الهيمنة الامريكية ونهاية المستقبل


لقد نجح نتنياهو بشكل او بآخر في عملية تجديد شباب الحركة الصهيونية، العنصرية العدوانية، بعد ان تنكر لكل الاتفاقيات والعهود والمواثيق التي وقعتها الحكومة الاسرائيلية السابقة مع م. ت. ف. وهو بمحاولته وضع حد قاطع لمستقبل الشعب العربي الفلسطيني ولحقوقه التاريخية والانسانية المشروعة، بما فيها حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. فانه بذلك يقرر نهاية المستقبل الفلسطيني في ظل الهيمنة الاسرائيلية على منطقة الشرق الاوسط.
وحيث ان الهيمنة الاسرائيلية في منطقة الشرق الاوسط هي الامتداد الطبيعي للهيمنة الامريكية في العالم. فان كلينتون، وعلى الرغم من عدم انسجامه الشخصي مع نتنياهو، الا انهما يشكلان وجهين لعملة واحدة تغزو العالم كالدولار، لفرض الهيمنة الامريكية ونظام القطب الواحد. هذا من جهة، ولفرض نهاية مستقبل العالم الديمقراطي الحر الذي يقوم على اساس حقوق الانسان من جهة اخرى.
ان ساحة الصراع الاساسية التي يمارس عليها نتنياهو سياسته التدميرية هي فلسطين. وتتمركز ادواته الاساسية في المقولات الصهيونية البالية التي تنطلق من اسس تلمودية خرافية، تحت عناوين شعب الله المختار وارض الميعاد بما يلغي حق وجود الشعب الفلسطيني وارض فلسطين، ويعطي الحق للمغتصب الصهيوني ان يطلق غول الاستيطان الزاحف باعتباره حق صهيوني. ويتوقف عن تنفيذ اعادة الانتشار والانسحاب باعتباره منافياً لخرافة ارض الميعاد وارض اسرائيل. ويكرس تهويد القدس ويشرد اهلها الفلسطينيين باعتبارها العاصمة الابدية لدولة اسرائيل. ويرسم حدوده كما يشاء ملغياً بذلك كل قضايا الحل النهائي للاتفاقيات المبرمة بين م.ت.ف. والحكومة الاسرائيلية، والتي ضمنها ووقعها الرئيس كلينتون في البيت الابيض الى جانب روسيا واليابان والمجموعة الاوروبية ومصر والاردن.
اما ساحة الصراع الاساسية للرئيس كلينتون فهي العراق. وهي ليست ساحة طارئة او اختارها كلينتون نفسه. وانما هي ساحة صراع ورثها عن سلفه بوش الذي شن ضدها حرباً حضارية وعالمية، وحشد ضدها تحالفاً ثلاثينياً ضمن مخطط شامل، كان يستهدف فرض سيطرته الكاملة وهيمنته الشاملة على العراق لتصبح مقدرات الوطن العراقي كله في ايدي الامريكان، من خلال تنصيب حكومة عملاء تتيح له نهب الثروات النفطية والطبيعية، ولتكون اعادة بناء ما تدمره الحرب مهمة اقتصادية امريكية. لقد مني بوش بهزيمة عدم القدرة على تحقيق الهدف الذي شن الحرب من اجله. فلم يكن شعار تحرير الكويت هو الهاجس الذي سيطر على عقلية بوش، وانما كان تدمير العراق واخضاعه والقضاء على النظام فيه هو الهدف الذي لم يتحقق.
واليوم نرى الحشود الامريكية البريطانية تتكدس من جديد، دون القدرة على اعطاء مبرر واحد للعدوان المرسوم. وحين يحاول الامريكان والبريطانيون اعطاء المبررات التي تنطلق من امتلاك العراق لقدرات تصنيع اسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيماوية والتي كما اعلن رئيس وزراء بريطانيا تكفي لتدمير العالم. فان الاقدام على ضرب العراق لتدمير هذه الاسلحة المخزنة او مصانع انتاجها كما ينوهون او يدعون، هي عدوان صارخ ليس ضد العراق فحسب وانما ضد العالم بأسره الذي سيتضرر حتماً لو ان مثل هذه الاسلحة لها وجود. ومع يقيننا بعدم وجود هكذا اسلحة فاننا ندرك ان المخطط الامريكي يقوم على الركائز التالية:
1) استفزاز العراق بقضايا الكرامة والسيادة التي تدفعه لعدم الاذعان لشروط امريكا التي تهدف الى خلق ذريعة واهية تبرر عدوانها، ولهذا جاء التركيز مؤخراً حول قصور الرئاسة. ولقد جاء الرد العراقي الواعي طبيعة المؤامرة بما يسد الذرائع في وجه الامريكان ويحول بينهم وبين قدرتهم على الحشد للعدوان دون مبررات.
2) الاستفادة من سيل المعلومات حول وضع العراق الذاتي والذي هيأته فرق التفتيش، التي هي في الحقيقة فرق تجسس، بحيث تستطيع ضرب المفاصل الاساسية التي تربط المجتمع بالحزب وبالحكومة وبما يتيح نشر الفوضى.
3) وكما كان الهدف الذي لم يحققه عدوان 1991 فان الهدف الراهن يركز على بغداد وفرض حكومة عميلة تقوم باعلان الاستسلام ووضع البلاد ومقدراتها في ايدي الغزاة الامريكان.
4) بهذا تؤكد امريكا سيطرتها الحقيقية على بترول العالم كله. وبهذا تحقق احلام واوهام الرئيس بوش في اقامة نظام عالمي جديد. حيث لا احد يستطيع ان يقول لا للسياسة الامريكية المهيمنة المتغطرسة.
هكذا هي مخططات العدوان على العراق وعلى فلسطين، وهكذا يبدو وجه نتنياهو الملاصق لوجه كلينتون وما بينهما من امثال دينس روس، ومارتن انديك واولبرايت وكوهين. وياللصدفة كلهم يهود صهاينة. الا يعني هذا شيئاً لنا نحن العرب ونحن المسلمين. ان سيطرة حفنة من البشر، يعتقدون انهم من طينة خاصة اختارها الله لتكون سيدة العالم يعني نهاية مستقبل شعوب العالم تحت عقدة التفوق، عقدة النازية الجديدة. والعرق الآري العنصري الجديد. انها نهاية مستقبل امريكا نفسها. النهاية التي حذر منها الرئيس الامريكي بنجامين فرانكلين عام 1789، حيث حذر من هجرة اليهود الى امريكا باعداد كبيرة وطالب وقفها باسم القانون واصفاً اليهود بأنهم، اذا ما سمح لهم بالدخول الى امريكا فانهم سيسطروا على مقدرات البلاد خلال مائة عام. واذا لم يوضع لهم حد منذ الان فانهم بعد مائتي سنة سيتحكمون بالشعب الامريكي الذي يتحول الى عبيد في خدمتهم، وهم خلف مكاتبهم يفركون اصابعهم ويلعبون بمقدرات العالم. اليست نبوءة فرانكلين هي الواقع الذي تجسده الادارة الامريكية هذه الايام. انها لم تكتمل بعد. ولا يجوز ان تكتمل لا بد من فضحها. ومن التصدي لها، ليس في امريكا فحسب وانما في العالم باسره. في روسيا الجديدة التي بدأت تثير بوادر عصر حرب باردة من جديد. وهي في فرنسا الكاثوليكية التي تشكل بسقوط ال (WASP) العرق الانجلوساكسوني (البروتستانتي) ما يهدد أوروبا بأسرها الى التبعية والخضوع. وهي في الصين واليابان. وبعد كل ذلك في عالمنا العربي. وعالمنا الاسلامي حيث ساحة الصراع الاساسية. نحن العرب والمسلمين بيدنا يكمن قدر العالم كله، وان لم نمسك قدرنا بأنفسنا فان الله والعالم كل العالم سيلعننا الى ابد الابدين.
ترتفع شعارات الحكمة. وتسقط على مسامع ياسر عرفات وصدام حسين كالرعود. الاذعان للهيمنة الاسرائيلية. والاذعان للهيمنة الامريكية القبول بالفتات الذي يلقيه نتنياهو من اجل البقاء. وكأن الكرامة اصبحت بدون معنى، وكما يأبى الموقف الفلسطيني ان يخلط بين الحكمة والاذعان، فانه وكما في العراق ينطلق من ثوابت حكمة الكرامة، وواقعية المرونة السياسية والصلابة المبدئية التي تسد الذرائع وتحترم الشرائع، وتفتح آفاق المستقبل لضمان استمراره بالاتجاه الصحيح.
لقد استطاعت فلسطين ان تحشد معها العالم باستثناء امريكا ومكرونيزيا في مواجهة المخططات الصهيونية، واستطاع العراق ان يفتت ويشتت الحلف الثلاثيني الذي شن عليه الحرب الحضارية عام 1991. ولم يبق مع امريكا عملياً سوى بريطانيا التي تندفع في غيها بالحقد وغريزة العدوان. أما البقايا فهم ضحايا الخوف وسبايا الرشوة. وهؤلاء مثل مكرونيزيا غطاء لا يستر عورة البيت الابيض.
هل تم استبعاد احتمال العدوان الامريكي على العراق بعد ان التجأ الى حكمة الكرامة بعيداً عن تهور الاذعان؟ ان التراكم الايجابي الذي يحققه العراق اليوم في وجه الازمة التي افتعلتها امريكا معه، والتي تدعي انها ازمة بين العراق ومجلس الامن. نجد كيف تتحلل الى عناصرها لكي تعلن ثلاثة دول من مجلس الامن وهي تشكل الاغلبية، روسيا، فرنسا،الصين. مقابل امريكا وبريطانيا. بأنها ضد استخدام القوة وضرورة التمسك بالحل الدبلوماسي. والاهم ان هذه الدول الثلاث لا تسلم بأن لامريكا الحق باستخدام القوة تحت غطاء الشرعية الدولية بناء على قرار عدوان 1991. فاليوم غير البارحة. ومبررات قرار مجلس الامن عام 1991 بالاحداث التي نتجت في حينه. بعد دخول الجيش العراقي الى الكويت، تختلف كلياً وتسد الذرائع كلها في وجه غريزة العدوان الامريكي والحقد البريطاني اللذان يتحرشان بالعراق تحرش الذئب بالحمل.
وحين ينطلق شعبنا الفلسطيني بمسيراته ومظاهراته رافضاً العدوان على العراق، مطالباً بانهاء الحصار الظالم الجائر ضد شعب العراق الصامد. فانه منطلق بذلك من رفضه للحصار الظالم المفروض على شعبنا الفلسطيني. وللعدوان الظالم الذي تمارسه جرافات الاستيطان وفتحه الطرق الالتفافية. ان استنفار نتنياهو ضد الموقف الفلسطيني المساند لصمود العراق هو التعبير الصهيوني الواضح عن ترابط العدوان على العراق بالعدوان على فلسطين. وترابط نهج الهيمنة الامريكية الاسرائيلية مع هدف تدمير مستقبل الشعب الفلسطيني والشعب العراقي. وما يعنيه ذلك من تدمير مستقبل الامة العربية والاسلامية بأسرها.
ان وقفة الصمود الفلسطينية مع العراق هي وقفة مع الذات تماماً، كما هي وقفة وصمود الشعب العراقي مع فلسطين ومع قضية الامة العربية والاسلامية. ان الشمولية والديمومة والعدالة التي هي مقومات السلام في الشرق الاوسط، لابد ان تنسحب بشكل شامل ودائم لتغطي ساحة الوطن العربي والاسلامي في وقوفه الراسخ مع ساحتي الصراع التي اختارها الصهاينة والامبرياليون في فلسطين والعراق. وان وقفة شعوب وحكومات الوطن العربي مع العراق اليوم هي وقفة مع ذاتهم ومع مستقبلهم الذي تهدده الهيمنة الامريكية الصهيونية بالانقراض. فليكن وقوفنا صفاً واحداً ضد العدوان على العراق. ومع رفع الحصار الظالم حتى ينطلق العراق من حصاره عملاقاً مع امته العربية، لتصبح فلسطين الحرة المستقلة اقرب، وليصبح مستقبل الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير حقيقة راسخة على ارض الواقع.


وانها لثورة حتى النصر

تغذية راجعة الصفحة الرئيسة الفهرست