة في ارضنا المحتلة برغم الاحتلال وبرغم القهر وبرغم الاضطهاد لتدافع عن حقها ولتحمي ثورتها الفلسطينية. ولن انسى في هذا المجال، لن انسى موقف الجماهير العربية، موقف جماهيرنا العربية التي وقفت في كل مكان تدافع وتؤيد وتدعم وتساند الثورة الفلسطينية، وسنقاتل حتى النصر.
الهوامش
1- الوثائق الفلسطينية لعام 1969 مركز الدراسات الفلسطينية - ص447-448
2- المصدر السابق ص450
3- المصدر السابق ص456-457
4- المصدر السابق ص469-470