استحقاقات المرحلة القادمة
لا جديد في العملية السلمية، لا جديد في المفاوضات، لا جديد في التسوية على كل المسارات...
نظام إسرائيلي يواصل تعنته لأنه ليس ثمة جديد يشكل عنصر ضغط عليه...
إدارة أمريكية ممالئة ومهادنة لإسرائيل وللوبي اليهودي الصهيوني في أمريكا، إدارة أمريكية لا تقوم بواجباتها، تضغط لصالح إسرائيل، وتتحرك دبلوماسياً لصالح إسرائيل، وترافع عن إسرائيل في المحافل الدولية، وخاصة في الأمم المتحدة، في الجمعية العامة وفي مجلس الأمن، وتمنع دول أوروبا من لعب دور ضاغط على إسرائيل، وتبرز كقوة عظمى تحمي الاحتلال، وتدافع عن العنصرية الإسرائيلية، وترعى محمية اليمين الإسرائيلي، آخر محميات وقلاع الاحتلال والعنصرية على سطح هذه الكرة الأرضية.
لا جديد، طالما أن أمريكا تجمد عملية السلام، تجمد عملية السلام بمواقفها المتراخية والمتماهية مع الموقف الإسرائيلي.
ونظراً لأن حكومة نتنياهو لا تواجه ضغوطا جدية، فإنها تناور وتواصل المناورة، بل أن رقعة المناورة لديها تتسع وتتسع. انها تناور لمواصلة الاحتلال، ومواصلة سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي، ومواصلة التعبئة الحاقدة، ضاربة عرض الحائط بالرأي العام العالمي، معتبرة أنها تستطيع تثبيت سياساتها كي يتعايش العالم معها، باعتبار أن الرأي العام العالمي ضعيف الذاكرة من وجهة نظرها...
غير أن الواقع يؤكد أنها تعيش حالة عزلة دولية، وأن الزمن بهذا الاتجاه يسير لغير صالحها.
ما زالت حكومة نتنياهو ترفض المبادرة الأمريكية بالنسبة لتنفيذ المرحلة الثانية من إعادة الانتشار، وآخر ما طرحته حكومة نتنياهو على الجانب الفلسطيني هو انسحاب من 10% من أراضي الضفة، مع بقاء 3% كمنطقة (D)، ان هذا الاصطلاح (D) هو اصطلاح جديد، ويأتي في سياق تفتيت الأراضي الفلسطينية إلى رموز عجيبة، تبدأ بـ D وقد تنتهي بالمزيد من الحروف الهجائية.
إن اصطلاح D يعني تحويل هذه الأراضي التي تبلغ 3% إلى محمية طبيعية، لا يحق للسلطة بموجبها أن تسمح فيها بالبناء... أي أن إسرائيل ما زالت تريد أن تكون هناك أرض بلا شعب، لكي تستطيع في وقت من الأوقات أن تنشر فيها المزيد من المستوطنين.
وبهذا تحقق إسرائيل هدفا آخر، وهو أن الانسحاب الذي نفذته لا يتجاوز 10%.
هذه المناورة الأخيرة على جانب كبير من الخطورة، خاصة وأن الانسحاب الثالث غير معروف، وغير مضمون، وبذلك يتم الانتقال إلى بحث المرحلة الأخيرة، مرحلة الحل الدائم بينما إسرائيل تسيطر على معظم الأراضي الفلسطينية، في حين أن اتفاقيات أوسلو تنص على انسحاب إسرائيل من 90% من الأراضي عشية الانتقال لبحث قضايا الحل الدائم.
من هنا، تبدو الأمور في غاية الصعوبة والتعقيد، وتبدو الأمور قابلة لكل الاحتمالات.
وتواجه القيادة الفلسطينية هذه الأوضاع الصعبة، دون أن يكون هناك موقف عربي فاعل. فالقمة العربية لم تعقد كما كان متوقعاً، والتضامن العربي ما زال بعيداً عن التحقق، وما زالت بعض الدول العربية تخضع للموقف الأمريكي، بدليل أن سفراء الخارجية الأمريكية يضغطون لمنع القمة العربية من الانعقاد.
تواجه القيادة الفلسطينية موقفا شائكا، ويتعين عليها أن تعتمد على الذات، وأن ترتب أوضاعها لكي تتناسب مع شروط الاعتماد على الذات.
ومن الواضح أن الكثير من السلبيات ما زال موجوداً، وأن ترتيب البيت الفلسطيني مازال بحاجة إلى المزيد من الجهد.
ان استحقاقات الحرية والاستقلال تقتضي الإعداد الجيد، من أجل إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. واستحقاقات الحرية والاستقلال تقتضي رص الصفوف، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتعميق القراءة الفلسطينية للاتفاقيات، وتحسين الأداء، ورفع السقف السياسي.
كل ذلك يحتاج إلى منظومة من الإجراءات التي يجب أن تشكل نسيجاً سياسياً واجتماعيا، واقتصاديا، وثقافيا، يضع المجتمع الفلسطيني في أقصى درجات الاستعداد..
وهذا يقتضي، وضع حد نهائي للفساد الإداري والمالي، ووضع قرارات هيئة الرقابة ولجان التحقيق موضع التطبيق العملي، ومعاقبة كل من أساء استخدام السلطة، واختيار أفضل الكفاءات للمواقع الهامة والأساسية، وتعزيز الديمقراطية والحريات العامة، وإطلاق حرية التعبير والحوار واحترام حقوق الإنسان.
ان المواجهة القادمة، عشية إعلان قيام الدولة في أيار 99 يتطلب منذ الآن، وضع الخطط الكفيلة بتحقيق هذا الحلم، وتقع مهمة أساسية على عاتق أبناء حركة فتح للقيام بدورهم على هذا الصعيد.
أن حركة فتح المتجددة، يجب أن تعمق الحياة الداخلية في صفوفها، وأن يكون لها مؤسساتها الفاعلة، وخاصة مؤسسة اللجنة المركزية، ومؤسسة المجلس الثوري، والمؤتمر العام.
فتح تصدت لمهمة القيادة في صفوف شعبنا، ويتعين أن تواصل هذا الدور، وأن تكون بمستوى التحديات.