بسم الله الرحمن الرحيم
ذكريات الأخ أبو عمار
عن الشهيد القائد الرمز ممدوح صيدم ( أبو صبري )

 

” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ” صدق الله العظيم .
قبل ربع قرن ، وفي مرحلة من أقسى مراحل الثورة الفلسطينية ، ودع شعبنا الفلسطيني اثنين من ابرز قياداته العسكرية والتنظيمية الفذة . وهما الأخ وليد احمد النصر الحسن ( أبو علي إياد ) وممدوح صيدم ( أبو صبري ) عضوي القيادة العامة لقوات العاصفة وعضوي اللجنة المركزية لحركة فتح .
ونحن إذ نتوقف اليوم بإجلال واحترام أمام ذكراهما الخالدة ، ندرك جيداً أننا وصلنا إلى ارض الوطن ، وان هذا الوصول ما كان يمكن له أن يتحقق لولا ذلك السيل الجارف من التضحيات العظيمة التي قدمها أبناء شعبنا الفلسطيني البطل . ولولا ذلك الصرح الشامخ من الشهداء القادة الرموز من قادة فتح ومؤسسيها الأوائل . عبد الفتاح حمود ، أبو علي إياد ، أبو صبري ، أبو يوسف النجار ، كمال عدوان ، ماجد أبو شرار ، أبو الوليد ، أبو جهاد ، أبو إياد ، أبو الهول ، أبو المنذر وأبو السعيد .

 


 

هذا الرعيل من القادة الرموز الذين قضوا نحبهم ونحن الباقون ، مشاريع الشهادة ننتظر . فالعهد هو العهد ، والقسم هو القسم بكل صدق وإخلاص .
التقيت الشهيد أبو صبري في الجزائر قبل أن يتفرغ للعمل العسكري ، كان يومها أحد الكوادر القيادية التي عملت مع الشهيد أبو جهاد في الجزائر . ومع التحضير للانطلاقة كان من أوائل المتفرغين المتدفقين، بإيمان وعزيمة، بالانطلاقة المسلحة .
وكان إلى جانب قدراته السياسية والتنظيمية مندفعاً إلى ممارسة العمل العسكري بدون ملل أو كلل . وقد وصل حماسه واندفاعه الصادق إلى تبوء ارفع المناصب العسكرية والتنظيمية مبكرا حيث اصبح عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة وعضواً في اللجنة المركزية للحركة .

 


 

كان من الرعيل الفتحوي الأصيل المتمسك باستقلالية العمل الفلسطيني وبعدم الخضوع أو التبعية أو قبول التوجيه من أي جهة إلا من إرادة الشعب الفلسطيني . وهو الأمر الذي كلفنا في البداية الكثير لمواجهة محاولات السيطرة على مغاوير الحركة وخاصة ن خلال أجهزة المخابرات السورية ، فقد مرت علينا مع كل القيادة في فتح فترة قاسية اثر مؤامرة دنيئة بعد اغتيال محمد حشمة واحمد عرابي نتج عن ذلك وضع كل قياديي فتح التي كانت في دمشق في السجن .
وكان رحمه الله أحد الذين تم اعتقالهم عام 1966 معي ومع الشهداء أبو جهاد والشهيد أبو العبد العكلوك وأبو يحيى والمختار بعباع والزغموط . وقد اثبت الشهيد صلابةً وصموداً داخل المعتقل السوري مؤكداً دور الروح الاستقلالية في تعزيز الصمود والصلابة .
وكان من أوائل الذين دخلوا إلى الأرض المحتلة بعد عدوان 1967 وتمركز في منطقة جبال نابلس حيث شارك ميدانياً في قيادة الانطلاقة الثانية في آب 67 .

 


 

وقد تسلم القيادة في الداخل في كانون أول 67 عندما طلبت اللجنة المركزية مني الحضور السريع إلى دمشق ، وقد تولى فعلاً خوض المعركة البطولية لقواتنا في منطقة بيت فوريك . كانت معركة متميزة خاضتها حفنة من المؤمنين وصمدوا أمام حشود العدو وطائراته وظل الشهيد أبو صبري يقاتل مع رجاله حتى نهر الأردن .
لا بد أن أتذكر معركة الكرامة … ودور الشهيد أبو صبري اللامع فيها . والمسؤوليات التي تحملها قبل المعركة وأثناء المعركة والتي كانت السبب في تمكننا من الثبات أمام القوة العسكرية الضخمة التي كانت تتجمع جهاراً غرب النهر للانقضاض على قواعدنا الارتكازية في منطقة الكرامة الكريمة ، وهنا لا بد أن نقول أن أروع دور للأخ أبو صبري كان أحد مهماته الأساسية، وهي الاتصال بالقيادات العسكرية في الجيش الأردني التي كانت تتمركز شرق النهر وفي مرتفعات منطقة السلط . وهنا أتذكر انه قبل المعركة بــ 48 ساعة جاءنا طلب من رئيس أركان الجيش الأردني عامر خماش ومن قائد الجيش العراقي في الأردن حسن النقيب للالتقاء بهما في عمان .
ذهبت مع الأخ أبو إياد واجتمعنا بالأخوين عامر خماش وحسن نقيب، قالا لنا أن المعركة قادمة . لقد أحضرنا لكم الموافقة بالخروج من الكرامة إلى جبال السلط ( نقهر سوا ) ، قلت لهم باسمي وباسم أخواني أشكركم على هذه اللفتة ، ولكن الأمة العربية تهرب من مواجهة الإسرائيليين منذ عام 1948 فإلى متى !!!! نحن قررنا أن نكون القوة التي تثبت ولو أدى ذلك لاستشهادها ولتكون عنوان الصحوة لامتنا العربية .

 


 

حقيقة أبدى الأخوين عامر وحسن قلقاً كبيراً من قرارنا وقالا انه قرار جنون ولن تتحملوا الهرسة العسكرية …قالا : هذا سيهرسكم .
قلنا لهما : ولكن سيقال أن هنالك قوة عسكرية عربية استطاعت بعد هزيمة 1967 أن تثبت وتقاتل .
كان اتصال الأخ أبو صبري مع الأخ الشهيد سعد صايل يحمل بصيص أمل في إمكانية الدعم إذا عبرت القوات الإسرائيلية نهر الأردن شرقاً . ولكننا لم نكن على يقين انهم سيقاتلون معنا . وكان علينا أن نتحمل قرار القتال بأنفسنا وقد أدركنا منذ البداية أن صمودنا على ارض المعركة هو الذي سيغير مجرى التاريخ ، وقد حصل فعلاً أن شاركت المدفعية الأردنية بالقصف ضد الآليات والتجمعات الإسرائيلية بعد ست ساعات من الصمود البطولي ، لقد قاتلنا بالاربيجيهات وبالسلاح الأبيض وبالأحزمة الناسفة …. واتذكر قولي للأخوين عامر وحسن أننا سنسجل أمام العالم أن هنالك قوة عربية تصمد

 


 

رحم الله أبو صبري ..فقد كان رجل المهمات الصعبة وخاصة مهمة الاتصالات والعلاقات مع ضباط الجيش الأردني … وقد أتقن مهمته اتقانا رائعاً أدت إلى النتائج الباهرة في معركة الكرامة الخالدة .
تلك المعركة التي ساهمت في وضع حركتنا على قمة القيادة والمسؤولية الفلسطينية وهي التي كانت المفتاح الذي شق طريقنا إلى ارض الوطن .
رحم الله أبا صبري … واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء ..