تطور الفكر السياسي الفتحوي
كان للخطاب الذي القاه الرئيس جمال عبد الناصر في 23/12/1963 في مدينة بور سعيد اثره البالغ في تحريك القضية الفلسطينية بشكل صاخب، لم تشهده المنطقة منذ عام 1948. لقد ركز الرئيس عبد الناصر على نقطتين رئيسيتين. اولاهما الاشارة الى قرب تحويل اسرائيل لمياه الاردن نتيجة فشل الدول العربية في مجابهة مخططات اسرائيل بهذا الشأن، رغم انها قد بدأت في معالجة هذا الموضوع منذ عام 1960 من خلال اجتماع رؤساء اركان حرب الجيوش العربية، ومجلس الدفاع المشترك. وثانيهما التأكيد على ضرورة القرار السياسي للمواجهة من خلال مؤتمر قمة عربي حيث قال : "احنا في الجمهورية العربية المتحدة نرى ان اجتماع على مستوى رؤساء الاركان ما ينفعش ، اجتماع على مستوى مجلس الدفاع ما بنفعش ، حتى نجابه اسرائيل اللي تحدتنا الجمعة إلي فاتت واللي رئيس اركان حربها وقف وقال: "احنا حنحول الميه غصب عن العرب. والعرب يعملو الي يعملوه.. باقول ان لا بد من ان يتم اجتماع للملوك والرؤساء العرب في اسرع وقت ممكن.. وبصرف النظر عن الخصام والخناق. والمتخاصمين معاهم احنا مستعدين نقعد معاهم ، واللي متخانقين معاهم.. عشان فلسطين مستعدين نقعد معاهم".(1)
على اساس هذا الخطاب تمت دعوة القمة العربية الاولى من اجل بحث الموقف الذي ينبغي ان تواجه به المحاولة الاسرائيلية لتحويل مجرى مياه نهر الاردن. وان هذا الاجتماع هو "المقدمة الطبيعية لمواجهة الموقف على مستوى المسؤولية العربية والمصلحة العربية والشرف العربي جميعا (2)
وقد تم انعقاد المؤتمر يوم 13 يناير 1964 واستمر حتى 17 يناير 1964، حيث تدارس المؤتمر تهديدات اسرائيل وعدوانها المستمر منذ عام 1948. كما ركز على العدوان الجديد المتمثل بتحويل المياه العربية من نهر الاردن من اجل تعزيز عدوانها وتطلعاتها التوسعية بجلب المزيد من قوى العدوان ، واقامة مراكز تهديد اخرى للامن العربي. واتخذ المؤتمر ما اسماه البيان ب"القرارات العملية اللازمة لاتقاء الخطر الصهيوني الماثل ، سواء في الميدان الدفاعي او الميدان الفني او ميدان تنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره". (3)
وكانت اهم النتائج المباشرة لمؤتمر القمة هي قرار تنظيم الشعب الفلسطيني، حيث تقرر قيام السيد احمد الشقيري ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية بالاتصال بالدول الاعضاء في الجامعة وبالشعب الفلسطيني وجعله قادراً على تحمل مسؤولياته في الكفاح من اجل استعادة وطنه.
وقد جاء في بيان السيد احمد الشقيري بعد انتهاء المؤتمر ان دعوة الرئيس عبد الناصر لمؤتمر القمة (قد دفعت القضية الفلسطينية إلى عهد جديد متسم بصدق العزيمة والاعداد الصحيح ليوم النصر) ، وقال انه اشترك في الاجتماعات باسم فلسطين، وشارك فيها مشاركة كاملة وبسط مطالب الشعب الفلسطيني وباللهجة التي يريدها. واضاف بان قرار المؤتمر الخاص بالتنظيم الفلسطيني، قد وضع القضية الفلسطينية في بداية الطريق الصحيح بالنسبة للشعب الفلسطيني. كما انه يزيل كثير من المصاعب القائمة التي خلفها احتجاب الشخصية الفلسطينية عن العمل القومي على الصعيدين العربي والدولي. واضاف قائلا بانه يجب عليه ان يوضح "بصورة قاطعة ان هذا التنظيم لا بد ان يعبر عن ارادة الشعب الفلسطيني ، وان تنطوي تحت لوائه كل المنظمات والهيئات الفلسطينية، وان يكون مفتوحا امام المواطنين جميعا ليهيىء لهم فرصة الكفاح لخدمة قضيتهم وتحرير وطنهم فان وحدة النضال هي طريق النصر".(4)
اذاع الشقيري يوم 24 شباط مشروعا من 29 مادة لميثاق قومي فلسطيني تقوم عليه المبادىء الاساسية لتحرير فلسطين. وقال انه سيدعو إلى عقد مؤتمر وطني فلسطيني يوم 14 أيار 1964 في القدس لطرحه عليه.(5) وقد تم بالفعل عقد المؤتمر الذي اعلن فيه الشقيري ولادة منظمة التحرير الفلسطينية.
كان الاعلان هو الذي واجهته فتح بشيء من الريبة.. حيث انه يتنافى مع منهج الاستقلالية الذي اعتمدته فتح والتي اعتبرت ان انشاء منظمة التحرير الفلسطينية (على يد الاطراف العربية الحاكمة ، وقد عبر الشهيد ابو جهاد عن هذا الموضوع بقوله: كنا لا نعتبرها الا محاولة لقطع الطريق على الارهاصات الثورية التي يحبل بها الشارع الفلسطيني، بعد سكون وضم والحاق زاد على ستة عشر عاما.. ولا نخفي على احد القول اننا رغم تقييمنا هذا للمنظمة ولدورها الخفي. الا اننا اعتبرنا انها اطار رسمي يحوز على شرعية عربية. ولا بد لنا من الاحتفاظ به مع الحرص على اقتحامه والسيطرة عليه.(6)
كان التمايز الفتحوي ضروريا لتصبح حركة فتح الممثل لخط الجماهير، ولتصبح المنظمة تعبيراً عن خط الانظمة.. ولتحقيق ذلك وضعت حركة فتح فكرها الثوري واسلوبها المتمثل بالكفاح المسلح على طاولة البحث من اجل التنفيذ ومن اجل الانطلاقة المسلحة..
لم يكن القرار سهلاً ولكنه كان ضرورة حتمية في ظل الوضع الجديد الذي ولدت فيه المنظمة... ولكن...
"امام هذا الوضع الجديد قررنا ان ندخل التحدي وان نستعجل بدء الانطلاقة.. وقررنا ان يكون يوم 1/9/1964 ، اي يوم انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، حتى نؤكد للمنظمة وللمجتمعين باننا قادرون على عمل شيء. وان الطريق الصحيح للتحرير هو خطنا الذي اخترناه.. ان هذا القرار الذي اتخذ في مطلع صيف عام 1964 افرز لنا خطرين وخلق لنا مشكلتين :
المشكلة الاولى ، ان القيادة اجتمعت لبضعة اسابيع في دمشق لتدرس الامكانات المتوفرة لدينا للانطلاق، والشروط المناسبة لهذا الانطلاق، والنتائج المترتبة عليه قد انقسمت على نفسها تماما. جزء يرفض رفضاً قاطعاً، بحجة اننا يجب ان نكون قد استكملنا كل شيء من اجل البداية ، وان تكون امكاناتنا كافية لاستمرار فترة معقولة من الزمن. والا فان الثوره ستبدأ لبضعة ايام ثم لا تلبث ان تتوقف فتجهض ، وسمي هذا الطرف في حينه طرف العقلانيين. وجزء آخر يرى ان نبدأ بما لدينا. ومن خلال المسيرة نستكمل باقي الشروط لان الاستعداد لكل شيء، دون البداية قد يجهض كل شيء خصوصا وان اعين المخابرات العربية اصبحت مفتوحة علينا وانها يمكن ان تقضي علينا في المهد ولا نستطيع بعدها ان نفعل شيئا، وربما لن تقوم لنا قائمة في المستقبل.. واستمر الجدل طويلا دون الوصول إلى نتيجة ثم حسم القرار باغلبية صوت واحد".(7)
كان الخوف من الفشل ماثلا امام وجهتي النظر.. وكان الحرص الشديد نقيض المغامرة.. وكانت فتح التي اسست واقعا تنظيميا خلال سبع سنوات متتالية حريصة على الاستمرار ، ولهذا كان القرار الجماعي هو انه ما دام لا بد من الانطلاقة.. فلا بد من الحفاظ على فتح مستقبلا. ولهذا اتفق الجميع ان تكون التجربة تحت اسم خاص، واتفق بعد استعراض اسماء كثيرة على اسم "العاصفة" وعلى ان تصدر البلاغات العسكرية باسم "القيادة العامة لقوات العاصفة" على ان يستمر هذا الوضع حتى تثبت العاصفة وجودها الجماهيري وفي حال عكس ذلك تظل فتح مستمرة متنصلة من تجربة الفشل.
"كما قلت بصعوبة بالغة وبفارق صوت واحد حصلنا على قرار بدء الانطلاقة في الاول من سبتمبر "ايلول" 1964 عشية انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني ، وذلك من اجل ان نقول لاهلنا نحن نقاتل ، وهؤلاء يجتمعون ويخطبون. وتولى الاخ ابو عمار مهمة الاعداد والتحضير وتوزيع المهمات، وتم الاتفاق على ان تنفيذ العمليات الاولى بواسطة بعض المجموعات المتواجدة في الاردن وعبر الاردن ، وفي الوقت المحدد لم نسمع شيئا. انتظرنا يومين وثلاثة واسبوعا. ولم نسمع شيئا. ثم دعينا إلى الكويت لاجتماع عاجل. لنستمع إلى تقرير من الاخ ابو عمار يعلن فيه انه فشل في بدء العمل لان قيادة المجموعات جبنت في اللحظة الاخيرة ، اي ترددت ورفضت الاوامر .. ان الفشل في البداية يعني لا بداية.. وان القبول بالفشل والاستسلام له يعني ان الفكر الحلم والامل قد انتهى.. وربما إلى الابد. وتلك حلقة اخرى من المصاعب والعقبات التي قد تكون قاتلة ، بخاصة انها انضمت بنتائجها إلى العقبة السابقة ، وهي احجام نصف القيادة عن الموافقة، مما قوى وجهة نظرهم واعطاهم الكثير من الحجج والبراهين. ليؤكدوا صحة ما توجهوا اليه غامزين من قناة الموافقين، وبخاصة الاخ ابو عمار، حيث تمكنوا من وضع الجميع في الزاوية وحشرهم في مازق صعب. فكان امامنا احد امرين لا ثالث لهما. اما ان نفض الشركة وننهي العمل المشترك في هذا الاطار. او نصر على ضرورة منح فرصة اخرى وتصحيح الاخطاء التي وقعت ...... ونجحت الانطلاقة في 1/1/1965 وكانت بداية عهد جديد في حياة الشعب الفلسطيني بعد ستة عشر عاما من الركود والهدوء. وبصرف النظر عن تقييم الآخرين لهذه البداية المتواضعة البسيطة. حيث حاول البعض ان يتفهها ويصغرها ويقلل من قيمتها بينما حاول البعض الاخر ان يعتبرها مؤامرة دبرتها قوى حلف السنتو لتخريب مخططات الدول العربية".(8)
"نحن ننتظر القمر"..
كانت كلمة السر التي تبشر بنجاح الانطلاقة.. لم تسر الامور على ما يرام، ولكنها كانت قد اجتازت حدود الفشل.. فالانطلاقة اعتمدت على عدة عمليات موزعة جغرافيا لتشمل المنطقة الشمالية والمنطقة الوسطى والمنطقة الجنوبية. وشارك في هذه العمليات 82 مقاتلا قسموا إلى عشرة مجموعات على الشكل التالي :
1) مجموعتان للمنطقة الشمالية
2) مجموعتان لمنطقة دير نحاس
3) مجموعة إلى منطقة بيت جبرين ودورا
4) مجموعتان إلى منطقة طولكرم
5) مجموعتان إلى المنطقة الجنوبية
6) مجموعة إلى منطقة القدس
كانت العمليات في معظمها تستهدف المنشآت المائية. وكانت اهم هذه العمليات هي نسف نفق عيلبون التي تمثل الرد الطبيعي على عملية تحويل مياه نهر الاردن إلى النقب وليس عمليات التحويل المضادة التي اجرتها الانظمة العربية.
لقد نجحت بعض المجموعات في تنفيذ مهماتها .. ولكن المجموعة الاهم .. مجموعة نفق عيلبون فشلت في عبور النهر بسبب ارتفاع منسوب المياه فيه في ذلك الوقت من الشتاء ، ولعدة ساعات ، حاول افراد المجموعة العبور، دون جدوى ..ولكن تجربة تحدي الفشل اصبح سمة مميزة من سمات قوات العاصفة ، كان الاصرار والعزيمة على العبور هي التي مكنت من الوصول إلى الهدف وتدميره يوم : 7 -1 -1965 ... ويومها سقط شهيد العاصفة الاول احمد موسى .
كان البلاغ رقم واحد قد صدر على الشكل التالي :
بسم الله الرحمن الرحيم
بلاغ عسكري رقم (\)
اتكالاً منا على الله ، وايماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب ، وايماناً بواجب الجهاد المقدس.
وايمانا منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج
وايمانا منا بمؤازرة احرار وشرفاء العالم
لذلك فقد تحركت اجنحة من قواتنا الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/1964 / 1/1/1965 ، وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الارض المحتلة وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة.
واننا لنحذر العدو من القيام باية اجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب ايمنا كانوا ، لان قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة وستعتبر هذه الاجراءات من جرائم الحرب.
كما واننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو وباي شكل كان لان قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح هذه الدول للدمار اينما كانت.
عاشت وحدة شعبنا
وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه
القيادة العامة لقوات العاصفة
1/1/1965 (9)
وفي يوم 7/1/1965 اصدرت القيادة العامة لقوات العاصفة بيانا سياسيا كما يلي
بيان القيادة العامة لقوات العاصفة رقم 1
إلى شبعنا العظيم ... إلى امتنا العربية المناضلة... إلى الاحرار في كل زمان ومكان... من شعبنا الصامد على الحدود ومن ضمائر امتنا المجاهدة انبثقت طلائعنا الثورية المؤمنة بالثورة المسلحة طريقا للعودة والحرية لتثبت للاستعماريين واذنابهم وللصهيونية العالمية ومموليها ان شعبنا الفلسطيني ما زال في الميدان ، وانه لم يمت ولن يموت.
لقد نسي هؤلاء قدرات هذا الشعب وثوراته المتلاحقة وانه مصمم على الكفاح المسلح مهما كانت العقبات حتى يذيب كل المؤامرات التي تحاك ضده. لقد خطط الصهاينة لاقامة طويلة في بلادنا عن طريق مشاريع التحويل والاعمار لزرع ارضنا الطيبة بمزيد من قوى العدوان فيفرضون على امتنا العربية سياستهم اللئيمة سياسة الامر الواقع... ومن وحي هذه الاخطار، ولان الزمن يسير في خط معاكس، كان لا بد لطلائعنا الثورية ان تتحرك بسرعة لتشل مرافق العدو ومنشئاته معتمدة على قوتها الذاتية، وامكانيات شعبنا العربي الفلسطيني.
ونحن نعلن للعالم ارتباطنا بتربة الوطن وخيره، ولا يحركنا الا ايماننا بان هذا هو الطريق السليم لاخراج قضيتنا من العزلة التي عاشت فيها طيلة السنوات الماضية... ولكن هذا لا يمنعنا من ان نصارح الدنيا كلها اننا مرتبطون بامتنا العربية مصيريا ونضاليا وهي التي سترفد كفاحنا ماديا ومعنويا...
فالى جماهير شعبنا الفلسطيني والى امتنا العربية الواحدة والى احرار العالم كله نتجه بهذا النداء لتأييد طلائع العاصفة في كفاحنا الثوري البطولي... واننا نعاهد شعبنا ان نظل على العهد ولن نلقي السلاح الفلسطيني حتى تتحرر فلسطين وتعود إلى مكانها الطبيعي في قلب الامة العربية.
عاشت امتنا العربية
عاشت فلسطيننا حرة عربية".(10)
هوامش
1) الكتاب السنوي 1964
مؤسسة الدراسات الفلسطينية ص3
2) المصدر السابق ص4
3) المصدر السابق ص5
4) المصدر السابق ص70-71
5) المصدر السابق ص73
6) خليل الوزير ابو جهاد البدايات ص99
7) محمود عباس ابو مازن... ثورة المستحيل مخطوط ص6
8) المصدر السابق ص7
9) خليل الوزير مصدر سابق ص90
10) الوثائق الفلسطينية العربية العام 1965
جمع وتحرير د. منذر عنبتاوي ص201
يتبع