في ذكرى النكبة والكارثة
الاضراب الفلسطيني العام
4


كشفت احداث عام 1933 عن وجود تصميم متصاعد لدى الفلسطينيين لمواجهة الهجرة اليهودية المتزايدة، فقد عمت الأحداث والمظاهرات والاصطدامات مدن فلسطين، وهذا ما دل على عمق المشاعر العربية ضد سياسة الوطن القومي اليهودي، وبرهنت هذه الأحداث على أن الفلسطينيين مصممون على اللجوء إلى كل ما يحول دون تنفيذ مضمون صك الانتداب، وأن هدفهم الحقيقي هو نيل الاستقلال الوطني.
وهذا ما أدى أيضاً إلى تعزيز الروابط والتعاون بين البريطانيين واليهود، بحيث اتجهت الحكومة البريطانية نحو التجاوب مع المطالب الصهيونية.
كان الشيخ عز الدين القسام، قد هاجر الى حيفا 1921، وبعد انهيار الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي، وبفضل ما كان يتمتع به من ثقافة دينية واسعة وبراعة، استطاع اثناء تجواله في قرى شمال فلسطين، ومن خلال إمامته بالمصلين في مسجد الاستقلال بحيفا، أن يجند 200 رجلاً من الفلاحين الذين كانوا يعملون في حيفا، قام بتحسين احوال معيشتهم، وبدأ يكافح الأمية في صفوفهم. وفي سرية تامة بدأ يجمع التبرعات لابتياع كميات صغيرة من الاسلحة، استعداداً للقيام بثورة ضد الحكومة الانجليزية، التي اعتبرها الحامية الحقيقية للصهيونية في فلسطين. وما أن حل شهر تشرين الثاني من عام 1935، حتى كانت الظروف مهيأة لاعلان الثورة، امام تواصل وصول المهاجرين اليهود الى فلسطين، وتزايد الاستفزازات الصهيونية، والفاشيين الصهاينة، ضد القوى العربية. في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني، من العام نفسه، توجه القسام الى ضواحي جنين، لدعوة الفلاحين في تلك المنطقة، الا انهم قبل ان يتمكنوا من تعميم دعوتهم، فاجأتهم قوات من الجيش والبوليس البريطاني، وقامت بضرب حصار حول المنطقة، وفي التاسع عشر من تشرين ثاني 1935، خاض المجاهدون بقيادة القسام معركة مواجهة مع القوات البريطانية في غابة يعبد، أدت الى استشهاده واثنين من رجالاته، والى أسر خمسة آخرين، بينما اختفى الباقون في الجبال.
وقد كان لاستشهاد القسام أثر عميق في فلسطين كلها، انعكس على المسرح السياسي الفلسطيني، ثم اصبحت نبراساً أضاء للفلسطينيين الطريق الوحيد الذي بقى أمامهم ليسلكوه في مقاومة استيلاء الصهيونيين على البلاد، بعد أن سقطت الطروحات السياسية بشأن انشاء المجلس التشريعي الفلسطيني.
كان التوتر بين العرب واليهود يزداد حدة، منذ خريف عام 1935، وعمت الاضطرابات والصدامات بين العرب واليهود، والهجمات اليهودية على العمال الفلسطينيين في مناطق متعددة من البلاد. وفي غضون الاشتباكات تلك، أصيب عشرات العرب بجروح، وأحرق اليهود الكثير من المنازل العربية. وكان الرد الفلسطيني، بادئ الأمر، عفوياً عنيفاً في جميع مناطق البلاد. ثم شكلت لجان قوية عربية في مختلف المدن الفلسطينية. وتشكل جهاز خاص للإشراف على الاضراب العام، بالاضافة الى لجان لرعاية شؤون المحتاجين، وجمع التبرعات وتصدير الصناعات والمنتجات الوطنية، حتى يتمكن الشعب من مواصلة الاضراب العام، وتحمل المتاعب والمشاق الناجمة عن ذلك.
في الخامس والعشرين من نيسان 1936، شكلت اللجنة العربية العليا، وعهدت رئاستها الى الحاج أمين الحسيني. وأعلنت اللجنة تمسكها بمطالبها الوطنية المتمثلة في:
1. منع الهجرة اليهودية .
2. تأليف حكومة وطنية.
3. تشكيل مجلس تمثيلي.


وتوالى انعقاد المؤتمرات واللجان الوطنية، التي رفعت من وتيرة مطالبها، ولعب النساء والطلاب دوراً رئيسياً في رفع الروح المعنوية لدى الشعب، وفي مشاركتهم في مجالات الاغاثة والاسعافات الطبية والقيام بالخدمات الوطنية الأخرى. وزادت حوادث الاصطدام بالبوليس من حدة شعور العرب بالمرارة نحو الحكومة، فنظم الشباب العرب الحرس الوطني في محاولة جادة لتقوية الروح المعنوية لدى الشعب والدفاع عن المخازن والسكان خلال الاضراب الطويل الأمد.
وقد اتخذ التعبير عن السخط في الريف عدم دفع الضرائب واللجوء الى المواقف العنيفة، فقد اعلن في الاجتماعات القروية التي عقدت في المناطق المتعددة عن انضمامهم الى حركة الاضراب، حيث غدا الضروري مواصلة النضال ضد الحكومة البريطانية، حتى يتم تحقيق الأهداف السياسية.
في الثامن عشر من أيار، أعلنت الحكومة برنامجاً جديداً للهجرة، يسمح بموجبه استقبال 45000 مهاجر، خلال الأشهر الستة التالية، الأمر الذي زاد من حدة التحدي الفلسطيني للبريطانيين. وعندما أعلن في مجلس العموم البريطاني، قرار تعيين لجنة ملكية للتحقيق في أسباب الاضطرابات في فلسطين - واشترط لبدء عملها - توقف الإضراب وعودة الحالة الطبيعية إلى البلاد. استمر الفلسطينيون بمواصلة الإضراب، حتى تحقيق مطالبهم.
وفي الثالث والعشرين من أيار، تم إلقاء القبض على 61 مناضلاً فلسطينياً من المشرفين على تنظيم الإضراب، وكان بعد ذلك أن هرع المتظاهرون إلى الشوارع، حيث أطلق البوليس النار على المتظاهرين، فقتل وجرح عدداً منهم. فتحول الإضراب السلمي إلى ثورة كاملة.
وعلى الرغم من أن المقاومة المسلحة، كانت في الدرجة الأولى، ثورة فلاحين، إلا أنها لم تكن مقصورة على قطاع الفلاحين، بل امتدت إلى كل المدن الفلسطينية، التي كانت شوارعها تشكل قلاعاً حصينة، تطلق منها النيران ضد القوات البريطانية، وكانت هناك عمليات نشطة للقناصة العرب في جميع المدن والقرى، وكان هدف هذه العمليات هو مراكز البوليس والجيش.
ولم تُجدِ الإجراءات التأديبية وتعديل أنظمة الطوارئ، التي اتخذها العسكريون البريطانيون نفعاً، أمام اشتداد غارات الثوار الفلسطينيين، الذين تحولوا من زمر يتراوح عدد الواحدة منها ما بين 15 إلى 20 رجلاً، إلى مجموعات يتراوح عدد الواحدة منها ما بين 50 إلى 70 رجلاً. فقد زاد ذلك من تصميم الشعب الفلسطيني على مواصلة الإضراب، وامتداد المقاومة المسلحة، بحيث صارت تشمل كل أنحاء البلاد، وأخذت العمليات العسكرية، تتجه تدريجياً إلى عمليات منظمة، تنطلق من تشكيلات عسكرية، يقودها مخططون عسكريون وقادة ميدانيون، يجدون كل الدعم من فدائيين يمارسون حياة عادية، وينجزون مهام عسكرية محددة بناء على طلب قيادتهم.
وهذا ما جعل الحكومة البريطانية، تحاول البحث عن طريق آخر، لتهدئة الأوضاع الملتهبة في فلسطين، وسعت إلى وسائل لفك الإضراب العام وإضعاف الثورة المسلحة.

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست