رسالة قصيرة الى الرأي العام الاسرائيلي


بعد كل حادث هجوم على المستوطنين وسقوط القتلى والجرحى، تتوزع ردات الفعل في اسرائيل بصورة كلاسيكية، في سيناريو اصبح جزءا من الحياة السياسية اليومية للصراع العربي الاسرائيلي في صفحات ما بعد اوسلو .
وتبدأ مراكز الابحاث التابعة لليمين و المؤيدة للمستوطنين بجمع ونشر المعلومات والدراسات والصور التي تتعلق بنوايا الفلسطينيين العدوانية، فالفلسطينيين هم عرب، والعرب بنظر هؤلاء هم "غوييم" لا يمكن الايمان والثقة بهم او الاتفاق معهم، فالهدف النهائي للفلسطينيين من العملية السلمية هو الوصول الى بناء الدولة الفلسطينية وتنفيذ حق العودة، من اجل الوصول الى قمة النوايا والقضاء على دولة اسرائيل؟ .
وتبدأ مرحلة جديدة من سياسة فرض النوايا على الواقع وتهيئة الاجواء للاعتداء الدموي القادم، تحت شعار التوسع قدر الامكان، والبناء قدر الامكان، واسكان اكبر عدد من المستوطنين في ارض اسرائيل الكبرى . ويبدأ المستوطنون حلقة اخرى من حلقات جمع السلاح والتخطيط للمواجهة القادمة .
وبعد كل حادث اعتداء على المستوطنين يبدأ اعضاء الكنيست المحسوبين على اليمين بالتصريحات المتطرفة وتستغل الحالة النفسية للشارع الاسرائيلي من اجل الضغط على مراكز اتخاذ القرارات الامنية والاقتصادية من اجل زيادة الدعم والتسليح للمستوطنين بدون اي نظام رقابة او متابعة قانونية .
فما بين التوصية بالاعتداءات الدموية المتبادلة في المستقبل وما بين استغلال ردة الفعل يتوسع المستوطنون على الارض يوما بعد يوم ، ويزداد التأييد النفسي والتعاطف معهم في مواقعهم كونهم يقفون في خط المواجهة ويعيشون تحت التهديد في محيط عربي معادي، ويبدأ المستوطنون ومؤيدوهم في الجهاز السياسي في اسرائيل بالمطالبة بالالغاء الفوري لاتفاقيات السلام مع الفلسطينيين، الا انهم في نفس الوقت يحصلون على المزيد من الدعم الاقتصادي والمعنوي للاستيطان والمستوطنات، وتبدأ مرحلة فتح القبور الجديدة .
من هنا فان الحكومة الاسرائيلية لن تتوانى عن الادانة والمطالبة التقليدية، كما في كل مرة بالتبادلية في تنفيذ الاتفاقات الامنية، الا انها ستستغل تلك الاحداث من اجل اعطاء المبررات والشرعية اكثر واكثر لسياستها الحالية، في المناورة من اجل تجميد ما يمكن تجميده، وتغيير ما يمكن تغييره ، مما اتفق علية في اوسلو .
المعارضة الاسرائيلية التي تعاني من مرض الدفاع عن النفس والاخطاء والخطايا، تارة تسارع بالاعتذار من الشرقيين وتارة اخرى تشن هجومها على المغاربة، لتبدأ بتوزيع الادوار والمواقف ما بين الادانة الصارخة لهذه الاعتداءات وما بين الاستمرار في الديباجة المعهودة والقاء مسؤولية التصعيد وسفك الدماء، على عاتق السياسة الحالية للحكومة، الا ان ما يحصل على ارض الواقع يذهب مع الريح ، ومن الواضح ان اليسار قد ندم على ايام التظاهرات مثل تلك التي طالبت بالانسحاب من لبنان مع كل الاحترام لعناصر اليسار الاسرائيلي الذين خرجوا للتعاطف مع اصحاب البيوت المهدومة .
الصحف الاسرائيلية من جانبها تبدأ في عملية التوثيق التاريخي للصور الملونة المثيرة لعواطف الرأي العام، التي لا نراها بعد كل حادث اعتداء على الفلسطينيين، وتبدأ في عملية الطنطنة بالتخوف من عمليات انتقامية من جانب المستوطنين وردود فعل متوقعة من الفلسطينيين، ومرحليا تزداد نسبة المبيعات اليومية .
المؤسسات الامنية بدورها تبدأ في نشر تقديراتها تحت شعار ان عرفات معني ببقاء السلطة بين يديه اكثر مما هو معني بالتصعيد العسكري وبتدهور الاوضاع فهو معني بالانتظار وتهيئة الاجواء العربية والدولية حتى تاريخ 4/5/1999 اليوم المنتظر لاعلان قيام الدولة الفلسطينية والاعتراف بها .
الا انها في نفس الوقت ما زالت مستمرة في توصياتها بشق الطرق الاستيطانية وبتقطيع اوصال ما تبقى من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وفي تنفيذ ما تبقى من حلقات المتابعة وحظر التجول واغلاق المناطق والاعتقالات والتوصيات بهدم البيوت الخ.
المؤسسات العسكرية تبدأ في نشر تخوفاتها من مخاطر التصعيد، وتبدأ في وضع السيناريوهات والتهديدات العسكرية باقتحام مناطق السلطة الفلسطينية، الا انها في نفس الوقت تحصل على المزيد والمزيد من الميزانيات المالية لمواجهة هذه المخاطر كما حصل مؤخرا في زيادة ميزانية الدفاع الاسرائيلي .
تارة يتهمون السلطة الفلسطينية بالفساد والرشاوي، وتارة اخرى يتهمونها بالدكتاتورية والقمعية، وقمع حقوق الانسان، وفي المقابل يطالبونها بتنفيذ المزيد من الاعتقالات وسياسة القمع العشوائي .
لن نتحدث عن التبادلية في تنفيذ الاتفاقيات، ولن نتحدث عن الخروقات اليومية للطرفين، لن نتحدث عن النسب المئوية في الانسحابات، سنترك ذلك للمفاوضين الامريكيين والاسرائيليين والفلسطينيين. لن نتحدث عن التبادلية في الحجج الامنية والمطالب الامنية، سنترك توزيع الادوار والمواقف للمخابرات الامريكية والشاباك الاسرائيلي والمخابرات العامة الفلسطينية. لن نتحدث عن الاعتراف المتبادل والحقوق الشرعية للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي، سنترك ذلك للامريكان والروس والاوروببين .
ففي حال وافقت اسرائيل على تسليم السلطة الوطنية كل المسؤولين اليهود عن اعمال القتل تجاه الفلسطينيين لا اعتقد بأن السلطة الوطنية الفلسطينية سترفض تسليم المتهمين بقتل اسرائيليين ما بعد اوسلو ولا اعتقد ايضا ان السلطة الوطنية الفلسطينية سترفض ما تبقى من المطالب الاسرائيلية بالنسبة لالغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، في حال اعلنت اسرائيل ليس من على منبر الكنيست فقط وانما على لسان المجلس الاستيطاني في الضفة الغربية وعلى لسان شارون وبيني بيغن وليمور لفنات ووزير العدل ورحبعا‎م زئيفي وقوات ال17 في الكنيست والمفدال الخ ... عن الغاء شعار ارض اسرائيل الكبرى، والاعتراف العلني بحق الشعب الفلسطيني ببناء دولته الفلسطينية المستقلة .
لن نتحدث عن المناهج التعليمية للجيل القادم السائدة لدى المؤسسات التعليمية غير الرسمية في اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، تجاه اهمية السلام بين الشعوب . سنترك ذلك لمراكز ابحاث المستوطنين والمؤسسات الامنية .
وانما سنتحدث عن الذي يحدد السياسة الحالية في اسرائيل، هل هم المستوطنين ورموزهم في الخليل وكريات اربع، ام هم اعضاء الكنيست المحسوبين على المخططات الاستيطانية الذين وبعد كل حادث يبدءون بالتوافد الى هذه البؤر الاستيطانية لتشجيعهم على الاستمرار في الاستيلاء على الارض وبناء المستوطنات .. من يرتبط بمن ومن يخدم مصلحة من ؟!!
من الواضح تماما ان صانعي القرار في اسرائيل وعلى راسهم ملك الدعاية والاعلان نتنياهو، وزعيم الاستطلاعات ومواقف الهواة من اتباعه ايهود باراك، لم يفهموا بعد الفرق بين شرق اوسط جديد، وما بين استمرار بقاء اسرائيل كدولة قائمة على السيف ومحاطة بالحراب، في ظل هذا العصر الجديد من التكنولوجيا النووية والكيميائية والبيولوجية، فهم بالتأكيد يملكون الوسائل الكافية والمناسبة لحمايتهم وحماية عائلاتهم من اي هجوم ارهابي او صاروخي غير تقليدي اوحرب مفاجئة، ومن الواضح ايضا ان متخذي القرار لم يستوعبوا بعد ان فرصة اقامة جسر سياسي وحل سلمي للصراع العربي الاسرائيلي مع ممثلي الشعب الفلسطيني هي فرصة تاريخية وسيناريو قد يكون الاول والاخير في حال تم الاعلان النهائي عن فشل هذا المشروع، الذي هو بالنهاية مشروع حضاري يدل على مدى استيعاب الشعوب للقيم الديمقراطية وحقوق الانسان في العيش بكرامة وحرية واستقلال. وهذه العبارة موجهة بشكل خاص الى الرأي العام الاسرائيلي التي اثبتت التجارب على مدى خمسون عاما من الصراع، على قدرته على التأثير والتغيير. من اجل مستقبل افضل لابنائنا وابناءهم في هذه الارض التي من المفترض ان تكون ارضا مقدسة لنا ولهم، وليس من الضرورة بان تصل الاحوال بنا في القرن الواحد والعشرين بان نكون مثالا لفشل القيم الانسانية من حرية وديمقراطية الخ.....
من هنا فاننا نتسائل الى متى سيستمر هذا السيل من القتل الدموي المتبادل ؟ الى متى سيتم استغلال دموع الامهات الثكالى وحماس الشباب الايديولوجي في تجاهل الحقائق ؟ الى متى ستستمر الحياة في هذه الارض المقدسة في ظل الحراب والبنادق، فالنيران عندما تشتعل لن ترحم احداً ... الا يكفي ما سفك حتى اليوم من دماء ؟؟ .فمن يقوم بالسيف حتما سيسقط بالسيف .

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست