بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الاخ ابو يوسف النجار عضو اللجنة المركزية لحركة فتح .
في صباح هذا اليوم السبت .. الرابع والعشرين من يوليو ( تموز ) 1971 قضى رجل ورحل الى جوار ربه ، بنفس مطمئنة ، رحل عنا الأخ المجاهد ممدوح صيدم ( أبو صبري ) بعد شهور مريرة ، قضاها في مصارعة مرض مفاجئ ألم به ، في هذا اليوم ، افتقدت الثورة الفلسطينية ، وافتقدت حركة التحرير الفلسطيني ” فتح ” والقيادة العامة لقوات العاصفة عضوا من أعضائها ، وقائدا من قاداتها. وكان منذ أسست حركة فتح رائداً من روادها وقادتها .. ناضل بشبابه منذ نعومة أظفاره ، حيث وافته المنية وهو في ريعان الشباب. إن أبا صبري الذي لم يكن يعرف للراحة طعما ، وكان التحرق والشوق للقاء ربه شهيدا على التراب الغالي المقدس .. أعز أمانيه .. ولم يترك مكانا في داخل التراب الحبيب إلا وخطاه مسرعا طالبا الشهادة ، فاشترك في عدة دوريات مقاتلة ودخل الأرض المحتلة بعد الاحتلال الأسود عام 1967 مع رفيقيه ابي عمار ، وابي اياد. ولكن تأبى مشيئة الله ، ولا راد لمشيئته ، إلا أن يموت ، ولم تتحقق له الشهادة على التراب الحبيب. أيها الأخ .. مع خالد بن الوليد ، ومع الصديقين .. والشهداء والصالحين .. وحسن أولئك رفيقا . كلمة نتوجه بها الى روحك الطاهرة ، وأنت في جوار ربك … وأنت اليوم تلتقي مع إخوتك الذين خضبوا بدمائهم تراب وطننا الغالي بل وخضبوا كل رقعة في عالمنا العربي بدمائهم الزكية دفاعا عن شرف الأمة ، ودفاعا عن الثورة المقدامة ، التي لم تركع ولم تجبن ، وسنظل على ما اتفقنا عليه ، يا أعز رفيق نقاتل في كل واد ، وفوق كل ربوة ، حتى يتحقق لنا النصر أو الشهادة ، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ، ويومئذ نلقاك وقد قمنا بالأمانة التي تعاهدنا عليها ، فباسمي ، وباسم أخي ابا اياد ،ونحن معاً، في هذه اللحظة الحرجة في القاهرة ، وعواصم عربية أخرى ، لنقول لامتنا العربية قفي باسم الشهداء ، وباسم الأبطال وقفة شرف ورجولة ، وباسم اللجنة المركزية لحركة فتح نضرع إلى الله أن ينزل عليك شآبيب رحمته ، وأن يسكنك فسيح جناته .

لمحات من حياة البطل :
واليوم ومع مرور الساعات والأيام على الاستشهاد فإن روح أبو صبري تكبر وتكبر في جسم كل واحد منا ، إن فقداننا لابي صبري من بين الصفوف ، لا يعني نسياننا لكلمات أبو صبري ، فسنبقى على العهد الذي قطعناه وأبو صبري على أنفسنا ، في الاستمرار في الدرب الطويل ، حتى يتحقق لأبي صبري ما أراده ، وما كان يحلم به ، وهو التحرير .
ولد الشهيد عام 1940 في بلدة عاقر قضاء الرملة وفي عام 1958 هاجر من عاقر الى المجدل ثم الى غزة ، واستقر مع أهله في مخيم النصيرات ، وقد عاش منذ بداية حياته كما يعيش الآلاف من أبناء شعبنا الفلسطيني المشرد ، ولاقى كما لاقوا من الجوع والعذاب والآلام ، وقد تلقى دراسته الابتدائية والإعدادية بمدرسة النصيرات الإعدادية لوكالة الغوث ، وفي هذه الفترة بدا أبو صبري يتحسس الآلام اليومية بنفسه ، حيث فقد والدته وهو في عامه الثاني عشر ، وأخذ يصارع نكبات الدهر بنفسه ، وبدأ يشعر بضرورة الاعتماد على نفسه ، وساعده في ذلك ، شعوره باستقلالية شخصية وهو صغير ، كانت مشاريعه كثيرة منها الاشتراك بالرحلات والنوادي .. والكشافه .
وقد التحق بمدرسة خالد بن الوليد الثانوية ، وقضى فيها ثلاثة أعوام كان يحظى فيها بحب رفاقه وأصدقائه ، ومدرسيه، لما كان يتحلى به من سجايا الوفاء والصدق في جميع تصرفاته في مدرسة خالد ، وكانت له نشاطات سياسية كثيرة ، حيث اشترك بمظاهرات عديدة .
في عام 1956 تعرض لتعذيب وحشي من قبل السلطات الصهيونية أمام والده الذي اعتقل معه كذلك بمعسكرات التجمع التي أعدها العدو .

ومع الأيام ، وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية بدأت أفكاره تكبر وإحساسه بالحقد والكراهية للعدو الإسرائيلي ينمو ويزداد في أعماقه ، مما دفعه في مدرسة خالد بن الوليد الثانوية الى الإقبال على التدريبات العسكرية القاسية مماّ أهله للاشتراك بمناورات عسكرية للطلاب كان فيها مثال الشباب المؤمن بوطنه وقضيته . بعد إنهاء دراسته الثانوية ، كانت أعز أمانيه وأكبر آماله أن يلتحق بالكلية العسكرية بالجمهورية العربية المتحدة ، ولكن لظروف معينة لم يتمكن من تحقيق أمله فالتحق بجامعة الإسكندرية - قسم الجغرافيا - ولكنه لم يكن ليهتم بدراسته قدر اهتمامه بقضايا شعيه ، وكم كان إعجابه شديدا بأبناء شعبه الذين كانوا بمعسكرات التدريب في رفح وخان يونس وغزة في جامعة الإسكندرية اشترك بالمؤتمرات الطلابية كرئيس طلبة فلسطين ( فرع الإسكندرية ) .
وسافر أبو صبري الى الجزائر بعد إنهاء دراسته حيث عين مدرسا في مدينة البليدة - ولمدة قصيرة - وبعدها ترك العمل كمدرس ، وتفرغ للعمل في مكتب فلسطين بالجزائر حيث كلف بشؤون البعثة الثقافية والتعليمية والطلابية للشباب الفلسطيني هناك ، واجهته مشاكل كثيرة ، لكنه تغلب عليها ، وكانت له نشاطات سياسية وتنظيمية وعسكرية للشباب الفلسطيني حيث رافقه في هذا الميدان الكثير من الاخوة الثوار . كان مثالا للفداء والنضال والقدوة الحسنة لأبناء شعبه .
شارك في عدة دورات عسكرية وأشرف على تخريج دفعات من الضباط الفلسطينيين من الكليات العسكرية بالجزائر ثم التحق بالعمل العسكري على أرض فلسطين مع رفاقه الثوار عام 1964 ، بعد أن سلم مكتب فلسطين لمنظمة التحرير الفلسطينية .
شارك في بناء قوات العاصفة قاعدة ، قاعدة ، مجموعة. وسهر الليالي الطوال باذلا الجهد والعرق والصحة في عملية البناء الشاق الطويل حتى باتت بصمات القائد الشهيد ، على كل المنشآت العسكرية ، وعلى كل قاعدة. وليس غريبا أن يكون لدى شهيدنا البطل ، الخبرة والدراية في الأعمال العسكرية ، حيث أنه حصل على دراسته العسكرية في الكليات الحربية الجزائرية ، ثم أنهى دورة عسكرية في كلية نانكين العسكرية في الصين ، وعندما وقعت كارثة الخامس من حزيران ، التحق الأخ أبو صبري بإخوانه الثوار في الأرض المحتلة ، تلبية لنداء الواجب حيث خاض على أثرها عدة معارك ضارية .. وقاسية .. وعنيفة في الضفة الغربية . ولعل أبرز هذه المعارك ، معركة بيت فوريك ، التي قادها وشارك في تنفيذها ،، وكان رحمه الله نائبا للقائد العام لقوات العاصفة لشؤون العمليات القتالية . وتولى خلال معارك أيلول الدامية قيادة القوات الفلسطينية في منطقة عجلون وجرش .
ومن الجدير بالذكر انه ترأس وشارك عدة وفود للثورة الى الصين والاتحاد السوفيتي وعدد من الدول الأخرى لشرح القضية الفلسطينية .
هذا هو أبو صبري ، هذا هو شهيدنا ، شهيد جيل الثورة … شهيد المسيرة الطويلة ، فعهدا لك يا أبا صبري أن تكون روحك وأعمالك العظيمة خير هاد ومرشد لنا .

* * *
من المعارك التي قادها القائد الشهيد أبو صبري
في معركة بيت فوريك واجهت مجموعة صغيرة من ثوارنا الدبابات وطائرات الهليكوبتر والمئات من جنود العدو.
في ليلة 27/ 8/ 1967 عقدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح واحداً من أخطر اجتماعاتها حيث قررت أن تبدأ الانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية ولم يكن هذا القرار مفاجأة أو أنه تم بدون تمهيد، فعلى امتداد شهرين كاملين كان ثوارنا في الأرض المحتلة، يقومون بتجهيزأنفسهم وبناء قواعدهم وتزويدها بالأسلحة، الأسلحة التي كانت تنقل بصعوبة بالغة عبر الأراضي الأردنية، وكثيراً من هذه الدوريات كانت تتعرض للقتل والاعتقال، وعلى الرغم من ذلك مضى الرجال نحو الأرض المحتلة يستعدون لساعة الانطلاق.
وحين أخذت قيادة الثورة قرارها التاريخي بالانطلاقة الثانية كانت تهدف الى تحقيق عدة غايات هامة ابرزها :-
* أولاً: انتشال النفسية العربية من حالة اليأس التي كانت تعيشها بعد هزيمة حزيران. ومنحها الثقة بقدرة شعبنا وأمتنا على الارتفاع فوق الهزائم مهما بدت كبيرة، لتبدأ من جديد في قتال العدو.
* ثانياً: كسر غطرسة العدو الصهيوني الذي اعتقد أنه حقق هزيمة ساحقة ونهائية على الأمة العربية.
* ثالثاً :تحريك جماهيرنا في الأرض المحتلة من خلال الكفاح المسلح للعمل على رفض الاحتلال ومن أجل الالتفاف حول الثورة في حرب شعبية عارمة.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف كان لابد من العمل على ما يلي:
أولاً_ العمل العسكري السريع لانتشال الحالة النفسية لجماهيرنا والأمة العربية.
ثانياً_ أن يكون العمل العسكري فاعلاً ومؤثراً.
وحتى تتمكن الثورة من الوصول الى هذا الهدف، دفعت بخيرة كوادرها الى الأرض المحتلة من أجل قيادة هذه العمليات، وكان من أبرز هؤلاء الكوادر الشهيد القائد أبو صبري الذي توجه الى منطقة نابلس لقيادة عملياتها.
وهناك تقرر أن تخوض إحدى مجموعاتنا في بيت فوريك معركة بطولية مهما كانت خسائرنا النسبية فيها إلا أنها تحقق بالنتيجة الأهداف التي خططت الثورة لتحقيقها.
كانت قوات الاحتلال الصهيوني بعد الانطلاقة الثانية لفتح في 27/ 8/ 1967 تقوم بعملية تمشيط كاملة في الأرض المحتلة، وقد قررت القيادة العسكرية للثورة في منطقة نابلس سحب أكبر عدد من القوات الصهيونية الى كمين محكم يوقع بها خسائر كبيرة، وقد وقعت قوات العدو في الفخ المنصوب لها، حيث استعدت المجموعة لوصولها حيث خاضت معها معها معركة كبيرة أوقعت بها خسائر فادحة. وكان الشهيد المناضل أبو صبري من بين المجموعة التي قررت أن تخوض المعركة، وكان القرار يعني الاستشهاد، غير أن ضراوة المعركة التي خاضتها هذه المجموعة أدخلت البلبلة والارتباك بين صفوف العدو مما مكن عدد من أفراد المجموعة من الانسحاب، ومواصلة العمليات في الليلة نفسها ضد أهداف العدو في المنطقة وهذا هو النص الكامل للبلاغ العسكري الذي صدر حول هذه العملية:

بلاغ عسكري رقم “”58″”
صادر عن القيادة العامة
لقوات العاصفة
على درب الفداء والتضحية تمضي مواكب البطولة في مسيرتها لتنسج بدماء الشهداء الطاهرة فجر شعبنا وأمتنا، وقد قامت قواتنا العاملة في أرضنا المحتلة بما يلي:
أولاً: اشتبكت عدة مجموعات من مناضلينا مع قوات ضخمة للعدو خلال إحدى حملات التمشيط المستمرة لإرهاب شعبنا ومحاولة ملاحقة قواتنا في الأرض المحتلة.
ففي الساعة السادسة إلا ربعاً من صباح الخميس 7/12/1967 بدأ العدو ينشر قواته في محاولة لضرب طوق حول المنطقة التي تشمل قرى بيت فوريك، وبيت دجن، وعزون، وعقربه شرقي مدينة نابلس، وقد تحركت لتمشيط هذه القرى أرتال كبيرة من الدبابات والآليات نصف المجزرة بينما كانت طائرات الهليوكبتر تقذف الى المنطقة بأعداد كبيرة من جنود المظلات الى جانب قوات الأمن وحرس الحدود، وقد نشبت معارك ضارية بين عدد من مجموعاتنا والقوات المهاجمة بعد أن فاجأ رجالنا قوات المظلات بنيران رشاشاتهم وقنابلهم اليدوية في أكثر من موقع مما أدى الى وقوع عشرات القتلى والجرحى وإسقاط طائرة هليوكبتر محملة بالجنود.
وقد أمطر العدو المنطقة بنيرانه الكثيفة تساندها المدفعية الثقيلة بينما واجه أبطالنا العدو بأسلحتهم الرشاشة والمتوسطة ومدافع البازوكا، وقد صمد المناضلون أمام هذه القوى بكل شجاعة واستطاعوا خلال معركة استمرت أكثر من خمس ساعات متوالية أن يشقوا طريقهم خارج منطقة الطوق المزدوج وقد سقط أول شهيدين في الساعة الأولى من المعركة وهما الشهيدان البطلان: سعيد عريفة… محمد خير خرطبيل.
وقد أعطب رجالنا للعدو عدة آليات كما تمكنوا من إبادة عدد كبير من جنوده بينما سقط أربعة’ آخرون من مناضلينا شهداء في أرض المعركة في ساعاتها الأخيرة وهم الشهداء: خالد جميل أبو سويد ومصطفى محمد بخيت ووليد أحمد زامل وغازي نايف غبن.
بعد أن نسج كل شهيد ملحمة بطولية خالدة جعلت الأعداء يصبون نار حقدهم على جثث الأبطال الستة بالتمثيل فيها وتمزيقها بالرصاص الحاقد.
ثانياً: قامت مجموعات من قواتنا بعد انسحابها بشن هجمات ليلية خاطفة مساء ذلك اليوم على عدد من مواقع العدو حول المنطقة نجحت خلالها في جر عدد كبير من قواته الى مناطق أخرى حيث أوقعتها في كمائن نصبها رجالنا على الطريق تم فيها القضاء على مجموعات أخرى من قوات العدو وتدمير أربع آليات مع سيارة حاملة للمصابيح الكاشفة.

عاشت فلسطين حرة عربية. . .
عاشت وحدة النضال لشعبنا العربي البطل . . .
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار. .