شهادات

حديث من الذاكرة عن
* أبو صبري*
شهادة الاخت ام جهاد عضو اللجنة المركزية لحركة ( فتح ) .
* التقيت بالشهيد أبو صبري في الجزائر في بداية سنة 1964 بعد وصوله ضمن البعثة التعليمية التي أوفدت من شباب فلسطين الى الجزائر، كان اللقاء في مكتب الحركة الذي كان في بداية عمله.
* المجموعة كان من بينها أبو صبري، أبو العبد العكلوك، خميس كلاب، إبراهيم أبو النجا، أبو علي إياد { وليد النمر } أبو مروان المغـرب
{ وجيه حسن } الجلسة كانت في المكتب بحضور أبو جهاد والحديث كان عن أوضاع شعبنا في الوطن وعن فتح وتنظيمها وحركتها وكيفية البدء في العمل التنظيمي وتشكيل لجنة إقليم الجزائر.
* أبو صبري عمل في التعليم فترة بسيطة، ثم انتدب للعمل في المكتب مسؤول عن البعثة التعليمية وكان يتقاضى مرتبه من وزارة التعليم الجزائرية.
* وبعد ذلك قام بمهمة على رأس وفد الى غزة للمشاركة في معرض وللعمل التنظيمي.
* شارك على رأس مجموعة في معسكر شرشال للتدريب العسكري الى جانب مهامه التنظيمية وكان يقوم بالتنقل بين الولايات في الجزائر ويعقد ندوات ويشارك في جميع المناسبات الفلسطينية والجزائرية التي تتعلق بالشعب الفلسطيني والجزائري.
* بعد عودته من المهمة الأولى في الوطن كلف بمهمة في بداية سنة 1965 الى سورية حيث التقى بالعديد من مسئولي الحركة ومع أبو عمار وأبو جهاد، ونسق مع البعض في الجيش السوري، ثم قررت اللجنة المركزية انتدابه من الموقع في الجزائر ليتفرغ من مرتب التعليم الى الحركة فكان من أوائل المتفرغين للحركة من اللجنة المركزية وكان ذلك القرار لشهامة أبو صبري فهو مناضلاً وقائداً، واستطاع منذ البداية إثبات إخلاصه وتفانيه في العمل والعطاء للوطن، شارك أبو صبري في العديد من العمليات العسكرية داخل الأرض المحتلة وساهم بالجهد الكبير في بناء القواعد الارتكازية الأولى للثورة في الأردن والداخل، وكان مثالاً للمناضل الشجاع حيث خاض معارك ضاربة ضد العدو وأشهر تلك المعارك التي قادها من العمق { بيت فوريك }، بعد أحداث 1967 كان ينقل السلاح على كتفه وكان ينتقل مع المجموعات من مغارة الى مغارة ومن جبل الى جبل ومن موقع الى موقع، كان الاشتباك في بيت فوريك طويلاً مع العدو ومعركة بطولة استشهد فيها بعض الأخوة والذين عادوا يشهدون بذلك، وبعد انتهاء المعركة اختفى ومن معه ليستكمل مهامه في الداخل وليكمل التزامه.
* في المؤتمر الأول في الزبداني اختير أبو صبري عضواً للجنة المركزية وعضواً للقيادة العامة لقوات العاصفة، وكذلك الشهيد أبو علي إياد، الاثنان كانوا من بين الأربعة القيادة العامة لقوات العاصفة أبو عمار، أبو جهاد، أبو صبري، أبو علي إياد.
* استلم المهام العديدة، منها العمل العسكري أولاً، أبو صبري من أوائل من فكروا بالقواعد الارتكازية على حدود فلسطين في الأردن ونفذ ذلك، كان دائماً في الخطوط الأمامية المتقدمة يقضي كل وقته مع المقاتلين وبينهم، كانوا جميعهم يعتزون به ويفتخرون بشجاعته وعطاءاته وتفانيه في العمل، كان مقداماً لا يعرف الخوف ولا التردد.

مرحلة السجون السورية
* اعتقل أبو صبري ضمن القيادة الفتحوية التي اعتقلت في سورية سنة 1966 عندما حاولت الاستخبارات السورية أن تستولي على حركة فتح من داخلها من خلال بعض الأشخاص لضرب الثورة الفلسطينية منذ البداية وخاصة حركتنا فتح. والمشكلة معروفة للجميع.
* كان على أثر ذلك قتل محمد حشمة ويوسف عرابي والأزمة كانت مفتعلة عندما كلف يوسف عرابي بالاستيلاء على الحركة بدلاً من
الأخ / ياسر عرفات، وعرابي هو أحد ضباط حزب البعث العربي الاشتراكي وكان لديه قرار بذلك، وعندما دخل المنزل. لتنفيذ ما كلف به كان بعض الأخوة في اللجنة المركزية خارج المنزل وفي تلك اللحظة تهجم عرابي على أ[و عمار وعلى بعض الأخوة حيث كان في المنزل أبو عمار، أبو صبري، أبو علي إياد، أبو العبد العكلوك، أبو يحيى { مجدي } ووليد أبو شعبان ومجموعة من أبناء فتح وكان البعض يحضر العشاء حينما دخل عرابي البيت وبدأ بالاستفزاز وتلامس مع محمد حشمة فأطلق النار عليه، وفي نفس اللحظة أطلق محمد حشمة وهو مصاب النار من مسدسه على يوسف عرابي، وفي نفس اللحظة أيضاً صادف ذلك دخول عبد المجيد زغموط الذي اتهم وعلى أثر ذلك اعتقل ومازال في السجون السورية الى يومنا هذا.
بعد ذلك تم اعتقال أبو عمار وأبو جهاد وأبو صبري وأبو علي إياد وأبو العبد العكلوك ومجدي ووليد أبو شعبان والعديد من الأخوة الحركيين.
* بعد خروجهم من السجن أبو عمار وأبو صبري تم اعتقالهم مرة أخرى وهم في طريقهم الى لبنان وكان معهم أبو علي إياد.
* من أبرز المعارك التي خاضها أبو صبري وكانت ملحمة حيث أنزل فيها خسائر فادحة هي عملية بيت فوريك في نهاية عام 1967 حيث قاد العملية ومعه مجموعة واستشهد البعض وما زال البعض حياً، كانت العملية مفاجئة للجميع من حيث التخطيط والتنفيذ وحجم الخسائر من الطرف الثاني.
* أبو صبري كان مسئولاً وقائداً للساحة الأردنية ومعه أبو جهاد قائداً للداخل.
* خاض أبو صبري معارك كثيرة وشديدة أثناء وجوده في الأردن وخاصة معركة الكرامة ومعركة غور الصافي وطوباس والعديد… ومعركة عام 1970.
* استطاع أن يشد الكثير من القيادات العسكرية الأردنية للثورة الفلسطينية.
* كان أول من نسق مع الشهيد /العميد سعد صايل وكان على علاقة كبيرة معه ومع أبو المعتصم، والأخ/ مشهور حديثة والقوى الوطنية الأردنية والفلسطينية.
* كان مسؤولاً عن القوات الفلسطينية في الأحراش.
* كان مسؤولاً عن القوات بعد الانسحاب من عمان الى عجلون وأسس غرفة عمليات عجلون التي استشهد فيها الأخ/ أبو علي إياد .

بسم الله الرحمن الرحيم
مشهور حديثه يتذكر :-
أبو صبري . القائد الميداني

في الوقت الذي كنت فيه منغمساً في عملية أعادة تنظيم الفرقة الأولى التي توليت أعادة تنظيمها بعد اندحار الجيش وانسحابه من فلسطين ، انتشرت في منطقة الأغوار ظاهرة الشباب الذين يحملون السلاح ويدخلون الى الأراضي المحتلة تحت شعار تحرير فلسطين ، وقد طلبت من قادة الألوية أن يحضروا لي أحد هؤلاء الشباب للتعرف على هويتهم ومقاصدهم . وكان أول لقاء لي مع المرحوم أبو صبري . ذلك الشاب الأسمر ، المتين البنية الذي قابلني بكل ثقة واعتزاز بنفسه وبالعمل الذي يقوم به . وقد جلسنا سوياً وتحدثنا بصراحة حيث قلت له : أننا الآن في مرحلة إعادة تنظيم فلول الجيش المنسحب . ولا نريد اشتباكات .
وقد لفت انتباهي ذلك الارتباط الشديد العميق الواثق بين أبو صبري وفلسطين . ولمست روح الاستعداد للتضحية التي كنا نفتقدها في قواتنا . ورغم انتمائي الى مدرسة التحرير بالحرب النظامية إلا أن مشاعري تجاه ظاهرة الكفاح المسلح والعمل الفدائي هزت مشاعري من الأعماق . هذه الظاهرة العجيبة جعلتني أغوص في الرحلات الميدانية وتكثيف الاتصالات مع الأخ أبو صبري و الأخوان الذين كانوا معه. كثيرون لاأعرفهم ولا أعرف أسماءهم . وقد طلبت من جلالة الملك حسين أن يقابل الشباب . وقد تمت مقابلة جلالة الملك مع أبو صبري في مقر قيادتي وبحضوري . وقد تحدث الأخ أبو صبري حديثاً بليغاً وحاسماً بالنسبة لقضية فلسطين وتاريخها ونضالها . وأكد أن الشباب الذين يحملون السلاح لهم هدف واحد هو تحرير فلسطين ، ووضع قضيتها ومصيرها على جدول أعمال التاريخ المعاصر .
ومرفوض من قبل الشباب أي إساءة أو سوء علاقة مع الأردن الذي يعتبر الظهير الأساسي للحركة الفدائية . وأذكر أن جلالة الملك خرج مسروراً من هذا اللقاء . وقال لي أن هؤلاء الناس هم فدائيون حقيقيون علينا أن ندعمهم . وتوثقت العلاقة بيني وبين أبو صبري . بعد فترة عمل أبو صبري أجتماعاً بيني وبين أبو عمار . وقد تعرفنا على بعضنا من خلال ذلك اللقاء . كان أبو عمار في الميدان وكثير التجوال داخل الأغوار ولكنه كان قليل الظهور . كان أبو صبري هو حلقة الوصل وهو الوجه الذي نعرفه لأنهم كانوا لا يزالون يخشون الاعتداء عليهم من أعداء الثورة والمتآمرين .
وبعد اللقاء الأول قلت لجلالة الملك هذه يا جلالة الملك هي صورة المناضل العربي الفلسطيني الذي يعمل لتحرير فلسطين . هؤلاء الناس هم مقدمو أرواحهم للتضحية من أجل شعب فلسطين وقضية فلسطين . وما علينا إلا أن نساعدهم قدر الإمكان . وبدأنا فعلاً بالتعاون الوثيق والتنسيق بالنسبة للمراكز والمعلومات التي تأتينا عن العدو . وخاصة الحشود الإسرائيلية تجاهنا . وتعمقت الصلة على مدى أشهر حرجة تدخل بعدها أصحاب النوايا السيئة بتصريحاتهم ضد تواجد الفدائيين في الأغوار واعتبار ذلك انتقاصاً من هيبة الأردن وسيادته التي تتنافى مع حمل هؤلاء للسلاح على أرضه . وقد وصلت بعض تصريحات المغرضين أن وصفوا الفدائيين بنفس الوصف الذي يطلقه عليهم العدو الصهيوني وهو المخربين
ولكننا لم نيأس . وعمقنا الثقة والعلاقة على الأرض واستمرت العلاقة تتقوى وتتقوى الى ما قبل أحداث 1968 وهي المرحلة التي سبقت معركة الكرامة . وقد تم التنسيق بيني وبينهم في الميدان . وكان هذا ضمن اختصاصي وواجبي الميداني بوصفي قائداً للميدان في تلك الجبهة ولا يحتاج ذلك الى أذن أو توجيه من أحد خاصة وأنني كانسان وطني مطلوب منه تحرير الأرض العربية المقدسة والدفاع عن الأردن من أي اعتداء على أرضه وسيادته .
وهنا أتذكر أنه عندما وضحت الصورة أمامنا بأن معركة الكرامة لا بد قادمة ، وأن الهجوم وشيك يستهدفنا جميعاً ولكن هدفه الأساسي هو القضاء على الحركة الفدائية وهي في مهدها . فتم تنسيق بيننا بحيث أننا وضعنا مناطق تواجد الفدائيين ضمن المناطق التي يتوجب حمايتها وضمن انتشار نيران المدفعية وحركة الدبابات . إلا أن أبو عمار ، أخونا أبو عمار تجاوز الحدود وتمركز في منطقة الكرامة في بؤرة الخطر خلافاً لما تم التنسيق عليه معه وكان ذلك حباً منه للتصادم مع اليهود والقتال وجهاًً لوجه وهذا ما حدث حيث صمد في قلب الكرامة ومع أبو عمار كل المجموعة القيادية بما فيهم أبو أياد وأبو صبري . أولئك الرجال. كانوا هم في المقدمة في الأمام يقاتلون مع جنودهم مع عناصرهم وهذه للتاريخ ليذكر أنهم كانوا جنوداً للتضحية والفداء
طبعاً خلال ذلك الوقت كان عندي ضمن الفرقة الأولى المرحوم العميد أبو الوليد سعد صايل . كان رحمه الله قائداً لامعاً في مجال هندسة الميدان للفرقة الأولى . وكنت أعرف مشاعره الوطنية الحادة . وكان ينتمي الى الروح التحريرية لفلسطين . وقد كنت أحافظ عليه وأدعمه وأساعده . وكان معي دائماً في كل تنسيق مع أبو صبري والاخوة بحيث وضعت الطاقات الهندسية لصالح المهمة العظيمة . وكان يتمتع بروح عظيمة في الفداء وفي القتال وقد كان المنسق الأساسي وضابط الاتصال الكفؤ مع أبو صبري
لقد قطعنا شهوراً من التوتر الى أن حدثت معركة الكرامة وخرجنا بما خرجنا به والحمد لله على الرغم من الضحايا التي قدمتها حركة فتح الفدائية والجيش . ولكن الحقيقة التي يجب أن تقال أن الفدائيين وحركة فتح الفدائية كما أذكر قامت بأعمال جريئة ومتفوقة رغم ظروفها الصعبة وهي أعمال تستحق التقدير وقد أدت الى النتائج العظيمة التي أحرزتها معركة الكرامة . لقد واجهوا قوة كبيرة جداً وهي تتجه عليهم بهدف سحقهم . كانت قوة الجيش الإسرائيلي وأسطورة الجيش الذي لا يقهر ، قوة مدججة بالسلاح والدروع والدبابات وطائرات الهيلوكبتر . إلا أن تصميمهم وأصطدامهم بجرأة مع هذه القوة الفاتحة أثبتت للعالم كله . ولكل مشكك أن هذا النوع من الرجال المسلحين إنما أتوا ليحرروا أرضهم . وأذكر هنا أنني قلت لجلالة الملك حسين بعد اجتماعه الأول مع أبو صبري قلت له .. هؤلاء يا جلالة الملك هم قادة فلسطين . فتساءل مستفسراً .. ماذا ؟ قلت هؤلاء هم قادة فلسطين المستقبل وليس الذين تعرفهم . أبو عمار وأبو صبري وأخوانهم هم قادة فلسطين المستقبل . وقد تأكد ذلك بعد معركة الكرامة وقلت لجلالة الملك ها هم قادة فلسطين هؤلاء .. فهز رأسه بالإيجاب والموافقة .
وهنا لا بد أن أؤكد شيئاً خارقاً حصل في معركة الكرامة فالعرف العسكري لا يسمح للجندي المنسحب أو الهارب أو المهزوم أن يعود للقتال مرة ثانية دون الأعداد اللازم . وقد عاكسنا كل القوانين والمقولات بحيث قاتل الجندي الخارج من الخندق من فلسطين والمنسحب بسبب الهزيمة ، فأعدنا الثقة في نفوس جنودنا وضباطنا وأنفسنا . وقد كان نفس الموضوع هو الذي يشغل بال أبو عمار وأبو صبري وإخوانهم حيث أنهم عاكسوا كل مقولات وقوانين حرب العصابات وصمدوا في معركة التحدي ليثبتوا للعالم أن إرادة القتال والأنسان المؤمن بحتمية النصر وبالأستعداد للتضحية هما العامل الحاسم في المعارك الفاصلة
لقد أثبتت معركة الكرامة أيضاً أن التكامل بين الحرب النظامية وحرب الشعب أمر جوهري إذا ما أحسن التنسيق وحسنت النوايا . ورغم كل ما حصل منذ معركة الكرامة وحتى الآن فان تنبىءُ الذي قلته لجلالة الملك عام 1968 بأن هؤلاء الفدائيين هم قادة فلسطين فان تنبؤي أصبح حقيقة . وعلى الرغم من فقداننا لعدد كبير من الأعزاء الأبطال والرموز ومن بينهم الشهيد أبو صبري فأن الرسالة التي استشهد أبو صبري من أجلها لا زالت تحظى بالعهد والقسم من أحرار وشرفاء الأمة العربية والعالم .
وأريد هنا أن أسجل واقعة حصلت أثناء لقاء جلالة الملك مع الرئيس عبد الناصر بحضوري . حيث كان الرئيس عبد الناصر يدعم الحركة الفدائية على الرغم من إساءة بعض الفصائل إليه . وبعد أن استمع الى وجهة النظر الأردنية التي وضحت له كل شيء على الأرض، قال الرئيس عبد الناصر تعالوا معي لنقابل الأولاد . كان حشداً جماهيرياً يهتف “معاك يا عبد الناصر ، قاتل أحنا معاك ، قاتل قاتل .. احنا معاك .. ”
قال عبد الناصر ” الشعب العربي رافض للاستسلام وهذه الحركة الفدائية هي جزء من نضال العرب ويا جلالة الملك أنت في أرض أيوب ونحن في أرض أيوب خلينا نكسب شويّة صبر من أيوب ”
رحم الله الشهيد أبو صبري ، ورحم الله كل الشهداء ، وألهمنا وذويهم الصبر والسلوان .

الشهيد أبو صبري
حديث : صلاح التعمري
حقيقة أن هناك ناس بينشالوا من الذاكرة بعد السلام عليهم وبعد أن تودعهم على الباب وهنالك ناس في غيابهم عنك يبقى حضورهم مستمر معك ويبقى هذا الحضور مرافقك طول حياتك الى أن تلتقي بهم في العالم الآخر.
* أبو صبري من النوع الثاني من هؤلاء الناس، عندما أفكر في أبو صبري أذكر ذلك القائد الفذ الشجاع المندفع بلا حدود للعطاء بدون أي تردد، كان مقدام وكان قائداً بمعنى الكلمة كان لا يهدأ ليلاً نهاراً من جبل الى جبل ومن قاعدة الى قاعدة أذكر حنوه، رغم صغر سنه إلا أنه كان حنوناً ورغم ضخامته وجدية تعابير وجهه إلا أنه كان كالأب لا يهدأ إلا ليطمئن على أبنائه المقاتلين ويتأكد أن الوضع على ما يرام لا يأكل إلا إذا تأكد أن الجميع أمن أكله ويتقاسم اللقمة بينه وبين من معه.
* أذكر دائماً أربعة أحداث أول مرة قابلته فيها كانت في طريق سنة 1967 عندما كان راجع من عملية بيت فوريك وكانت تلك مرحلة العمل السري. وكنا لا نعرف بعض حيث كنت من بين مجموعة جديدة انضممنا للتدريب في معسكر الهامة إحدى ضواحي مدينة دمشق حيث جاء علينا أبو صبري وكان يرتدي كما أذكر أفرول غامق ونظرت له من بعيد وهو يتجول، فعلاً كانت ملامح القائد عليه ونفس المسئولية وسألت عن هذا الأخ فمن حولي كانوا يعرفوه قالوا هو الأخ أبو صبري، كان وقتها عائد من عملية بيت فوريك فهي ملحمة تاريخية لم أعرف عنها إلا بعد ولم أعرف أنه هو الذي كان قائد العملية التي تعتبر من أكبر العمليات العسكرية وكان أبو صبري على رأس المجموعة ممن نفذوا ذلك.
* أذكر أنني عندما قابلته لم أرتاح في بداية الأمر فملامح أبو صبري وتكشيرته وبنيته وصلابته لا تجعلك ترتاح له في أول ما تقابله، حملت له ذلك الانطباع طوال فترة التدريب مع أنه كان يأتي الى الهامة في فترات متباعدة.
بعد أن أنهينا تدريبنا في معسكر الهامة انتقلنا الى الأردن ومن سورية الى الأردن صعد معنا أبو صبري في السيارة لنقطع الحدود السورية الأردنية عبر منطقة الحمرا، كنا نلبس اللباس العراقي وأبو صبري كذلك جميعنا الخمسة في سيارة صغيرة عسكرية وكنا متوجهين للغور وحسب التخطيط علينا أن نقطع النهر في اليوم التالي.
بطريقة مازحة أخرجت من جيبي بعض النقود ( فكة) فقلت للأخ/ أبو صبري وجدت هذه في جيبي خذها يا أبو صبري !!! أخذها مني وهو يضحك ويمزح، ولأول مرة تغيرت الفكرة القاسية والانطباع الذي حملته عنه تغير وترك الأثر الإيجابي لذلك الإنسان المتواضع الخجول وتحولت تلك الفكرة، فهذا رجل يختلف عن ما حملته له كله تواضع وحنان كالأب اللطيف بكلماته وطيبته ووداعته.
* نزلنا الى الكرامة. وعلينا أن نقطع النهر حسب الخطة، الوقت هو أول الشتاء وشتاء تلك المنطقة قاسٍ وبارد والأمطار كثيرة والنهر معطل وما حول النهر وحل وطين والخبرة العسكرية محدودة والنهر مسيطر عليه من قبل العدو، وكان يستخدم الخدعة ليقع بالمقاتلين.
كانت الدورية مكونة من [ صلاح التعمري، وليم نصار، وحمدي، ومأمون، وأسعد، وأبو محمد، وأبو إبراهيم، ويوسف، وكان معنا أبو صبري الذي لا يرتاح إلا ليوصل أبناؤه المقاتلين وهو معهم ويطمئن على دخولهم ويبقى على الطرف الثاني مع مجموعة الحماية ينتظر عودتهم يوم أو يومين أو أكثر ليرتاح باله.
المنطقة كلها ربوة من الطين ونظرنا الى الخلف تأخر أبو صبري ما هو المشكل وأذ بأبي صبري غرزت رجله في الطين وحاول نشلها إلا أنها خرجت بدون البوت فقلنا له كيف ستعمل قال مش مشكلة.
* قطعنا النهر في تلك الليلة واشتبكنا مع العدو في سهل العوجة واختفى منا إثنان ونحن راجعين، عندما وصلنا كانت دورية الحماية غير موجودة، وكانت دورية الحماية من الحاج إسماعيل وموسى عرفات والشهيد وديع عبد اللطيف والشهيد أمين ريان، كان ذلك آخر يوم في رمضان سنة 1967 وصلنا الكرامة وانتبه علينا بعض المزارعين الذين كانوا عيون في المنطقة فأرسلوا لأبو صبري وكان في بيت أحدهم واسمه محمد تيم، استقبلنا أبو صبري استقبال الأب لأبنائه وأخذ ينشف فينا بالمنشفة وجميعنا يضحك وفرحان بسلامة العودة وقلنا لأبو صبري وين أنتم تركتونا فضحك أبو صبري تلك الضحكة الرجولية التي لا تخلوا بنغمة الخجل ( عندما شاهدنا النار بتصب عليكم قلنا الله يعوض استشهدوا الأبطال… عدنا).
* بعد لحظة ولع أبو صبري بابور الكاز وتحول ذلك الإنسان الضخم المتجهم، الصلب كالجبل يبدو متأفق فوق السطح كجبل من الشوك ولكنه عكس ذلك تماماً، في داخله أحاسيس وعواطف لا توصف بشكل آخر من الرقة والحنان، والأبوة، تحولت صورته في داخلي وارتسم شكل آخر لأبو صبري فاختزنت بذاكرتي وذهني ولن تنسى له تلك الصورة ولن ينسى ذلك القائد الإنسان.
* أحببت كل شيء من حولنا الجبل والعشب والنهر والسلام والليل والنهار لم يعد أي شيء في المدن يجذبنا الوقت كله بين الجبال في تلك القواعد التي حفرناها بأيدينا كنا كالعائلة الواحدة عندما يغيب فرد ينشغل الكل عليه حتى يعود.
جلسنا نوصف ماذا حدث معنا ولأول مرة نرى الموت بشكل حقيقي، استدرك أبو صبري إحساسنا وبدأ يقول الحمد لله على سلامتكم كل مرة بسلامة ( ياما نفقد على الطريق ) الطريق طويل واحنا اخترنا طريقنا، سرح أبو صبري وكنا ندرك في ماذا يفكر، تركنا وقام وهو مشغول بالتفكير على المفقودين، اتجه الى النهر ولم يهدأ الى أن عاد بهم بعد أن وجدهم ضائعين بين الجبال.
* بعد ذلك حادثة أخرى ولكنها عائلية تخص أبو صبري الذي كان وقته بين المقاتلين والقواعد، كنت معه ذاهبين من الكرك الى عمان وكان ينفخ ومنرفز وسألته مالك يا أبو صبري اليوم على ما يبدو بتفكر كثير فقال ستحضر بنت عمي من غزة وبدهم يجوزوني يا خوي وأنا مش ناقصني غلبة، قال ذلك وهو يمزح ولكني كنت أعرف أنه كرس نفسه للعمل والنضال ولا يفكر بالزواج فكان الأمر محير بالنسبة له .
* أبو صبري لا يرتاح إلا إذا شارك في كل شيء لا فرق بينه وبين أي عنصر يبني القاعدة مع العناصر يوزع الطعام بيده يسهر على المجموعات لا يرتاح له بال إلا إذا عادت المجموعة بعد تنفيذ المهمة. يحنو على الضعيف ويشعر به، وقته كله للعمل لا ينام إلا بعض الوقت وأحياناً لا يعرف النوم وتمر الأيام أحيانا بدون طعام وهو يتنقل من مكان لمكان.
* أذكر موقف آخر يؤكد على تواضعه وشعوره بالمسئولية دون تمييز، جاءت لنا شحنة من السلاح أعتقد من الصين وأذكر تماماً كان معنا ونحن ننزل الصناديق يحمل الصندوق على كتفه.
* خسارة أبو صبري كانت مؤلمة لنا جميعاً لأن أبو صبري نموذج البطل هو وأبو علي نمط آخر من الرجال الذين يتميزون بعمق المسئولية عندهم العمل السياسي التزام، والعمل الوطني التزام خلقي ومبدئي لم يبالغوا، ولم يناوروا واقعيين لا يحبون الزيف غير متظاهرين غير مزيفين للحقيقة هم أزكياء ولا يدعون التزاكي.
ينظرون لسياسة لا للكذب وتشويه الحقيقة.
* خسارتنا لتلك الحقيقة هي خسارة لنهج كان أساس الطهر الوطني والعطاء بلا حدود، الوطن أولاً وأخيراً.
لم تكن الرتب في ذلك الوقت مقياساً ولم يكن أصلاً العمل النضالي والتفاني والتسابق للمشاركة في العملية هي تقييم للإنسان، لم يطرح في أذهان رجال تلك المرحلة رتب ولا مراتب.
* يقول صلاح كنت أكثر المقاتلين احتكاكاً بأبو صبري وأبو عمار وأبو جهاد، الكرامة أنا أعرف من هم رجال معركة الكرامة، بعض المدعين أنا أنزلتهم في بيت آخر قرية الكرامة.
* التواجد بيننا في الكرامة كان لأبو صبري أولاً، وأبو علي إياد، وأبو جهاد، أما الأخ / أبو عمار فكان ناطق رسميّ للحركة.
* كان أبو صبري الأكثر تواجداً وتنقلاً بين القواعد التي كانت تحمل أسماء الشباب قاعدة الإستنبولي، وقاعدة الغفوري وقاعدة الشهيد خالد.
* أبو صبري كان أول من نسق مع الجيش الأردني من الغور أذكر تماماً قبل الكرامة ب36 ساعة كنت معه عندما ذهب هو وأحمد جبريل.
* أبو صبري هو الذي كان يتنقل بين قواعدنا وينسق مع الجيش الأردني.
* بعد معارك أيلول سنة 1970، انتقل أبو صبري الى عجلون ودبين وأسس غرفة عمليات ورتب الوضع من جديد.
*يقول صلاح{ إياك أن تناقش دور أبو صبري أو أن تطلب إثباتاً لدوره، النقاش حول أبو صبري هو تقليل من قيمة دوره، أبو صبري كان قائداً قائداً موجوداً دائماً وعلى أعلى دور من المسئولية}.
الذين كانوا في تلك الفترة هم مجموعة من المثقفين المناضلين لابسين الكاكي فقط أهم صنعة لهم أنهم لبوا نداء الوطن عن قناعة ومبدأ، لم يكن هناك ما يغريهم ولا رتب تدفعهم ولا محسوبية توصلهم للوطن، وبالوطن كان إيمانهم وللوطن كان نضالهم.
* أبو صبري هو أرسى أسس اختيار القائد، لأن القائد المسئول عندما يقطع النهر وهذا كان أصعب شيء، كان يؤكد مدى صدقه ووطنيته.
* يقول صلاح : {{ هناك قادة رأيتهم أكثر من أبو صبري ولكني لم أعد أذكرهم، بينما أبو صبري في الذاكرة دائماً، الى أن نلتقي.

الأخ ممدوح صبري صيدم
شهادة الاخ زكريا عبد الرحيم ( ابو يحيى ) عضو المجلس الثوري لحركة فتح .
عرفته في العام 1965 بعد أن غادر الجزائر وجاء الى بيروت حيث استقر بها أسابيع قليلة ثم غادرها الى دمشق.
كان الشهيد أبو جهاد قد أطلق عليه اسم جواد وهو فعلاً جواد… فقد كان كريم الأخلاق طيب القلب، بشوشاً، خجولاً وكان شجاعاً.
وقد بانت شجاعته في معركة مواجهة مسلحة مع قوات العدو الصهيوني في 7/ 6 /1967،في بيت فوريك.
كانت ليلة سعيدة بالنسبة لي، فقد كنت وخطيبتي نحتفل بعقد قراننا في منزل الأخ/ أبو اللطف في دمشق، وكانت الأخت الفاضلة /أم اللطف تضع مأكولات شهية على الطاولة حين دق الجرس ودخل أحد الأخوة واقترب يقول لنا ” رحم الله الشهداء والحمد لله على سلامة جواد ” وقبل أن نستوضحه أبلغنا أن معركة مسلحة عنيفة حصلت بين مجموعة لنا يقودها الأخ/ جواد وتضم سبعة من خيرة فدائيينا المدربين أحسن تدريب وبين الجيش الإسرائيلي وقد استشهد الأخوة السبعة بعد أن أوقعوا بالعدو خسائر فادحة وأظهروا شجاعة نادرة مما جعل الضابط اليهودي يؤدي لهم التحية العسكرية قبل أن يهيل عليهم جنوده التراب.
وقد أقر الأخ / جواد بهذه الواقعة بعد عودته الى دمشق.
كان رحمه الله منذ أن استقر في دمشق في أواخر عام 1965 كالنحلة لا يهدأ يتنقل بين مكان للتدريب هنا واجتماع للفدائيين هناك، وبتعليمات الأخ / أبو عمار يتحرك مع الفدائيين كي يعبروا الأرض المحتلة لتنفيذ الخطة المطلوبة ضد أهداف عسكرية صهيونية. وكان الشهيد/ أبو عرب (يوسف عرابي) يرافقه أحياناً في هذه المهمات.
ومن هنا أقام الشهيد أبو صبري علاقات نضالية حميمة مع الفدائيين.
وأذكره يوم استشهد الشهيد أبو عرب وتم توقيفه مع إخوة قياديين كان الأخ/ أبوعمار على رأسهم، وبعد البراءة تم اختياره
والأخ/ أبوعلي إياد رحمه الله عضوين في اللجنة المركزية لحركة فتح، وكان هذا في تموز 1966.
كما أنه والأخ الشهيد أبو الهول ذهبا مع مجموعة مقاتلة أثناء الغزو الإسرائيلي في حزيران 67 الى المرتفعات السورية المواجهة للأرض الفلسطينية المحتلة للدفاع وطرد العدو عن الأرض العربية.
ثم ساهم الأخ/ أبو صبري مع آخرين من الكوادر القيادية وبقيادة
الأخ/ أبو عمار في بناء القواعد الارتكازية والمتنقلة على امتداد الاغوار وخاصة في بلدة الكرامة التي اتخذت مقراً للقيادة والتي دخلت التاريخ يوم وقوفها الباسل المشرف في وجه الغزو العسكري الصهيوني يوم 21/3/1968م.
وقد كان الأخ/ أبو صبري في الكرامة حينئذ مع اخوانه في اللجنة المركزية ومنهم ابو اللطف ، ابواياد،والاخ ابو عمار، وعندما أردوا أن يأخذوا أماكن للتصدي لهذا الغزو أصر الأخ / أبو عمار القائد العام أن يغادروا الكرامة ( حتى لا تكون الخسارة فادحة لو حصلت ) وأن يبقى لوحده مع الإخوة المقاتلين في القواعد، وأمرني أن أتوجه معهم أيضاً… فسرت بصحبة الأخوين أبو اللطف وأبو صبري ومعنا بعض الإخوة المقاتلين باتجاه المرتفعات وفي سيرنا صادفنا طائرة هليوكبتر إسرائيلية تحط فوق مرتفع قريب لا يبعد عنا أكثر من مائتي متر وقد نزل منها جنود إسرائيليون مسلحون وفي لحظات عاودوا الركوب في المروحية وتوجهوا بها ناحية السهل الممتد أمام نهر الأردن حيث توجد قواتهم.
وأما الأخ أبو إياد ومعه الأخ أبو حلمي الصباريني فقد طلبت من الأخ جهاد أقرب المساعدين لي ومعه بعض الإخوة المقاتلين مصاحبتهما عبر المرتفعات حتى السلط.
ثم عادت لنا الكرامة وبقي الأخ / أبو صبري يصول ويجول في كل مواقع القتال على امتدادها من إربد حتى الجنوب الأردني مروراً بدير علا والكريمة وغور الصافي ومعان.
وفي تلك المرحلة أصبح الأخ/ أبو صبري عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة الى جانب الأخ / أبو جهاد وبقيادة الأخ / أبو عمار، وكانت مرحلة ذهبية معطاءة أكدت التفاف الشعب الفلسطيني حول حركة فتح.
وفي تلك المرحلة التأم المؤتمر العام الثاني للحركة تموز_ 1968 وكان المؤتمر العام الأول قد حصل في تموز _1967 وفي المؤتمر الأول أضيف الأخ/ عبد الفتاح حمود لعضوية اللجنة المركزية، وفي المؤتمر الثاني تمت الموافقة على اعتبار الأخوين أبو عمار وأبو جهاد عضوين مدى الحياة في اللجنة المركزية بصفتهما مؤسسين للحركة.
ومن المفيد أن أذكر أننا لم نعتمد إسلوب الانتخابات المباشرة في انتخاب أعضاء اللجنة المركزية سواء في المؤتمر الأول أو الثاني .. وأما الانتخابات كوسيلة ديمقراطية فقد أقرها المؤتمر العام الثالث ووقتها كان الأخ/ أبو صبري قد فارق الحياة وصعد الى الرفيق الأعلى.. رحمه الله وعزاؤنا أن نردد من جديد له ولكل الشهداء العهد بأن تستمر الثورة حتى التحرير وتحقيق أهداف شعبنا الوطنية.

أبو يحيى
23/ 1/ 1993
الشهيد القائد / ممدوح صبري صيدم
أبو صبري
شهادة العميد ابراهيم ابو النجا ( ابو وائل ) عضو المجلس التشريعي.
الحديث عن الشهداء ليس كالحديث عن مسألة أو قضية أو واقعة معينة أو شخص عادي.
والكتابة عن الشهداء ليست تدوين حدث أو قصة أو تغطية لمشهد، لأن الشهداء والشهداء الفلسطينيين بوجه محدد للحديث عنهم والكتابة عن حياتهم وقع خاص، ولغة خاصة وأسلوب متميز.
وعندما يكون الموضوع المطروح كتابة وتدوين تاريخ الشهيد القائد / أبو صبري رحمه الله، يقف المرء طويلاً: ترى من أين يبدأ وأي محطات يذكر، وأشفق على نفسي وعلى كل أخ يطرق باب الكتابة عن شهيد كشهيدنا أبو صبري لأنه لا يملك إلا أن يكتب وفي نفس الوقت يعيش أزمة ضمير حقيقية لأنه سيغفل غير متعمد بعض الجوانب وبالتأكيد فهي مهمة لأن حياة الشهيد كلها مهمة.
أستميح شهيدنا القائد رحمه الله عذراً إذا لم أستطع أن آتي على كل التفاصيل وأعد أختي المناضلة أم صبري ونجليها الحبيبين صبري ونسرين، أن أبرز ما أسعفتني الذاكرة على تدوينه، وليغفر لنا شهيدنا جميعاً خطيئتنا في تأخرنا الى هذا الوقت عن كتابة تراثه الذي شكل لكل المناضلين قوة دفع عند الشدائد واليأس، ومنارة وطنية بفضلها اهتدى الرجال، الرجال وهم يخوضون أشرس العمليات في عمق العدو ولتطهير أرض الوطن الحبيب من دنسه وعودة شعبه إليه.
لم يكن عطاء شهيدنا المتعدد الجوانب ولم تكن مدرسته النضالية والقتالية والقيادية والريادية إلا ترجمة وتعبيراً عن حجم القضية واستحقاقاتها. كيف لا وهو ابن المخيم. كيف لا وهو ابن المدرسة التي حملت اسم القائد العسكري المسلم خالد بن الوليد.
ذكره أستاذه الشهيد القائد صلاح خلف ” أبو أياد ” مدرسه في ذات الثانوية. ذكر خصاله وصفاته حين رثاه في استشهاده والألم يعتصر فؤاده، كيف أودع اليوم إبناً وأخاً وزميلاً وصديقاً وقائداً ورفيق خندق متقدم.
لم يكن شهيدنا طالباً عادياً في ثانوية خالد بن الوليد، فقد كانت اهتماماته مختلفة اختلافاً كلياً عن اهتمامات بقية زملائه، وكانت له مفاجآت كثيرة حيث كان يجعل من كل مادة من المواد مدخلاً للحديث عن الهم الفلسطيني رغم أن ذلك كان يزعج بعض الأساتذة لانه يتطرق الى السياسة وهذا ما لم يكن مسموحاً به، وقد لفت نظره أكثر من مرة ووصل الامر الى حد إنذاره بالطرد من الثانوية، ولكنه لم يأبه بذلك.
انتفاخ جيوبه لفت نظر زميلين له ذات مرة فدار بينهما الحوار التالي:
يقول أحدهما للآخر: ترى ماذا بجيوب الاخ ممدوح ؟
قال له زميله: وما الذي تراه غريباً يميزها عن جيوبنا ؟
قال الأول: انتفاخها.
قال الثاني: معك حق.
قال الأول: قد تكون ملأى (بالبراشيم ) وهي تلخيص لبعض فصول صعبة من الكتب يستعين بها الطالب أثناء الامتحان.
قال الثاني: ولكن ممدوح ليس بحاجة الى هذه البراشيم فهو متقدم علينا جميعاً وكثيرا ما يستعين به مدرسو كل المواد.
قال الأول: إذن مملوءة بالخبز.
ضحك بل سخر منه زميله الثاني، واتفقا حسماً للخلاف أن يصارحاه بما دار بينهما من حوار. توجها إليه وسألاه : هل تخبئ في جيوبك براشيم أم خبزاً ؟
قهقه رحمه الله وقال : تعالا وانظرا ماذا بجيوبي.
أخرج قصاصات وصوراً وخرائط بعضها يضم إحصائيات عن سكان المخيمات الفلسطينية، وبعضها عن المدن الفلسطينية، وبعضها عن قراري التقسيم وعودة اللاجئين، وبعضها عن مضاعفات وعد بلفور، وبعضها يحوي صوراً عن جبال وتلال ومرتفعات وطننا في الضفة الغربية.
قالا له: طبيعي جداً أن تهتم بالمخيمات واللاجئين والقضية والقرارات ولكن ماذا يعني احتفاظك بخرائط عن مناطق جبلية لم ترها ولن تراها ؟
قال لهما : الجواب ستعرفانه في حينه.
ويلتحق بالجامعة في الإسكندرية، ورغم أن تعاطي السياسة في الجامعة في تلك المرحلة بالذات يشكل خطرا على صاحبه، إلا أنه استطاع أن يحظى بتقدير زملائه مصريين وعرباً وفلسطينيين وكذلك كل الأساتذة.
وكثيراً ما كان يردد سنقضي من عمرنا أربع سنوات، لا أرى طائلاً من ورائها لأنها مضيعة للوقت، ويردف قائلاً: ليت أننا نستطيع استثمارها في عمل عسكري باتجاه الوطن المحتل.
و على الرغم من ذلك فلم ييأس، بل استغلها في الحشد والتعبئة والتنظيم توطئة لاستقطاب عناصر ثورية لتنظيم ” حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح” وهذا ما عرضه الى المساءلة من قبل إدارة الجامعة، واستدعي أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية، وكان رده: أنا لا أتآمر على أمن الدولة، بل أتداول مع الزملاء في قضية شعبي ووطني، الشيء الذي لم تجد الأجهزة الأمنية وإدارة الجامعة والكلية من حل سوى أن تراقبه عن كثب فقط، لأن طرده من الكلية سيضع الكلية في مأزق هي في غنى عنه.
ويتخرج شهيدنا ويراوده تفكيره: الى أين الآن ؟
شهيدنا لم يفكر طويلاً لأنه قرأ الثورة الجزائرية قراءة جيدة واستطاع أن يحظى بمحبة الكثيرين من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وسجل وقفات تضامنية مع ثوار الجزائر سواء كانت في مرحلة الثانوية أو في مرحلة الدراسة الجامعية، ولما ترافق تخرجه في الكلية باستقلال الجزائر فقد وجد عاملاً مشجعاً ودوافع كثيرة تدفعه لأن يتوجه الى الجزائر. وهناك وجد المناخ الملائم للإبداع، وتفتقت ذهنيته عن برامج واعدة، وعن أفكار عظيمة على كل صعيد، سيما وأن هناك طلائع فلسطينية لم يجد صعوبة في استقطابها للتنظيم رغم ارتباط الكثيرين منهم وانخراطهم بتنظيم القوميين العرب والتحرريين،وحزب التحرير وغير ذلك.
ولهذه المرحلة من العمل السياسي والنضالي خصوصيتها وهمومها وأشكالها والشعور بالسعادة وراحة الضمير لأنها البداية الحقيقية والصحيحة بخلاف العمل عبر المراحل السابقة.
كان لا بد من التعبئة الوطنية وتصويب التفكير لدى الكثيرين من الأخوة الفلسطينيين والذين بدأوا يأتون الى الجزائر سواء للدراسة أو للعمل أو للبحث عن المناخ الملائم لانطلاقة الفكر الحبيس داخل النفوس.
ما يعنينا نحن كفلسطينيين يختلف كثيراً عما يعني الآخرين.
فنحن لنا خصوصيتنا وأوجه الشبه كبيرة بين قضيتنا وقضية الأخوة الجزائريين، ومن هنا كان حجم التعاطف كبيراً، ولنا حصتنا من القيادات التي كانت تمارس العمل السياسي والعسكري في الثورة الجزائرية، ولنا مساحة طيبة في نفوس الشعب الجزائري.
شكل ذلك زاداً وزخماً لقضيتنا الفلسطينية، ولشهيدنا دور بارز في ذلك فهو رحمه الله ممن أرسو ووضعوا حجر الأساس في المكان الصحيح. وفي الوقت المناسب. شهيدنا ” أبو صبري ” رحمه الله كان متميزاً في تفكيره الاستراتيجي وفي نظرته للجزائر كنقطة بداية للعمل على كل صعيد بما ينعكس على القضية بالإيجابيات كلها. ويحرص أن نطل كفلسطينيين على الأخوة الجزائريين بكل ما هو واعد ومتميز، وبدأت المادة الإعلامية عبر مجلة فلسطيننا تأخذ حيزاً في عالم الثوار والقراء الجزائريين والفلسطينيين والعرب، فهي ذات خطاب سياسي غير معهود سماعه ولغتها لا يمكن أن يمر عنها الإنسان دون أن نسأل كيف، ومتى، ومن أين نبدأ ؟
كان يأتي الرد من خلال جولاته رحمه الله عبر الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية والتجمعات والندوات والمعارض والاحتفالات، وتنهال بعد ذلك عليه طلبات المتطوعين للقتال في سبيل فلسطين.
وظل متميزاً وطليعياً كعهدنا به .
لما كانت الجزائر تخوض معركة التعريب حرص رحمه الله بعد أن عهد إليه على رأس كوكبة من أبناء الفتح برئاسة أول لجنة تعليمية تضطلع بتوزيع الأخوة المدرسين على قلتهم آنذاك على معظم مدن الجزائر ليكونوا سفراء لفلسطين وشعبها، وأعطى هؤلاء الاخوة أمثلة راقية في عطائهم نتيجة متابعته لهم في أماكن عملهم، وحثهم على أن لا يبخلوا على هذا الشعب الذي لن يكون هناك من في مستوى عطائه للقضية، وتصدق نبوءته رحمه الله، ويعطينا الشعب الجزائري ما لا يمكن لنا أن نحصيه.
لئن كان هذا جزءاً من اهتمامه إلا أن الاهتمام الأكبر والأهم هو التدريب على السلاح، ويفتح الباب أمام هذا المجال مع نائب وزير الدفاع وكبار الضباط في وزارة الدفاع الجزائرية، وهذا طبعاً بالتنسيق مع الأخ/ القائد الشهيد أبو جهاد رحمه الله، وتُكلل المساعي بالنجاح وتأتي الموافقة، وفي صائفة 1964 وفي شهر آب ينطلق معسكر قصر النجاري كقاعدة أولى للعمل العسكري ويلتحق به أبناء فلسطين يقودهم الشهداء الثلاثة أبو علي أياد، وأبو صبري، وأبو جهاد، رحمهم الله.
وتنطبق الآية الكريمة على كوادر وقيادات هذه الدورة:
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا }
صدق الله العظيم.
ويشرف الشهيد القائد بو مدين رحمه الله كوزير للدفاع على حفل التخريج ويقول: الآن أستطيع أن أقول أن فلسطين تسلمها وتسلم قضية شعبها أبناؤها الحقيقيون، الجزائر معكم بكل طاقاتها وإمكاناتها، واعتبروا أن الكليات العسكرية تحت تصرفكم.
ويبدأ التفكير منذ تلك اللحظة بمواصلة الدورات، ويلعب شهيدنا دوراً ناجحاً في الإعداد لأول دورة ضباط العاصفة في كلية شرشال العسكرية،لاولئك الرجال دور بارز ومتقدم فيما بعد في عمليات التدريب لأبناء القواعد والكلية العسكرية، ومنهم من هو منوط به اليوم عمل متقدم في السلطة الوطنية الفلسطينية، في أركان الأمن العام وفروعه.
ولم يكتف شهيدنا رحمه الله بذلك بل حرص أن يفتح آفاقاً مع سفارات الشعوب المناهضة للاستعمار والإمبريالية، والتي تقر بحقوقنا، ولا تعترف بالكيان الصهيوني على أرضنا، وفي مقدمة هذه الدول الصين الشعبية التي كان لشهيدنا دور بارز في التحاق أول دورة عسكرية بكلياتها وكان في أول قيادة عسكرية لقوات العاصفة التي انطلقت ليلة الفاتح من يناير 1965.
وقبل أن يغادر رحمه الله الجزائر حرص أن يطوف ويودع المسئولين الجزائريين من عسكريين وسياسيين. والتفت إلينا قائلاً اللقاء على أرض المعركة أيها الأحبة أبناء وطني _ عهداً أن يستمر نضالنا وكفاحنا حتى تحرير أرضنا.
أعود فأقول : أستميح شهيدنا عذراً عما أغفلت غير متعمد.
السلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيّا.
والسلام عليكم.

الشهيد أبو صبري
من ذاكرة المناضل عبد الفتاح حمايل
بدأت طريقي النضالي وتجربتي في عام 1968 والحديث عن تلك الفترة وخاصة في هذه المرحلة يثير الشجون في النفس ويعيد المرء الى تلك القيم النضالية السامية والإيجابية التي يشعر الإنسان أنه افتقدها في هذه الظروف.
بدأت مسيرتي وكان لي الشرف الكبير أن أتعرف عن قرب بالشهيد القائد أبو صبري الذي كنت أسمع عنه الكثير أثناء دراستي في الكلية العسكرية بالعراق فقد كان أبو صبري يشغل القائد العام لقوات العاصفة وعندما أنهيت دراستي انتقلت للنضال في الساحة الأردنية مع إخواني الفدائيين وبدأت تجربتي في القطاع الأوسط في الأردن وكانت الفرصة أن ألتقي بالأخ القائد / أبو صبري وأتعرف عليه عن قرب وأتعرف على ميزاته وسجاياه وطبيعته المتواضعة وحبه لأبناء شعبه.
أبو صبري كان يمثل القائد الصادق الصامت، والصامد ، كان يتميز بالجدية والمثابرة، ذلك الرجل ترك خلفه قيماً ومبادئ سامية جداً.
أذكر موقفين تركا في نفسي ونفس رفاقي وإخواني أعظم الأثر لتلك الشخصية الفذة التي يتمناها أي شعب كان، وخاصة شعبنا الفلسطيني حيث يجمع من شخصه الثقة للسير خلفه بكل ثقة وإيمان وثقة بالمستقبل.
وكانت هذه تشكل البداية لقفزة نوعية بالعمل المسلح ضد الأهداف الإسرائيلية توجه لنا الأخ القائد/ أبو صبري ليشكل مجموعة فدائية كبيرة قياساً لما كانت تشكل المجموعات حيث كان المطلوب 26 ( ستة وعشرون ) فدائياً لتنفيذ عملية ضخمة ضد أحد المعسكرات الإسرائيلية وهذا الهدف كان في منطقة تسمى تل النجار ولأول مرة كنا نقتحم معسكر بهذا الاتساع وكان المطلوب التنفيذ ليلاً ومن ثم رفع العلم الفلسطيني داخله.
لأول مرة يرافق العمليات الفدائية عدد من الصحفيين حيث رافقنا ثلاثة من مجلة دير شبيغل وكانوا مكلفين بالنزول معنا للهدف وتصوير المعركة تصويراً حياً، وكانت هذه المهمة مميزة فعلاً وقد أخذ التحضير لها ما يقارب الأسبوع وبعد الانتهاء من التجهيز والتخطيط لتلك العملية توجهنا للتنفيذ وكان يرافقنا الأخ/ الشهيد أبو صبري.
وصلنا الى نهر الأردن وبدأنا باجتياز النهر وفوجئنا بالشهيد يجتاز النهر معنا الى المنطقة الغربية وكان من المفروض أن يبقى على الضفة الشرقية ولكننا حرصاً على ذلك القائد الفذ الذي لا يعوض حاولنا أنا وقائد المجموعة وهو سوداني الأصل أن نثني أبو صبري عن النزول معنا إلا أنه أصر ولم نقدر على ثنيه رغم أننا أكدنا له نحن بحاجة له ونحن قادرون على تحقيق الهدف ومعنيون ببقائه بعيداً عن الخطر لأننا مدركون ما يترتب على تلك العملية ولكنه أبي وأصر على النزول الى غرب النهر.
توجهنا الى الهدف، وكان موقع الهدف يبعد عن النهر حوالي كيلومتر واحد وصلنا واقتحمنا المعسكر يرافقنا الصحفيون ودارت معركة عنيفة، ونفذنا العملية ورفعنا العلم الفلسطيني وعندما بدأنا الانسحاب العشوائي بعد أن بدأ القصف الإسرائيلي ينهال علينا من جبال القدس وكذلك نيران الإسناد الفلسطيني تقصف المعسكر وكذلك مدفعية الجيش الأردني توجه نيرانها باتجاه المعسكر، وتحت وابل من القصف بأنواعه فوجئنا بأحد الصحفيين الذين كانوا يرافقونا أصيب في فخذه، فحملناه، وكذلك لم نجد أبو صبري الذي ترك موقعه وتوجه عمقاً ليشارك في المعركة بنفسه، ذلك الموقف لا أنساه لذلك القائد الذي كان دائماً في مقدمة أبنائه وفدائييه وخاصة وهو في ذلك الموقع القيادي الأول الذي لا يعوض.
حادثة أخرى
في بداية 1969 عندما كلفت بالتوجه أنا ومجموعة لتنفيذ عملية في عمق الوطن في منطقة نابلس وكان ذلك آخر لقاء مع الشهيد/ أبو صبري قبل نزولنا بليلة واحدة، جلس معنا ليقدم لنا التوجيهات النهائية، كانت كلماته ومازالت في ذاكرتي عندما توجه لنا بالقول: إنكم الفدائيون أيها الإخوة، تتوجهون الى أرضكم ووطنكم وشعبكم، إنني أعرف كم ان شعبنا كريم، ومعطاء ولكن لا تنسوا كم هو معتز بكم بفدائييه ولكنكم أقوى منه مادياً لأنه محتل وأنتم تعلمون حاجته فأرجو أن لا تأخذوا منه شيء أو هدية وعليكم أن تدبروا كافة احتياجاتكم كاملة.
كانت وصيته غالية جداً تعبر عن حس القائد بمعاناة شعبه وجماهيره وكان همه أن يربي عناصره ومقاتليه على عزة النفس والتربية الثورية الحقه.
ذهبت وإخواني ونحن نحمل له أصدق مشاعر الاحترام والاعتذار وكم كنا نتوق للعودة له بعد التنفيذ لنغني التجربة من كلماته ومن شخصيته الفذة العظيمة. ولكن أسرت في عملية ثانية في بيت فوريك 7/9/1969 وفوجئت باستشهاد ذلك البطل عام 1971 الذي غاب عنا بجسده ولكنه لم يفارقنا بروحه ومبادئه ومازلنا نحمل أنا ومن عايش تلك المرحلة من إخواني الفدائيين أكبر اعتزاز بذلك القائد البطل الذي أعطى بلا حدود وسيبقى أبو صبري هو المنبر والمعلم لنا وللأجيال على مدى حياتنا وعلى تلك المبادئ نسير.

عودة الطائر الجريح
شعر : مى صايغ
تحملنى الفجأة .. حتى سعة الفجوة
تلقينى الدهشة عند شفير الجرف
ويصاحبنى وخز الأيام الحلوة
وتعذبنى .. الذكرى .. الطيف
هل عاد الطائر .. يا غزه
هل عاد الولد الضيف
* * *
يمتد الشاطئ فضياً
ينتظر الصيف
ياقمر الغور الأسمر
يا رأس السكر
تدرى ! أن النشرات البكماء مررن عليها
تدرى ! أن الوجع المشدود الى جرح الأشياء
امتد اليها
لكن الخوف
ما خطر الليلة عند الباب
فالسارح عن الحان النهر
يحب غناها
* * *
أمن الطارق غب البعد .. القرب
جداول حرقه
أمن الطارق عبر السجن اندلق المر
وجع البحر
وخز الجرح رحاب الزرقة
أمن الطارق ؟؟
يا للطارق ليل الصيف !!
* * *
أذنت بسمه
خلوداً من سكين الأمس
هنوها يا أهل الود
فالسارح عن ألحان النهر يحب غناها
هنوها يا أهل الود
والجارة تهمس للجارة
هل عاد الغائب للحارة ؟؟
بل عاد الولد الضيف ..
* * *
يد مينى صوتك يا وطن الجرح الراعف
يدمينى وقع السيف
* * *
حين انهد الأمل الباسق
وانحسر الضوء عن الكلمات اللا سعة النكهة
أوسعنى الرمق العاشق
حزناً صوفى اللوعة
* * *
من غير أسير يا وطنى
سيعاود ترتيب الأشياء
يا وطن الهم الزاخف
يا وطن الفقراء ، السجناء ،
المطرودين بلا أسماء ..
يا وطنى الطيب .. يا وطنى ..
فلأن الغنسان ان تتهرأ فى القضبان
فى القرن الحجرى العشرين
يولد فى الفجر النازف
مــــي صايغ
بيروت فى 21/7/1971

البنادق .. الحزينة
دمعة حزن … وكلمة وفاء لشهيد النصيرات القائد ممدوح صيدم
وأطرقت البنادق كلها
ورصاصها دمدم …
ورفرف طائر الاحزان
فوق رؤوسها حوم
وغامت أعين الابطال
ريع صوابها الملهم…
وطوفت الرؤى وتزاحمت
من حولها تلتم
فدائي .. لها غنى
لها أعطي ، لها أقسم
فدائي .. شراع النور
كم أهدى .. وكم علم
فدائي .. وتنهض في “النصيرات”
المنى تحلم
هنا درجت طفولته
هنا غنى، هنا تمتم
هنا زمجر في الساحات
كبر صوته حمحم
فدائي .. وينهض
من عروق الجرح رجع للصدى أعظم
خطا ، فتلتفت قمم
ورحب ، شوقها ، واهتم
“وحتى النصر” قال لها..
“وحتى النصر” لن أهزم
وآمن باندلاع النار
وطد عزمه صمم
فدائي .. وتدري تعرف الاغوار
كل دروبها تعلم
فكم قد زارها ليلاً
فاشعل ليلها الاظلم
وكم من مرة قد عاد
يحمل جرحه والدم
لها للقرية الخضراء
أنشد باسمها رنم
لأجل غد يمد الخير
فوق ترابها الاكرم
تقدم قالها، ومضى
على الاشواك، ماسلم
وأمعن في مسالكها،
فلا يأسى، ولايندم
وفي صمت يغيب الوجه
يغرق في شجى المأتم
فدائي .. لقد قدم
أروع مافتى قدم
لقد أعطى ابتسام العمر
أعطى الفارس المعلم
فدائي .. مع الشهداء
واكب ركبهم وانضم

يا موطن الأحرار هل لك من بقاء
في صباح يوم السبت الموافق 24/7/1971 وفي إحدى المستشفيات المطلة على بردى الشام فاجأ القدر المحتوم علماً بارزاً من أعلام العروبة فقيد آل صيدم وفقيد الأمة العربية، إبن فلسطين البار ممدوح صبري صيدم { أبوصبري }، وهو في العقد الرابع من عمره، وقد مات ممدوح وذكره خالد لا يموت، مات ممدوح عرياناً وهو الذي كسى البطولة والمجد حلة دونها الحرير والديباج، ومما قاله الفقيد وهو في الرمق الأخير قبيل وفاته { أليس حرام أن أموت على هذا الفراش أيها الرفاق }، وعندما صعدت روحه الطاهرة الى جوار ربها الكريم وما كادت أمواج الأثير تنقل نبأ وفاته حتى تلاطمت أمواج العزاء وتألفت في الكون أنات البكاء ولبست دمشق الشام أسودّ الحلل حداداً على الفقيد لما كان يتمتع به من حب وتقدير بين كل من عرفوه وقد شيع جثمانه على أنغام الموسيقى والأناشيد الوطنية تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فتحرك الوجد الكامن في صدر الشاعر أبو محمود إسماعيل صيدم فرثاه في القصيدة التالية:
يا موطن الأحرار هل لك من بقـــــــــــــــــــــــاء أنت الذي بالأمس أبدعت اللقــــــــــــــــــاء
نجم هوى في الشرق من بعد المــــــــــــــــــــاء فتألقت في الكون أنات البكـــــــــــــــــــــــــاء
وبأرض بردى أضرمت نار العــــــــــــــــ‎ـــــــــــزاء لما دهانا الخطب في رمز الفــــــــــــــــــــداء
قلت يا ذا الخطب ويحك ما تشــــــــــــــــــــــــاء فاض بردى الشام فانهار البنـــــــــــــــــــــــــــاء
أخفق الناعي بصوت كدت لم أسمع نـــــــداء وروى لي عن فقيد لم يكن يعبأ بـــــــــــــــداء
إنه ممدوح صبري إبن صيدم ذو الوفـــــــــــاء طيب الله ثراه بعد أن أعيا الــــــــــــــــــــــدواء
كم رفيق قد توارى خلفه عند اللقــــــــــــــــــاء وهو يروي حين سار مات لله البقــــــــــــــــاء
فاض شعري سار يسري في الفضـــــــــــــــــــــاء فيك يا ممدوح قد طاب الرثــــــــــــــــــــــــاء
يا شهيداً هزه هول القضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء انعمي يا روح في هذا اللقـــــــــــــــــــــــــــاء
يا ابن صيدم يا أبا صبري الأمــــــــــــــــــــــــين أنت من بيت المكارم والعطــــــــــــــــــــــــاء
قد رضعت الصبر والعقل الرزيــــــــــــــــــــــــــن فلتة الدهر ونبراس الحيــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
سرت في ركب الحماة الخالــــــــــــــــــديـــن زفك التاريخ حناك الدمـــــــــــــــــــــــــــــــــاء
وغرست الشوق من حين لحــــــــــــــــــــــــــين في قلوب العابدين الأتقيــــــــــــــــــــــــــــــاء
قد دهانا الخطب واشتد الحنــــــــــــــــــــــين اختارك اللهم ا نعم بالـــــــــــــــــــــــــــــــجزاء
اسقنا اللهم صبر المؤمنــــــــــــــــــــــــــــــــــــين صبر أيوب سليل الأنبيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
يا ربى بيسان كم غنى الشهيـــــــــــــــــــــــــــد طاب رشاشي بهاتيك الربـــــــــــــــــــــــــــــــاء
كم سرى ليلاً وأياماً تزيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــد وإذا مانام التحف السمــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
برفاق بينهم كان الرشيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــد لم يذق طعماً لنوم أو هنــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
ضارعاً لله والبيت العتيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد أن يرى النصر وأعياد الـــــــــــــــــــــــــــــجلاء
عفوك اللهم عظّم أجرنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا إنك الباقي وتعطي من تشـــــــــــــــــــــــــــــاء
أعطنا إنا تعاظم خطبنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا المآسي فينا صبحاً ومســــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
لم نذق طعماً للذات الهنــــــــــــــــــــــــــــــاء هل لهذا الظلم رباه انتهــــــــــــــــــــــــــــــــاء
هذه الدنيا ظلاماً بعدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــا كنت يا ممدوح فيها كالضيـــــــــــــــــــــــــــاء
ارتقيت المجد أعلى سلمــــــــــــــــــــــــــــــاً لم تلن يوماً لصد الاعتـــــــــــــــــــــــــــــــــداء
الجبال الشم والمفرق ومـــــــــــــــــــــــــــــــا دار في عمان يذروه الهـــــــــــــــــــــــــــــــواء
نم في ضريحك ولسوف مـــــــــــــــــــــــــــــا تشعل النار ليجزى من أســــــــــــــــــــــــــــــاء

حفل تأبين الشهيدين أبو علي اياد وأبو صبري
أحيت جماهير شعبنا اليوم في ال27 من شهر تموز يوليو الحالي الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد القائدين أبو علي اياد وأبو صبري صيدم في قاعة الشيخ محمد عواد بغزة، وشارك في الحفل الرئيس عرفات وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية ومجلس الوزراء وأعضاء من المجلس التشريعي والوطني وجماهير غفيرة من المواطنين.
كلمة السيد الرئيس ياسر عرفات
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به.
يا إخواني ونحن نحتفل اليوم ونحن ننحني إجلالاً واحتراماً وتقديساً لهؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا على درب فلسطين على درب القدس الشريف، شاء من شاء وأبى من أبى. القدس عاصمة دولة فلسطين نعم القدس الشريف عاصمة دولة فلسطين شاء من شاء وأبى من أبى (واللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة)، أقولها ليس باسمي وليس باسم هؤلاء الأخوة وليس باسم إخوتنا العرب من المحيط الى الخليج وليس باسم أمتنا الإسلامية وليس باسم العالم المسيحي فقط ولكن أقولها كذلك باسم هؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا على الطريق الى القدس نعم على الطريق الى القدس يا أبا صبري ويا أبا علي اياد نعم من الشهداء الذين سقطوا من أحمد موسى الى آخر شهيد سقط على درب الشهادة… يحيى عياش.
عندما انطلقنا ولا زلت أذكر تلك المواقف الأصيلة التي لولاها لما استمرت الثورة تلك المواقف الأصيلة التي وقفها الأخوان الشهيدان أبو صبري وأبو علي اياد مع إخوانهم الشهداء وأقول هذا باعتزاز فحركتكم حركة فتح نحن لا نقول تقدموا بل قدمنا شعارنا فاتبعونا لذلك فنحن نتبع هؤلاء الشهداء الأبرار نتبعهم نتبعهم الى القدس لأننا قلنا دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف ( واللي مش عاجبه يشرب من البحر الميت )، هذا ليس نداء فلسطينياً فقط إنما كان النداء حتى في آخر اجتماع جمع العرب ولأول مرة بعد ست سنوات على أرض الكنانة في القاهرة قاهرة المعز وكان هذا النداء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
دربنا ليس بسهل إطلاقاً ونعرف ذلك ولكن استبشروا فاجتماع القاهرة لم يكن لقاء عادياً ومرة أخرى فإنه يعيد اللحمة ويعيد التضامن لأمتنا العربية بعد أزمة الخليج.
أقول لأخي السفير المغربي أن يبلغ جلالة الملك الحسن الثاني أننا نريد اجتماعاً عاجلاً للجنة القدس وللجنة الرئاسية للمؤتمر الإسلامي أو لكليهما معاً كما يريد وكما يرغب حتى نجيب لماذا يحاولون تزوير الحقائق وهذا القرار الأخير الخطير الذي صدر في المحكمة الإسرائيلية بالسماح بالصلاة في باحة الحرم الشريف أقول لهم لا، هذه أولى القبلتين… أولى القبلتين… أولى القبلتين.
نعم أصغوا إنه لا بقرار محكمة عليا ولا كبرى ولا متوسطة لا بل القرار إلهي { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..} فهذه إرادة الله العلي القدير.
إخواني: هناك محاولات كثيرة الآن يعملون نفس المشكلة التي حصلت في الحرم الإبراهيمي الشريف واليوم اجتمعت لجنة القدس بخصوص هذا القرار لنرى ماذا نفعل بخصوص هذا القرار لنرى ماذا نفعل أمام هذا الحدث الخطير الذي يحاول تحويل الحرم الشريف والمسجد القدسي المبارك الى منطقة للصلاة لليهود.
نحن لسنا ضد اليهود ولكن الاعتداء على مساجدنا والاعتداء على مقدساتنا لن نسمح به وإن كنا نحن الفلسطينيين قد سمحنا به فلن يسمح به العرب ولا المسلمون ولا المسيحيون ولذلك أقول نحن مع السلام العادل والشامل الدائم على جميع المسارات العربية المسار اللبناني، الفلسطيني والسوري ولن يكون سلاماً عادلاً وشاملاً الا إذا كان على جميع المسارات العربية.
وأرى أن الالتزام بالاتفاقات يجب أن يكون من الطرفين وليس من طرف واحد إطلاقاً.
إن القدس عاصمة دولة فلسطين وهي جزء من الأراضي التي احتلت عام 1967 وينطبق عليها القراران 242، 338 اللذان هما أساس وأرضية لمؤتمر مدريد للسلام، الأرض مقابل السلام، وليس الأمن مقابل السلام..
إخواني أخواتي..
أعود وأشدد على ضرورة التزام الطرفين بالاتفاقات، فلا أحد يستطيع أن يغطي قرص الشمس بأصابع يديه فالقدس عاصمة دولة فلسطين وأقول لاخوتي الشهداء كل شيء رخيص في سبيل القدس والعهد هو العهد والقسم هو القسم وسنستمر حتى القدس حتى القدس حتى القدس.

كلمة الاخت ام صبري
سيادة الأخ/ رئيس دولة فلسطين /أبو عمار.
الأخوة سفراء وممثلي السلك الدبلوماسي.
الأخوة أعضاء اللجنة التنفيذية وأعضاء السلطة الوطنية الفلسطينية.
الأخوات الأخوة الحضور.
قادة وكوادر الثورة والسلطة الوطنية الفلسطينية.
الحضور الكرام.
ما أجمل الذكرى وما أجمل أن تعود بالإنسان الذاكرة الى ملفات التاريخ فيخرج على محطات النضال، وتنقله أحاسيسه الى ذكريات البطولة، والفداء، فيختلج فؤاده.!
فكيف لا يختلج فؤاد الإنسان عندما يذكر أبو صبري، ويزداد فخراً كلما حطت به ذاكرته عند محطة البداية الصعبة، التي عاشها أبو صبري قبل انطلاقة الثورة ، وما تبعها.
تلك الثورة التي مثلت الطوفان الشعبي الفلسطيني الزاحف نحو فلسطين بآماله الكبار، وتضحياته العظيمة، وكانت لهباً ينطلق من بنادق الثوار الأشاوس ليضيء الدرب ويشيد الصرح الفتحاوي الأصيل، ذا المبادئ والقيم، والأخلاق، في أصعب الظروف وأكثرها حلكة.
ويزداد الإنسان فخراً كلما حطت به ذاكرته عند عند رفاق أبو صبري ممن سبقوه أو خلفوه…
فما أجمل أن نجتمع اليوم لنعود جميعاً الى حياة ذاك الفارس أبو صبري في أرض أحلامه وموقع بطولاته فلسطين لنزفه في عرس شهادته، فحياته كانت للوطن وشموخه كان للوطن، واستشهاده كان للوطن أيضاً.
فبقي دائماً حياً في وجدان الأوفياء، وقلوب الشجعان حياً بآماله وآلامه ونضالاته، حياً بأخلاقه وشجاعته وإخلاصه.
اليوم نخلد أبو صبري، وأبا علي اياد في عرش الشهادة كما خلدناهم وذكرناهم دائماً في السنوات الخمس والعشرون السابقة ليقاسمها، في ذلك العرش، نبلاء الشهادة وأمراء الحرية، من أمير الشهداء أبو جهاد الى خالد البشرطي وعبد الفتاح حمود وأبا اياد وأبو الهول وخالد الحسن والكمالين وماجد أبو شرار وأبو الوليد وأبا المنذر والسفطاوي وفارس الشهداء يحيى عياش وأبو العبد العكلوك وفتحي البلعاوي، الى كل الشهداء.
إن فتح فخرت بما قدمت، وفتح ستفخر دائماً بعبق الشهادة لمن نالها من أبنائها، فصاحبة الرصاصة الأولى، وصانعة المجد، جعلت من دماء شهدائها ساحة فخر، وعنوان شموخ تناقلته الأجيال حيث جسدت من يناير 1965 الى صراع البقاء، والمضي من بناء القواعد والركائز لعاصفة فتح، الى النهوض والارتقاء بالثورة الى مستوى الطموحات والتضحيات، وصولاً لمحطة السلام واليوم نقف جميعاً على جزء محرر من الأرض وبأعين أبو صبري التي كانت ترنو الى القدس عاصمة لدولة فلسطينية مستقلة…
إن من عايش الحرب والمعارك من دبين، وجرش، وإربد وعجلون، وتلة النجار، الى دمشق ولبنان، وبيت فوريك، والصافي، والكرامة، وعانق الشهادة من أجل حياة كريمة لشعبه ومن أجل فلسطين، العزة والشموخ ومن أجل سلام عادل يعود الى دولة القانون والحرية والعدالة الاجتماعية ليعزز تواصل الماضي بالحاضر.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
اليوم ونحن نطوي جميعاً الصفحات في خضم عملنا السياسي ونتطلع الى الوراء مؤكدين اعتزازنا بدماء شهدائنا قاطعين العهد كل العهد على أنفسنا أن نبقى أوفياء للوطن في ظل مسيرة شهدائه، وبقيادة الأخ/ القائد أبو عمار رئيس دولة فلسطين، رغم كل المحاولات والمماطلة من قبل الطرف الثاني لتعطيل مسيرة السلام وإجهاض العملية بوضع كافة العراقيل كي تبقى أيدي شعبنا مكبلة، وتبقى القدس رهينة للجشع الإسرائيلي…
إن استمرارية سياسة المراوغة وكسب الوقت التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية على حساب الالتزام بتنفيذ القرارات وسياسة التكامل بالقضايا الثانوية على حساب القضايا الأساسية التي تحدد العلاقات المستقبلية مثل المستوطنات، والدولة الفلسطينية، والقدس، ومشكلة اللاجئين، والإفراج عن المعتقلين، واستمرارية التطاول على المقدسات الإسلامية والمسيحية وتدنيسها، ليشكل انتهاكاً لعملية السلام برمته.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
إن من يحمل الأمانة ويذكر بطولات شهدائه لهو الأقدر على تحطيم تلك المحاولات وتعزيز الجهود وسخط كل المساعي اليائسة التي تستهدف تهميش إرادة شعبنا.
إن وصية أبو صبري تتجدد اليوم لنبقى متراصين مترادفين تجمعنا إرادة الاستمرار والإيمان بحقنا في العيش بسلام قائم على العدل لتصبح الذكرى حافزاً على الاستمرار.
إن قدسية الذكرى تعزيزاً للتاريخ وإحقاقاً للحق
سلام عليك يا أبا صبري…
سلام عليك يا أبا علي…
سلام عليكما حيث أنتم أحياء في ضمير الصادقين، خالدين خلود الأوفياء والوطن، شامخين، شموخ الوطن.
المجد لكم ولكل الشهداء
التحية لكل أسرانا ومعتقلينا.

حفل تأبين الشهيدين أبو علي اياد وأبو صبري
أحيت جماهير شعبنا اليوم في ال27 من شهر تموز يوليو الحالي الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد القائدين أبو علي اياد وأبو صبري صيدم في قاعة الشيخ محمد عواد بغزة، وشارك في الحفل الرئيس عرفات وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية ومجلس الوزراء وأعضاء من المجلس التشريعي والوطني وجماهير غفيرة من المواطنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة السيد الرئيس ياسر عرفات
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به.
يا إخواني ونحن نحتفل اليوم ونحن ننحني إجلالاً واحتراماً وتقديساً لهؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا على درب فلسطين على درب القدس الشريف، شاء من شاء وأبى من أبى. القدس عاصمة دولة فلسطين نعم القدس الشريف عاصمة دولة فلسطين شاء من شاء وأبى من أبى (واللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة)، أقولها ليس باسمي وليس باسم هؤلاء الأخوة وليس باسم إخوتنا العرب من المحيط الى الخليج وليس باسم أمتنا الإسلامية وليس باسم العالم المسيحي فقط ولكن أقولها كذلك باسم هؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا على الطريق الى القدس نعم على الطريق الى القدس يا أبا صبري ويا أبا علي اياد نعم من الشهداء الذين سقطوا من أحمد موسى الى آخر شهيد سقط على درب الشهادة… يحيى عياش.
عندما انطلقنا ولا زلت أذكر تلك المواقف الأصيلة التي لولاها لما استمرت الثورة تلك المواقف الأصيلة التي وقفها الأخوان الشهيدان أبو صبري وأبو علي اياد مع إخوانهم الشهداء وأقول هذا باعتزاز فحركتكم حركة فتح نحن لا نقول تقدموا بل قدمنا شعارنا فاتبعونا لذلك فنحن نتبع هؤلاء الشهداء الأبرار نتبعهم نتبعهم الى القدس لأننا قلنا دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف ( واللي مش عاجبه يشرب من البحر الميت )، هذا ليس نداء فلسطينياً فقط إنما كان النداء حتى في آخر اجتماع جمع العرب ولأول مرة بعد ست سنوات على أرض الكنانة في القاهرة قاهرة المعز وكان هذا النداء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
دربنا ليس بسهل إطلاقاً ونعرف ذلك ولكن استبشروا فاجتماع القاهرة لم يكن لقاء عادياً ومرة أخرى فإنه يعيد اللحمة ويعيد التضامن لأمتنا العربية بعد أزمة الخليج.
أقول لأخي السفير المغربي أن يبلغ جلالة الملك الحسن الثاني أننا نريد اجتماعاً عاجلاً للجنة القدس وللجنة الرئاسية للمؤتمر الإسلامي أو لكليهما معاً كما يريد وكما يرغب حتى نجيب لماذا يحاولون تزوير الحقائق وهذا القرار الأخير الخطير الذي صدر في المحكمة الإسرائيلية بالسماح بالصلاة في باحة الحرم الشريف أقول لهم لا، هذه أولى القبلتين… أولى القبلتين… أولى القبلتين.
نعم أصغوا إنه لا بقرار محكمة عليا ولا كبرى ولا متوسطة لا بل القرار إلهي { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..} فهذه إرادة الله العلي القدير.

إخواني: هناك محاولات كثيرة الآن يعملون نفس المشكلة التي حصلت في الحرم الإبراهيمي الشريف واليوم اجتمعت لجنة القدس بخصوص هذا القرار لنرى ماذا نفعل بخصوص هذا القرار لنرى ماذا نفعل أمام هذا الحدث الخطير الذي يحاول تحويل الحرم الشريف والمسجد القدسي المبارك الى منطقة للصلاة لليهود.
نحن لسنا ضد اليهود ولكن الاعتداء على مساجدنا والاعتداء على مقدساتنا لن نسمح به وإن كنا نحن الفلسطينيين قد سمحنا به فلن يسمح به العرب ولا المسلمون ولا المسيحيون ولذلك أقول نحن مع السلام العادل والشامل الدائم على جميع المسارات العربية المسار اللبناني، الفلسطيني والسوري ولن يكون سلاماً عادلاً وشاملاً الا إذا كان على جميع المسارات العربية.
وأرى أن الالتزام بالاتفاقات يجب أن يكون من الطرفين وليس من طرف واحد إطلاقاً.
إن القدس عاصمة دولة فلسطين وهي جزء من الأراضي التي احتلت عام 1967 وينطبق عليها القراران 242، 338 اللذان هما أساس وأرضية لمؤتمر مدريد للسلام، الأرض مقابل السلام، وليس الأمن مقابل السلام..
إخواني أخواتي..
أعود وأشدد على ضرورة التزام الطرفين بالاتفاقات، فلا أحد يستطيع أن يغطي قرص الشمس بأصابع يديه فالقدس عاصمة دولة فلسطين وأقول لاخوتي الشهداء كل شيء رخيص في سبيل القدس والعهد هو العهد والقسم هو القسم وسنستمر حتى القدس حتى القدس حتى القدس.

كلمة الأخ/ د. زكريا الأغا.
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
بسم الله الرحمن الرحيم
( ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). صدق الله العظيم .
على أرض الوطن، وفي غزة البطولة والنصر، نلتقي اليوم في هذه الذكرى العظيمة الخالدة في حاضرة أرواح الشهداء العظام وليد أحمد نمر، أبو علي اياد، وممدوح صبري صيدم، أبو صبري، نجدد عهد الوطن، وقسم المناضلين، على هدى شموس تسطع في سماء فلسطين تخلد ذاكرة الوطن، وتنير دروب المستقبل، على طريق فلسطين حرة عربية، ربع قرن على الذكرى الخالدة للرموز الخالدة، في روحنا، وصفحات التاريخ الناصعة، غزلتها نضالات وعذابات القادة الأبطال بعزيمة واقتدار، وعنونت الإرادة بالروح الفلسطينية الخلاقة الجسور، من أجل الأهداف النبيلة، عبر أنبل ظاهرة وطنية وإنسانية، عربية وعالمية في هذا العصر، مثلتها وعبرت عنها الثورة الفلسطينية المجيدة، ولقد شكل شهداؤنا الأبطال الرموز أبو علي اياد وأبو صبري، علامة فارقة وضاءة في هذا التاريخ ونسيج هذه الظاهرة من أجل الحرية والسلام في وطن الحرية والسلام.
وفي ذكرى الشهداء العظام تتألق القافلة، قافلة الشهداء الأبرار، التي نزفت من خاصرة فتح والثورة الفلسطينية، خاصرة الوطن، تنسج بدمائها الزكية جسر العودة، الذي جمعنا اليوم قادة وقوات وجماهير على أرض فلسطين، فلسطين الحرية، والدولة الفلسطينية المستقلة القادمة لا محالة، وعاصمتها القدس الأبدية القدس الشريف. وفي هذه المناسبة تحضرنا أرواح الشهداء العظام وفي مقدمتهم أمير القافلة المباركة أبو جهاد ورفاقه أبو اياد، أبو الهول، أبو السعيد، ابوالمنذر، عبد الفتاح حمود، كمال عدوان، أبو يوسف النجار، وأبو الوليد، وماجد أبو شرار، وغسان كنفاني، وكل شهداء فلسطين شهداء الثورة شهداء العهد والقسم وشموس الهدى والنصر المحقق إن شاء الله.
الأخ / الرئيس….
الأخوات والأخوة….
تجتاز مسيرتنا وقضيتنا الوطنية في هذا الوقت واحدة من أكثر المراحل صعوبة وحساسية أمام المتغيرات والتحولات الأخيرة التي ألقت بظلالها على العملية السياسية ومسيرة شعبنا لنيل حقوقه الوطنية وإننا… إذ نؤكد أن طريق السلام هو خيار استراتيجي فلسطيني على طريق تحقيق حقوقنا الوطنية الثابتة والمشروعة فإننا نؤكد على ضرورة التزام إسرائيل بالمقابل بنهج السلام وفق المرجعية والأسس التي انطلقت على أساسها مسيرة السلام في مدريد وفي مقدمتها الأرض مقابل السلام وقرارات مجلس الأمن 242، 338، والالتزام بتنفيذ الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة الإسرائيلية مع م. ت. ف. لضمان استمرار ونجاح عملية السلام وإعادة دوران عجلتها، ومن هنا فإننا ندعو الحكومة الإسرائيلية للإيفاء بالتزاماتها والبدء في تطبيق الاتفاقات المبرمة مع الجانب الفلسطيني بإعادة الانتشار في مدينة الخليل وفتح الممر الآمن وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية وغيرها من المسائل المعلقة من الاتفاق المرحلي والشروع في استئناف مفاوضات الحل النهائي حول القضايا الأساسية، القدس والاستيطان والحدود واللاجئين والكف فوراً عن إقامة المستوطنات ورفع الحصار عن مدينة القدس من أجل وضع وضع مسيرة السلام في طريقها الصحيح وفتح مرحلة جديدة أمام شعوب المنطقة وإسدال الستار على قرن من الصراع والحروب والويلات.
إن السلام لا يمكن أن يتحقق بالغطرسة والعربدة وفرض سياسة الأمر الواقع والتخفي وراء ذرائع الأمن الزائفة وإنما يتحقق فقط باحترام حقوق الشعوب واحترام الشرعية الدولية.
وفي هذا المجال فإن دوراً كبيراً يقع في القمة الموسعة في القاهرة في أواخر الشهر الماضي ولأول مرة من سنوات عديدة استشعاراً بالخطر الذي يهدد الأمة العربية وحقوقها وعملية السلام وما اتخذته من قرارات وإن كانت لا تلبي كل طموحاتنا إلا أنها تمثل تحولاً هاماً في الموقف العربي يجب علينا العمل على استمراريته وتطويره ليأخذ دوره الفاعل في معادلة السلام في هذه المنطقة، ونرى من واجبنا أن نؤكد للأخوة العرب ومع تقديرنا الكامل لمواقفهم الداعمة للشعب الفلسطيني، أن سياسة التطبيع مع إسرائيل يجب أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تقدم عملية السلام وبمدى استجابة الجانب الإسرائيلي لمتطلبات هذه العملية ويجب أن تشعر حكومة إسرائيل وبشكل عملي أن الموقف العربي في هذا الشأن موقف واضح وجاد وبهذه المناسبة فإننا نثمن غالياً الموقف القومي المصري رئيساً وحكومة وشعباً الذي يقف بصلابة داعماً للموقف الفلسطيني والعربي ومتصدياً لكل أشكال الصلف والغرور الإسرائيلي.
الأخوات… والأخوة….
إن العامل الذاتي الفلسطيني هو من أهم جوانب هذه المعادلة، وبدون وحدة حقيقية تجمع كل قوى الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج لا يمكن أن نستطيع الصمود والنجاح في هذه المعركة السياسية التي نخوضها وليس هناك أي مبرر لأي تردد أو نكوص في هذا الموضوع. قد تكون هناك خلافات فيما بيننا بخصوص المرحلة الانتقالية ولكننا جميعاً متفقون حول الحل النهائي الذي نسعى إليه جميعاً وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأرض الفلسطينية وحق تقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وحق اللاجئين في العودة.
هذه الأهداف التي نخوض على أساسها مفاوضات المرحلة النهائية لا خلاف عليها ومن هنا وإنني أدعو كل القوى الفلسطينية مؤيدة ومعارضة الى الالتفاف حول منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وذراعها السلطة الوطنية الفلسطينية وأن تقف خلف المفاوض الفلسطيني في معركته الشرسة مع الطرف الإسرائيلي لنستطيع أن نحقق لشعبنا ما يتطلع إليه من آمال وأهداف.
إن موقفاً فلسطينياً موحداً هو الأساس لموقف عربي قوي وداعم لنا وهو الأساس أيضاً لموقف دولي داعم لنا وهو الذي سيجبر الطرف الإسرائيلي على إعادة النظر في موقفه المتصلب من عملية السلام.

الأخوات… والأخوة…
في ذكرى الشهداء العظام، تتعاظم الإرادة الوطنية الخلاقة، وتستلهم النفوس صبرها وصمودها، من أجل ما استشهد العظام في سبيله… وطن مقدس وحرية أغلى من كل ثمن وكرامة نطقت دوماً مع كلمة أبو اياد الشهيرة ( نموت واقفين ولن نركع ). ومع نبضات أبو صبري، واندفاع المناضلين الى الوفاء.
وفي ذكرى الشهداء، يتجدد العهد والقسم للوطن، للشعب، للشهداء والأسرى أن تستمر الفتح والثورة الفلسطينية على طريق الحرية والكرامة، طريق الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

العهد هو العهد والقسم هو القسم
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
وإنها لثورة حتى النصر

وفي قلقيلية، احيت جماهير شعبنا المناسبة، في احتفال جماهيري حاشد يوم 26 / 7 / 1996م ، اكد خلاله شعبنا الفلسطيني، عهده للشهيدين ابو صبري وابو علي اياد وجميع شهداء الطريق الى النصر الفلسطيني الاكيد.
كلمة الأخ الرئيس القائد العام
ألقاها الأخ صخر حبش / أبو نزار

بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتي ..اخواني ..
يسعدني ويشرفني أن أنقل لكم تحيات الأخ الرئيس القائد العام { أبو عمار } الذي كان يتطلع بشوق أن يكون معكم وبينكم ليشارككم شخصياً لحظات التعبير عن الوفاء لدماء الشهداء الأبرار ، لحظات انبعاث المجد الذي صنعوه بأجسادهم الطاهرة ليكونوا جسر العبور الى الوطن .
وأنا اذ أتحدث اليكم باسمه ، أتحدث عن الشهداء والى الشهداء من هنا ، من أرض قلقيلية الصمود ، قلقيلية التحدي ، قلقيلية المواجهة ، قلقيلية الأمل القادر أن يكون اليد الواثقة الممدودة من أجل السلام العادل والشامل والدائم ، والقادرة في نفس الوقت على حمل السلاح والاراده للدفاع عن الوطن وعن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني .
من على هذه الأرض الطاهرة الزكية المحررة ، انطلق مارد من أبناء شعبنا ليسجل على صفحات التاريخ بأحرف من نور ونار مشوار الثوار ، مشوار الأحرار ، انطلق القائد الرمز (وليد أحمد النصر الحسن ) ( أبو علي ياد ) حاملاً على كاهله ضمير بلده الحبيبه قلقيلية ، ووطنه الخالد فلسطين ، وامته المجيدة العربية ، مسلحاً بكل جوارحه . كان مندفعاً كالبركان ، شامخاً بكل عنفوان ، صانعاً للرجال والبطولة ، باعثاً سحر الوطن في شرايين الطفولة ، حرث وبذر وحصد الجنى وما تراجع يوماً أو انحنى ، ونقش شعاره الخالد على قرص الشمس {نموت واقفين ولن نركع }
ومن قلقيلية الى عاقر ، حيث ولد القائد الرمز ممدوح صبري صيدم ( أبو صبري )، امتد شعاع الفتح النابع من أعماق الجرح ليصول ويجول في قطاع غزة، وفي النصيرات حيث اكسير العودة المترسخ في أوصال الشباب ، ينبعث محطماً أعمدة الخيام وتتشابك الأيدي الباحثة عن بصيص أمل النور في قلب يأس الظلام . كانت أيدي أبو صبري تشد بثقة واخلاص على يد القائد الرمز خليل الوزير (أبو جهاد)
وبدأ المشوار على الأرض يطرز دروب الحرية وكانت يد أبو صبري تتلاحم مع يد أبو عمار وخطواتهما تتناغمان في عزف سيمفونية الأرض ، من جنين الى طولكرم الى قلقيلية ، الى نابلس ورام الله والخليل وتستقر في القدس . هناك حيث مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومهد المسيح عليه السلام . هناك كان العهد والقسم ، هناك كان الاصرار والاستمرار ، ومن بيت فوريك حيث كان الثبات مفتاح الكرامة ، انطلق شهيدنا أبو صبري يردد :
تغــــــــــــــض البطولــــــــــة ان نمد جســـــــــــومنا جســــــــــراً نقـــــــل لرفاقنـــــا أن يعبـــــــروا
لقد صدق عهده وقضى نحبه مع رفيق العمر والسلاح أبو علي اياد منذ ربع قرن من الزمان.
منذ خمسة وعشرين عاماً كتب فيها الرصاص صفحات مجد وخلود ، وتألقت البنود والحجارة في انتفاضة جبارة . وها نحن وقد وصلنا الى أرض الوطن ، وبدأت أقدامنا ترسم مع أقدام أهلنا على الأرض الحرة ، مشاوير استكمال النصر ، يشدنا الحاضر والمستقبل الى الذكريات الراسخة التي لا تزال تشكل في داخلنا الدافع والموجه نحو الأمل الكبير .
نتذكر رموز ثورتنا العملاقة الذين كانوا جسر عبورنا الى الوطن ، الذين رسموا المشوار قبل خمسة وعشرين عاماً ويزيد . ونتذكر شهيد حركتنا الأول الشهيد المناضل أحمد موسى . ونتذكر شهيد اللجنة المركزية الأول الشهيد عبد الفتاح محمود الذي فتح بيده باب الكرامة ومعركتها الخالدة .
وتجيئ الذكرى الخامسة والعشرين للشهيدين أبو صبري وأبو علي اياد اللذين فتحا بدمائهما باب معركة الصمود والثبات في الممر الموحش انتظاراً لصحوة الامة تحت شعار خالد { نموت واقفين ولن نركع } ونتذكر الشهداء ، أبو يوسف النجار ،وكمال عدوان ،وكمال ناصر الذين فتحوا بدمائهم بوابة العمق القومي العربي الذي يجسد فرض حرب ومضاء .
ونتذكر الشهيد ماجد أبو شرار الذي فتح بدمه باب معركة الصمود والبطولة في بيروت .
ونتذكر الشهيد سعد صايل الذي فتح بدمه بوابة القرار الوطني الفلسطيني المستقل .
ونتذكر الشهيد أبو جهاد الذي فتح مع الانتفاضة باب فلسطين على مصراعيه ، فكان أول الرصاص وأول الحجارة .
ونتذكر الشهيد أبو اياد ، أبو الهول ، أبو محمد ، الذين فتحوا بيدهم بوابة هجوم السلام الفلسطيني الذي فرض فلسطين على الخارطة الدولية بشكل راسخ .
ونتذكر الشهيد أبو المنذر الذي فتح بدمه بوابة تجسيد السلطة الوطنية الفلسطينية على أرض الوطن
ونتذكر الشهيد أبو السعيد الذي يبقى رغم غيابه متوهج الحضور فينا يفتح بوابة الأمل بوابة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة .
ومع هذه الدماء الزكية من قادة فتح الذين يشكلون نصاباً قانونياً في الجنة نتذكر الدماء الزكية للقادة الرمز بين فصائل ثورتنا الفلسطينية في منظمة التحرير ومن فصائل الثورة العربية . قدم القادة الشهداء الرموز غسان كنفاني ، كمال جنبلاط ، ومعروف سعد وخالد نزال ، وعبد الرحيم أحمد وطلعت يعقوب وغيرهم الكثير .
ان الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد القائدين أبو صبري أبو علي اياد تفرض علينا مهمة تخليد ذكراهما وذكرى كل الشهداء ، ليس فقط القادة الرموز ، والأعمدة المعنوية الضخمة التي عليها يرتقي الى السماء صرح البنيان الفلسطيني الراسخ ، لكن علينا أن نخلد معهم وجنباً الى جنب ذلك السبيل الزاخر من الشهداء المقاتلين الذين خاضوا معارك الشرف والبطولة ورسموا بدمائهم خارطة فلسطين الحرة في قلب الشمس لتنطبع أسماءهم وصورهم وتتألق على هامات الشوارع والمدارس والساحات والأندية والمؤسسات وحتى تتألق شوارع قلقيلية الى جانب اسم أبو علي اياد .
ان هجوم السلام الفلسطيني الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1988 ، واعلان الاستقلال المنبثقة عنه يؤكد مصداقية التطلع نحو السلام العادل والشامل والدائم .
ان كل محاولات فرض سلام الأمن ، سلام الخوف هي محاولات مرفوضة ، فتحت دعاة سلام الطمأنينة ، سلام الثقة بالمستقبل سلام الشجعان الذي يؤكد التمسك بعملية السلام والاتفاقيات المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل ،ويرفض محاولة اعادة الامور الى الوراء . وفتح ملفات تم الاتفاق عليها وينبغي الالتزام بتنفيذها ، وعدم اضاعة الوقت في بحث قضايا تم حسمها .
ان هذا الالتزام يشكل المدخل الصحيح والسريع لاستئناف عملية مفاوضات الحل النهائي لتحقيق الأهداف الوطنية الثابتة وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المباركة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية .
اننا اذ ندين كل عمل ارهابي يستهدف تعطيل مسيرة السلام من أي طريق كان فاننا نرفض بشدة كل الاجراءات التعسفية في مدينة القدس والعدوان على المقدسات الاسلامية والمسيحية فيها ، كما ندين ونرفض عملية مصادرة الأراضي ، وبناء الطرق الالتفافية ، والتوسع في عملية الاستيطان ، وعدم الافراج عن الأسرى والمعتقلين باعتبارها اجراءات باطلة وغير شرعية وعقبة في طريق السلام .
ان شعبنا عندما يتصدى بكل الوسائل المتاحة ، وبرص صفوف الجماهير لحماية أرض الوطن من التهويد ، انما يصون ذلك درب السلام الذي هو ضرورة حتمية ليس فقط لشعبنا الفلسطيني وانما للمطقة بأسرها .
تحية لأبطالنا وبطلاتنا الصامدين في سجون الاحتلال والذين تشكل قضيتهم جرماً نافراً يهدد عملية السلام .
تحية لأبطال الانتفاضة وللجرحى والمعاقين الذين يحملون أوسمة الشرف والفخار .
تحية لشهدائنا الأبرار لهم المجد والخلود ..
وعهدنا لهم هو العهد
وقسمنا هو القسم … وانها لمسيرة خالدة … وانها لثورة حتى النصر .

بسم الله الرحمن الرحيم
مهرجان قلقيلية
كلمة الأخ عباس زكي

“من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” . صدق الله العظبم

ايتها الأخوات والأخوة ..ايها المناضلون .. يا أهل قلقيلية البطولة والصمود ، الضيوف الأعزاء … يا أحباء ابو علي إياد ، وابو صبري في وطننا فلسطين وفي الشتات … هذا يوم عظيم … نستذكر فيه نماذج بشرية فذة من قادة الأمة … ونكرم فيه رموزاً فذة ، تخلدت في وجداننا بمزاياها النبيلة … انه يوم عظيم في احتشادنا هنا في قلقيلية التي تمثل متراساً في مواجهة الأطماع الصهيونية في فلسطين فباسم اللجنة المركزية اشارككم هذا المهرجان المكرس لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين للشهيدين وليد نمر الحسن / ابو علي اياد … وممدوح صبري صيدم أبو صبري .. وباسمها اقدم التحية للشهداء والسائرين على طريق التضحية وفاءً للقسم والوطن ………
أيتها الأخوات ….. أيها الأخوة .
لو كان أبو علي اياد او ابو صبري فارسان من فرسان امتنا او من القادة العظام في شعبنا الفلسطيني لأكتفيت بما استمعت اليه في خطاب الأخ الرئيس ابو عمار الذي استمعنا اليه من اخي صخر حبش ” أبو نزار ” ولكنهما يمثلان منظومة القيم ، ويتمتعان بخصاص ومزايا قيادية نادرة من الصعب ان تتكرر .. انهما بمثابة ينبوع يتدفق من التضحية والشموخ والكبرياء يصعب اختزالهما في خطاب او كتاب وليستحيل حصر الحديث عنهما في مهرجان او في زمن محدد ، من هنا اجدني مضطراً لتغطية بعض الجوانب من تاريخهما المرصع باوسمة الغار والفخار فابو علي اياد الذي غادرنا وهو في ريعان الشباب خمسة وثلاثون ربيعاً كان كل عام منها . يحتل جيلاً في تقدم الحالة الفلسطينيه ، فمن مدرسة السعديه الفلسطينيه الى بعقوبة / العراقيه الى السعوديه وصولاً الى الجزائر امتشق سلاح العلوم العسكريه ليعود الى فلسطين ومحيطها شامخاً واثقاً من صواب النهج والمسيرة منتفضاً علىالواقع الفاسد منتصباً، يصعب زحزحته عن قناعاته ثابتا في مواقفه ثبات جبل احد هذا ابو علي اياد رحل الفضيلة والمتسامي مع المباديء ليجسد القائد في التميز والالتزام والانتماء وليس القائد في الامتياز والمكاسب على حساب القاعدة والزملاء ، كان اخر من يأكل واخر من ينام واول من يستيقظ ، كان يمثل حالة قيمة بعيداً عن المكاسب او أي شكل من من الحياة الخاصة على حساب المعركة التي نخوضها .. كان ثورة في رجل وكان مدرسة في مجتمع .. كان القائد الذي يتقدم الصفوف يؤمن بدفع الغرامة دون التفكير بالغنائم .. كان من طراز القادة شديدي المراس وواضحي القوة خاصة ضد الانحراف في المسلك او النهج السياسي .. كان يؤمن بتدافع الاجيال فركز على الاطفال فتحولوا اشبالاً والطفلات لتصبح زهرات هذا الوطن. كان يتقي الله في القول والعمل ، لا تأخذه في الحق لومة لائم. عرف بنضاله وشجاعته ومجموع عملياته الفدائيه فكان الحاضر دوماً رغم الغياب هكذا انتخب عضواً لمركزية فتح وهو يقبع في مستشفى المواساه في دمشق .. لم يكن له بيت محدد فقواعد الثورة بيته المفضل ، ولم يكن له قبر محدد ففي أي تجمع لمقابر الشهداء تجده في مقدمتها .. انه من الطهر والشرف والانسجام مع الواجب والمهمة .. والتكيف مع متطلبات الوطن ورسالة الثورة اشبه بعلي بن ابي طالب كرم الله وجهه ” لا سيف الا ذو الفقار ولافتى الا علي ” . فكان المعلم والفارس بعكازه يزرع الطمأنينة والثقة في صفوف الفدائيين اكثر من أي سلاح متطور .. فرحم الله ابو علي اياد القائد الاسطورة هذا القائد المنحدر من عائلة مناضلة انه ابن ابو عقاب الذي عرف بعصاميته والتزامه الوطني . انه لم يترحل الا حبا في الارض التي قاتل من اجلها وحنينا للتراب الذي اراد احتضانه .. انه لم يمت بل بقى حيا بأعماله يحتل منا الادمغة والافئدة هذا هو ابو علي اياد الذي يشكل محيطا ثوريا يصعب الغوص فيه او انتقاصه مهما تعدد اليوبيل .. ورغم تكرار المناسبات فلن نغطي بعض الجوانب المشرقة وهذا حق له في اعناقنا .
اما ابو صبري فهو من نفس الطراز انه بلدوزر متقدم فما ان توقف ابو علي اياد عن نزول الدوريات الى ارض الوطن بفعل اصابته الخطيرة التي فرضت عليه الاقامة في المستشفى حتى اضاف الشهيد الكبير ابو صبري عبئاً جديداً على كاهله القيام بمهمة الاثنين معاً ، فكان القائد الذي لا يعرف الهدوء ، والشجاع الذي لا يعرف الخوف واحد ابرز اعضاء القيادة العامة لقوات العاصفة كان من الذين ردوا الاعتبار لشرف الانتماء والجندية العربيه عندما عبر برفقة اخيه القائد ابو عمار الى فلسطين بعد هزيمة حزيران عام 1967 وبعد ان خاض عملية بيت فوريك ونظم كل اشكال الحماية وامدها بالسلاح واطال صمودنا في معركة الكرامة حيث كان يصرخ رحمه الله على ابواب الكرامه في المقاتلين يقول هكذا كان الشعب الفيتنامي لا ينحني امام القصف الامريكي ” فلم تكتحل عينا ابو صبري بالواد الا حبا في العلم الفلسطيني الذي يبدأ باللون الاسود . ولم يغادرنا ابو صبري الا بخصائصه ومزاياه نموذجاً يحتذى في شحن عزيمة المطارد والتحفز الدائم من اجل اغلى واقدس قضيه في عالمنا الراهن فلروحك الطاهرة ياابا صبري الجنة ولنهجك التجذر ح